يكتبها: ابراهيم الجندي
صحفي مصري مقيم في واشنطن

elgendy@hotmail.com
 



 
لا.. لتطبيق الحدود الاسلامية !!!ا



أرسل لى وحدا ممن أتشرف بقراء تهم لما أكتب رسالة مفادها ، أنه يتمنى لو تطبق الشريعة الاسلامية (يقصد الحدود ) ويضاف لها حد قطع الرقبة ليطبق على الزنادقة أمثالى ممن يتعدّون على الاسلام صباح مساء !!!ا

فالجماعات الأصولية ومن يتعاطف معها تنادى ليل نهار بتطبيق الحدود الاسلامية حتى ينصلح حال الكون، تلك الحدود التى يطلق عليهاالعامة والبسطاء لفظ الشريعة الاسلامية ، وحتى تكون المسميات أكثر دقة، فالحدود عبارة عن الجزء العقابى فى الدين الاسلامى ، ونحن اذ نرفض بتاتا تطبيق مثل هذا الجزء لأسباب أولها: أن المجتمعات الحالية محكومة بالقانون المدنى لا بما يسمى الشريعة الاسلامية ، والذى نتحدى من ينادون بتطبيقها بطرحها على الناس كبرنامج سياسى متكامل لحكم دولة ، وبالتالى فليس من العدل أن يحكم المجتمع بالقانون المدنى ، ونطبق علي أفراده جزئية من قانون آخر !!ا

ثانيا : كيف ستطبق هذه الحدود على شركائنا فى الوطن - أعنى ملايين المسيحيين، اذ أن لهم شريعة مختلفة ورسول آخر ، فاذا كان الأمرلابد منه ، وحتى نعدل بين الشريعتين- ولن نعدل- فلنطبق الشريعة المسيحية عليهم ، بل ونعتبرها مصدرا أساسيا للتشريع بجوار شقيقتها المسلمة منعا للتمييز، فحدود معلوماتى أن مصدر الديانتين واحد، بل ان هناك اعتراف متبادل بينهما .. أليس كذلك !!ا

ثالثا: أن تركيبة الدولة الآن بمفهومها الحديث تختلف تمام الاختلاف عن مجتمع القبيلة والعشيرة على عهد النبى ومن تلاه من الخلفاء ، فالحدود لم تعد تصلح للتطبيق لاختلاف مفهوم الجريمة نفسه عن ذى قبل ، وعلى سبيل المثال لتطبيق حد الزنا ، يجب أن يرى الفعل أربعة شهود عدول ، اعتمادا على أن الفعل يتم فى العشش والخيام كما كان يحدث فى السابق ، أما الأن فقد اختلف الوضع ويستحيل تطبيق الحد فعليا بعد أن تطورت المبانى واستحكمت الأقفال ، مع استحالة تجميع أربعة شهود خصوصا لو كانوا عدول أثناء ارتكاب الفعل ، عكس القانون المدنى الذى يمكن أن يوقع العقوبة بقرائن أخرى مختلفة ، كتسجيل المكالمات وتحريز الملابس الداخلية وتحليل السائل الموجود عليها ، لاثبات الجريمة وعقاب فاعليها حسب مواد القانون ، أما بالنسبة للسرقة فان مفهومها اختلف هو الآخر، حيث أن هناك سرقة أفكار وأبحاث علمية الأمرالذى يختلف عن السرقة التقليدية الذى وردت بشأنها النصوص، فكيف نطبق حد القطع على مرتكبيها؟

بالاضافة أن القطع سوف يزيد البطالة ، ويخلق عاهات ظاهرة يمكن أن يعاير بها الناس السارق مما قد يدفعه لارتكاب جرائم أخرى ، عكس القانون المدنى الذى يقضى بسجن السارق، ونحن نقترح أن تسدد الدولة للمسروق حقه ، وتقوم بتشغيل السارق فى السجن حسب تخصصه حتى يسدد قيمة ما سرقه، وبذلك يتحقق العدل ، والا فما الذى سيستفيده المسروق بقطع يد السارق أو سجنه ؟

