يكتبها: ابراهيم الجندي
صحفي مصري مقيم في واشنطن

elgendy@hotmail.com



الديمقراطية ... والمناعة العربية

 

تصرخ الشعوب العربية ليل نهار مطالبة بالديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ، والتداول السلمى للسلطة عن طريق الانتخابات الحرة وصناديق الاقتراع دون تدخل الدولة ، على الرغم ان تلك الشعوب لا تؤمن بالديمقراطية أصلا !!

وهناك حالتين للتدليل على ان الديكتاتورية التى نعانيها ليست قاصرة على الحكام وانما تشمل الشعوب العربية وعدم قناعتها الفعلية بالديمقراطية كطريق وحيد للتعايش !!

الحالة الاولى .. نوعية العلاقة التى تربط بين أفراد المجتمع أنفسهم بعيدا عن الحكام ، كالمدير بالموظفين ، وصاحب العمل بالعمال ، والزوج بزوجته ، واستاذ الجامعة بطلابه ، والطبيب بمرضاه ، والضابط بالمتهم ، والأب بالأبن ، وطالب الفتوى بأصحاب اللحى ، والصحفى برئيس تحريره، وعضو الحزب بالاقدم منه، وعضو الجماعة الدينيه بشيخه .........الخ ، تلك العلاقات الديكتاتورية التى تفوق فى قسوتها علاقة الحاكم بشعبه

الحالة الثانية ... هى تلك العلاقة التى تحكم المؤسسات العربية فى الغرب ، وواشنطن مثال ، فالمؤسسات الموجودة هنا يتربع على عرش كل منها شخص واحد ، وهو الذى يتحكم فى كل صغيرة وكبيرة ، وللأسف أن معظم هذه المنظمات معنية بحقوق الانسان ، وقد التقيت اثنين من مسئولى هذه المنظمات ، أولهما مسئول عن منظمة مسيحية ، يبغبغ ويغترش ليل نهار عن اضطهاد المسلمين للمسيحيين فى بلده ، ويجمع التبرعات على هذا الأساس ، ولا عمل له سوى هذه القصة التى تغنيه عناء العمل وتغطى تكاليف سكنه ومعيشته وسيارته وما يستجد من مصروفات بالاضافة الى سفرياته ، والثانى مسئول عن منظمة اسلامية تصدر بيانات يومية وتنشرها على المواقع الألكترونية عن منع المدارس الأميريكية للفتيات المحجبات النجيبات من بنات دينه ، وعلى هذا الأساس يجمع التبرعات ويحيا فى بلهنية من العيش كالمسيحى سالف الذكر ، وكلاهما لم يتزحزح عن موقعة منذ بدأت منظمته ، تماما كالرؤساء العرب ، الغريب فى أمر هؤلاء انهم حينما يزورون بلدانهم فان الأجهزة تحاول استرضائهم واستقطابهم ، على الرغم انهم رعاع لا قيمة لهم هنا، ولكن بسبب ضعف الأنظمة وارتكابها ما تخجل منه فانها تتودد الى مثل هؤلاء الأطفال!!

ان الحضارة الأميريكية بكل عراقتها فى الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان لم تؤثر فى الانسان العربى وكأنما تم حقنه بمصل ضد تلك البدع الغربية

انها اشكالية كبرى أن يطالب الانسان بما لا يؤمن به اصلا ، اننى أعتقد أن الانسان العربى يجب أن يخضع لعملية تشريح بيولوجية ونفسية ، ودراسة اكلينيكية متعمقة باعتباره حالة مستعصية على الفهم ، أو كائن غريب هبط من كوكب آخر ، ويجب فحص خلايا مخه ان وجدوا له مخ أصلا للوصول الى المرض الكائن فيها ، واذا لم يتوصلوا الى علاج فليس أمامهم سوى التخلص من هذا الكائن الغريب حتى تعيش البشرية فى وئام ، فانظروا الى اركان الدنيا الأربعة ، لتجدوا أن جميع بؤر التوتر والقلائل يقف خلفها وبكل فخر- الانسان العربى !

