يكتبها: ابراهيم الجندي
صحفي مصري مقيم في واشنطن

elgendy@hotmail.com



اللغة العامية واللهجة العربية



يصرخ البعض ليل نهار بسبب سيادة اللهجة العامية على اللغة العربية ، فالعامية أصبحت هى القاعدة بينما العربية مجرد استثناء ، والعامية المحلية فى كل دولة عربية هى المستخدمة فى الشارع والاعلام ومراكز البحث العلمى بل وفى أقسام اللغة العربية نفسها بالجامعات ، فما هو سبب ذلك يا ترى ؟ ولماذا يعانى الطلاب العرب من صعوبة فهم قواعد لغتهم ؟ ولماذا لا يقبل الطلاب الاجانب على دراسة لغتنا بينما يقبل طلابنا على دراسة لغته ؟ وهل يمكن لنا تعديل قواعد تلك اللغة باعتبار أن من وضعوها بشر أم انها كالنصوص الدينية نزلت من عند الله ولا يمكن المساس بها ؟ واذا كان ذلك ممكنا فالى متى ننتظر؟ وهل اللغة بوضعها الحالى تعتبر سببا من اسباب التخلف العربى ؟ وهل سيتطور العرب الى الامام اذا حفظوا وفهموا لغتهم عن ظهر قلب ، وهل يمكن الاستغناء عن تلك اللغة واستخدام العامية كلغة للعلوم ، ولماذا يفضل معظمنا الاشعار العامية لنزار قبانى مثلا على الفصحى ؟ ثم ما هى وظيفة اللغة اساسا ؟

بداية اللغة مجرد وسيلة للتفاهم والتواصل بين مجموعة من البشروليست غاية فى حد ذاتها ، و العربية صعبة بالفعل وتضم بين جنباتها عوامل اندثارها والدليل هو اكتساح العامية لها بشكل غير مسبوق ، وعزوف الجميع عن التعامل بها خصوصا الاجيال الجديدة التى تعتبر اللغة العربية عقبة حقيقية امام مستقبلهم بسبب آلاف التفاصيل التافهة التى تعج بها تلك اللغة .

اعرف مسبقا ان طرح تلك القضية قد يثير حفيظة بعض المتعصبين للغة العربية فقط لأنها من بقايا الاجداد والأقدمين بخلاف بعض الجهلة الذين لا يفهمون فيها حرفا ومع ذلك يعارضون التغيير مدفوعين بالعاطفة الدينية باعتبار ان تلك لغة القرآن ليس الا !!

وحقيقة لا توجد لغة فى العالم تضاهى اللغة العربية فى التفاصيل اللانهائية من حيث الاعراب والتشكيل بعلامات مختلفة حددها علمى النحو والصرف ، وعلى سبيل المثال لا الحصر .. كان وأخواتها للرفع ، وان وخالاتها للنصب ، ولم وأعمامها للجزم ، والى وجيرانها للجر .....الخ من تلك العلامات التى لو أخطأت فى واحد منها لأخرجوك من الملة !

ولا أعرف حقيقة ما هو الداعى لوضع كل تلك العلامات التى لا داعى لها اصلا، اللهم الا أن الاولين- كابن مالك الذى اتحفنا بألفتيه العتيدة شعرا وسيبويه وغيرهما- وضعوها بهذا الشكل !!

والسؤال المفترض الآن .. ما الذى سيحدث لو عكسنا الاية وجعلنا كان للنصب وان للرفع ؟

اعتقد انه لن يحدث شىء سوى بعض الاستغراب لفترة ثم سنتعود بعدها على ذلك .. أقصد ان اللغة لن تندثر بهذا التغيير ، وبناء عليه يجب أن تكون لدينا الجرأة للتخلص من كل تلك الزوائد والنفايات اللغوية ، والغاء كل تلك العلامات وعمليات الاعراب واستبدالها بتسكين اللغة العربية .

فما الفرق بين ان نقول.. كان سمير فى المدرسة .. وبين أن نقول .. ان سمير فى المدرسة ، بتسكين راء سمير فى الحالتين دون رفع أو نصب أو اعراب ، فالمهم ان الرسالة وصلت من المرسل وتلقاها المستقبل وفهم معناها ، وتلك هى مهمة اللغة .. فهى كما سبق وذكرت مجرد وسيلة، الا اذا اعتبرناها غاية وقدسا من الاقداس وعبدناها دون أن تواتينا الجرأة للاقتراب منها أوتعديلها !!

أذكر أننى سافرت بعد امتحانات الثانوية الازهرية وتولى أحد الزملاء ملء استمارة الرغبات نيابة عنى واذا بى افاجأ بترشحيى لدراسة اللغة العربية وكانت اللوائح تمنع من التحويل طالما ان تلك هى رغبة الطالب فى استمارته ، فدخلت ومعى عشرون طالبا الى عميد الكلية فى حينه الدكتور محمد رجب البيومى ، فاستمع الى الاسباب التى دعت كل منا الى التحويل، فرفض اسبابهم جميعا- والتى تراوحت بين رغبة بعضهم الانتقال الى كلية بجوار سكنه الى خوف الاخر من صعوبة اللغة العربية - وعندما سألنى عن سبب التحويل أجبته بمنتهى الجرأة ، أننى أكره تلك اللغة ، وكان نص تاشيرته على طلبى .. يحول فورا خلافا لجميع القواعد المعمول بها فى جامعة الازهر !!

وللعلم فان القرآن لم يكن منقوطا ولا مشكلا لفترة دامت عشرات السنين، الى ان اضيفت له تلك العلامات فى فترة لاحقة ، ومع ذلك كان الكلام مفهوما وتحققت الغاية منه ووصلت الرسالة من المرسل الى المستقبلين لها بدليل ايمانهم بها وتصديقهم لها ، اذن لابد ان نصغى الى كلام طه حسين مرة اخرى والذى قال .. اننا نملك ناصية تلك اللغة ويمكن لنا ان نضيف اليها ونحذف منها أيضا !!

ان العالم العربى مطالب الان أكثر من أى وقت مضى بالبحث فى كيفية تطوير تلك اللغة حتى تستوعبها الاجيال الجديدة بدلا من هروبها الى لغات أخرى قد تكون جيدة كالانجليزية والفرنسية أو سيئة كلغة الشوارع أو الاغانى الهابطة التى سادت هذه الايام !!

ان تسكين اللغة العربية والغاء الاعراب وجميع اشارات التشكيل كالضم والكسر والفتح والجزم ........ الخ ، هو بداية الحل من وجهة نظرنا!!

اذكر ان المطالبة بتغيير المناهج كانت جريمة فى بدايتها والان أصبحت عادية والجميع ينادى بها وعلى رأسهم من كانوا فى جبهة المعارضة ،اننا نحتاج الى ثورة حقيقية فى المفاهيم لن يقودها الا المتحررين الذين يملكون جسارة القول ويخافون على مستقبل أوطانهم ، والا ستصبح العربية هى اللهجة والعامية هى اللغة !!
 

لقراءة المقالات السابقة لابراهيم الجندي انقر هنا