وكذلك باقى الحدود يستحيل تطبيقها ، ولو أعملنا العقل مثلما فعل عمر بن الخطاب الذى اجتهد وعطّل العمل بحد السرقة فى عام المجاعة لانتفاء موجب تطبيقه ، لأمكننا الاعلان صراحة عن وقف العمل بجميع الحدود لانتفاء موجبها ، ولأمكننا أيضا التخلص نهائيا من القاعدة الفقهية التى تقول لا اجتهاد مع نص فالمفترض أن العقل كفيل بالنص وليس العكس ، فنحن فى زمن العقل وليس النقل، واذا لم نجتهد مع النصوص ففيم سنجتهد ، هل نجتهد فى الفروع وأقوال الفقهاء؟!!ا

قد يرد علينا من يقول ان الاجتهاد ركن أساسى فى الاسلام يمكنه استحداث عقوبات للجرائم الجديدة ومسايرة الزمن ، ولنا رد بسيط للغاية ، هو أن الاجتهاد ليس ركنا اسلاميا وانما عملا انسانيا بحتا ، فالبشر يجتهدون قبل نزول الأديان وبعدها، بالاضافة لذلك فان المجتمعات التى لا تؤمن بالأديان السماوية تجتهد ليل نهار، والا فكيف تطورت دولة كاليابان مثلا ؟

هل تطورت بالاجتهاد الاسلامى ، وهى التى لا تؤمن بالأديان السماوية من الأساس ؟

ان الأديان تصلح لكل زمان ومكان كشعائر، فلن يمنعك احد من أن تصلى وتصوم حسب ديانتك ، لكن أن تزج بالأديان فى الحياة والعلم والاقتصاد، فهذا يعنى افساد الدين والدنيا معا ، وعلى من يختلف معنا أن يأتى لنا بنموزج ناجح لدولة واحدة تتخذ من الأديان شعارا لممارساتها، ودولة الرسول نفسها لم تكن دولة بالمعنى الحالى ، سبق أن أجريت حوارا مع أحد رؤساء رؤساء الجمهوريات العرب السابقين بعد أن أطيح به اثر تطبيقه لما يسمى بالحدود ، وقطعه أيدى ورقاب المعارضين لنظامه باسم الاسلام ، وسألته ..هل تطبيق الحدود كان خطوة صحيحة ؟

وأجاب.. كانت جريمة .. لكنه رجانى ألا أنشر السؤال والاجابة واحترمت رغبته !ا

فاما أن ندخل العصر بالكامل أو نخرج منه بالكامل ، فنحن أمام طرحين

لا ثالث لهما أولهما : أن نقرأ جميع النصوص قراءة تاريخية ، لأن تلك هى الحقيقة ، ونناقشها بالعقل والمنطق ونهمل كل ما يتعارض منها مع التحضر والانسانية، وما يحض على كراهية الآخر واعتباره كافرا ، وما يقلل من شأن المرأة التى هى كل المجتمع ، وما يغرس روح التعالى والنرجسية فى التعامل مع الآخرين ، باعتبار ان أحد النصوص هو الأفضل دون غيره ، و أتباعه لهم الجنة دون غيرهم

ثانيهما: أن نلتزم حرفيا بالنصوص ، أى على المستوى السياسى نبحث عن خليفة من قريش وننسى بدع الفرنجة المسماة بالديمقراطية وحقوق الانسان ، وان نعتبر العالم كله كافرا يجب محاربته بالسيف - وهى فرصة للحدادين كى يبدأو سن السيوف - وعلى مستوى الحياة اليومية يجب ان نبتعد عن كل ما يشغلنا عن العبادة ، على اعتبار أن الانس بالاضافة للجن ما خلقوا الا لها ، كما يجب اعتبار التليفزيون والانترنت والطائرات- و كل منتجات العصر الحديث التى أنتجها الكفار- رجس من عمل الشيطان ، وأن نعود الى الصحراء لنسكن الخيام ونرعى الغنم ، على أن نرتدى الزى الباكستانى و نغير أسماء نا فيقول المسلم لأخيه..السلام عليكم ياخزعل ..فيرد عليه ..وعليكم السلام يا نعثلة !!!ا

وبهذا نكون قد اخترنا التلاشى و الخروج من التاريخ ..فهل هذا ما ترغبون ؟؟


 

لقراءة المقالات السابقة لابراهيم الجندي انقر هنا