فالانسان العربى لا يؤمن سوى باتجاه واحد .. فالزوجة ناشز اذا اختلفت مع زوجها ، والابن عاق اذا اختلف مع والده، والموظف شارد اذا اختلف مع مديره ، والصحفى عديم الموهبة اذا اختلف مع رئيس تحريره ، وعضو الحزب انتهازى اذا اختلف مع قيادته ، وصاحب الرأى كافر اذا اختلف مع أصحاب اللحى ، والطالب قليل التربية اذا اختلف مع استاذه ....... الخ من تلك العلاقات المجتمعية المريضة ، فالسلطة ما هى الا تعبير أمين عن هذه العلاقات ، وكل حكومة تعبر عن شعبها كما قال كارل ماركس ، وحقيقة لم أجد أنسب من وصف هنرى كيسنجر وزير خارجية أميريكا الأسبق للحالة العربية ، حينما قال أن العرب قبائل يحكمها شيوخ ، وذلك عندما نصح وفد الوساطة الأميريكى فى مباحثات الكيلو 101 بين مصر واسرائيل بالتركيز على أنور السادات فقط لأنه - حسب وصف كيسنجر- شيخ القبيلة ، اذا اقتنع فلا قيمة للباقين ، وقد كان .. فعلى الرغم من اعتراض واستقالة المشير عبد الغنى الجمسى اعتراضا على نقاط وافق عليها السادات الا أن ما أراده الأخير تم تنفيذه !!

ومن الجدير بالذكر ان هذا المرض ليس اسلاميا بالأساس بل عربيا يشمل المسيحيين العرب وبجدارة ، و المثال التالى موجه للكتّاب المسيحيين الذين يتهمون الاسلام والمسلمين بالديكتاتورية والتسلط علما بأننى لا أدافع عن الاسلام ، فلست من المؤمنين باقحام الأديان فى الحياة ، وأرى ضرورة قصر دورها على كونها شعائر وطقوس تمارس فقط فى دور العبادة فقد رفض قداسة البابا شنودة الثالث ادخال جثمان صديقى المرحوم القس ابراهيم عبد السيد لأية كنيسة للصلاة عليه ، لأنه اختلف مع البابا حيا، فكان لابد من تأديبه والانتقام منه ميتا ، ولضرب المثل- بجثمانه الطاهر الذى ظل يوما كاملا فى الشارع فى انتظار كنيسة تقبله - لكل من تراوده نفسه لاقتراف خطيئة الاختلاف مع قداسته ، بالاضافة الى ان قداسته لا يمكن زحزحته من مكانه الا بعزرائيل كالحكام العرب ، ولمن لا يعرف أبونا ابراهيم عبد السيد أقول أنه كان أنقى وأطهر انسان على وجه الأرض ، وكان يصف معظم الكتّاب المسيحيين فى الخارج بالمرتزقة باسم الاضطهاد ، وعندما أتيت الى واشنطن عرفت انه كان على حق، وقد بكيته كما لم أبك والدى ، وتعلمت منه أن الحق أحق أن يتبع ، والحياة أقصر من أن ينافق أو يخاف الانسان لأى سبب كان ، وبهذه المناسبة أطالب هيئة الكتاب المصرية بتجميع مؤلفاته واعادة نشرها فهى وحدها الكفيلة بنشر قيم المحبة والتسامح والوئام ، وليس هرطقات الغوغاء الجدد التى تقطر حقدا ومرارة ، وفى النهاية ليس أمامنا كعرب سوى طريق واحد للبقاء ، اما أن نتخذ من حق الاختلاف دينا ومنهجا واما الفناء !!

 

لقراءة المقالات السابقة لابراهيم الجندي انقر هنا