د. عمرو اسماعيل
jakoushamr@hotmail.com
jakoushamr@ems.org.eg

احداث الرياض والبصرة
والمفهوم الافيوني للدين


 



أن جملة الدين أفيون الشعوب و المشهورة عن كارل ماركس يأخذها خصوم الشيوعية و معظم مؤيديها علي أنها تعني عداء ماركس والشيوعية للدين وقد يكونوا علي حق ولكن ليس علي الإطلاق.

فأنا لست شيوعيا ولا حتى يساريا و أعتبر نفسي مسلما مؤمنا و محبا لله و رسوله حتى لو اعترض البعض ولكني أؤيد ماركس أن الدين ممكن أن يكون فعلا أفيون للشعوب و أعتقد أن ماركس عندما كتب هذه الجملة كان يصف مفهوم أو أيديولوجية الدين عندما يكون مفهوما ضارا بالشعوب التي تتبناه , ذلك المفهوم الذي يذهب بالعقل تماما كالأفيون ويجعل هذه الشعوب تقبل وضعها المزري علي أنه أرادة إلهية أو أنه نوع من القضاء و القدر أو يجعلها تقبل القتل و الخطف و التمثيل بالجثث علي أنه جهاد في سبيل الله.

يجعلها تقبل الظلم الواقع عليها من حكامها وحالتها الاقتصادية المزرية الناتجة عن فشل الحكومات واستئثار السلطة و أذنابها من المنافقين بالثروة وسرقة كد و عرق هذه الشعوب .. تقبل الشعوب هذا الظلم الدنيوي و الذي هو من عمل البشر علي أنه أرادة ألله و أنه كل ما عليها أن تفعله هو أن تكثر من التضرع إليه بالصلاة و الدعاء أن يرفع عنها هذا البلاء أو أن يعوضها عنه بالجنة في الحياة الآخرة .. وهو مفهوم يعمقه لدي العامة منذ ظهور الإسلام وقبله في الأديان الأخرى فقهاء السلطة من المنتفعين بجاه السلطان أو الراهبين سطوة سيفه, و الذين لا ينفكون يقنعون العامة أن طاعة ولي الأمر هو من طاعة الله وأن طاعة أمام جائر يقيم الصلاة و الحدود الشرعية و يحمي الثغور هي واجبة شرعا لأن الخروج عليه أو محاولة تغيير الواقع قد ينتج عنه فتنة تضر بالمسلمين أكثر مما تنفعهم وينسون أن هناك وسائل كثيرة و سلمية لدفع الظلم وتقويم الحاكم غير العنف والسيف اللذان يؤديان إلي الفتنة و أضرارها.

ناسين أو متناسين أن الإسلام كان ثورة ضد الظلم والقبلية و الاستعباد و أن الله هو القائل في محكم كتابه أنه لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم وأن رسولنا الكريم صلوات الله عليه هو من قال لا فضل لعربي علي أعجمي ألا بالتقوي .. وفقهاء السلطة هؤلاء كثيرون في تاريخنا و منهم من يعيشون بيننا حتى الآن و يزينون للحكام ظلمهم.

أما الأخطر فهو قراءة الدين بمفهوم انتقائي عنصري يشبه هلوسة متعاطي الأفيون الذي يريد أن يهرب من الواقع الي حلم يصعب تحقيقه ويجعله يعتقد أنه أفضل أو أقوي إنسان في العالم و يكون وهو في حالة النشوي الناتجة عن الأفيون الحقيقى أو الديني قادرا علي تنفيذ أعمال غير إنسانية لا يستطيع أن ينفذها وهو في حالته الطبيعية.

وهذا الجانب من المفهوم الأفيوني للدين هو الجانب الذي تستغله جماعات العنف من الإسلام السياسي في التحكم بأتباعها و استقطاب أعضاء جدد من المجموعة الأولي .. فهذه الجماعات تغيب عقول هؤلاء بالتركيز علي عظمة المسلمين في العصور الأولي و كيف أن المسلمين حكموا العالم واستمتعوا بخيراته وعلا شأنهم علي الكفرة من أتباع الأديان الأخرى لأنهم قوم كانوا يحبون الشهادة وكانوا يطيعون قادتهم في القتال في سبيل الله فينشرون العدل بين الأقوام التي استسلمت لسيف الإسلام البتار ولذا دخلت في دين الله أفواجا وأن واجبهم الآن هو إتباع السلف الصالح وأن يسعوا للجهاد في سبيل الله وقتل أعداء الدين من الكفرة سواء من الخارج أو الداخل فيكسبون الآخرة أن لم يكسبوا الدنيا و يستمتعون بحور العين في الجنة.. فيتسابق الشباب المغيب في هذا الحلم الأفيوني الجميل إلي قتل الأبرياء أو الذين لا قيمة لهم من الأعداء في عملية انتحار شجاعة لا يمكن أن يقوم بها عاقل في حالة وعي كامل فيفقدون حياتهم عبثا بينما يستمتع الشيوخ من القادة بحياتهم في انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض علي السلطة .. ألم تلاحظوا أن معظم أن لم يكن كل من يقوم بالعمليات الأستشهادية هم من الشباب وصغار السن الذين يمكن التأثير علي عقولهم و التغرير بهم و أنا فعلا أعتبرهم شهداء لأنهم مغرر بهم و عقولهم مغيبة و يقدمون علي عملهم لأسباب يؤمنون بنبلها و المسئول الحقيقى هم قادتهم الذين يستخدمونهم كأسلحة بشرية لا قيمة لها لتحقيق مآربهم و تعطشهم للسلطة .

وهؤلاء القادة يتناسون عن عمد أن الأسلام أمرنا بالحكمة و الموعظة الحسنة و ان نجادل الآخرين بالتي هي أحسن وهم ينتقون آيات القتال و الجهاد و يخرجونها من سياقها و اسباب نزولها في قتال المعتدين فقط وينسون أن رسولنا الكريم و ضع شروطا لهذا القتال و هو الإنذار أولا وقتال المحاربين فقط دون النساء و الأطفال و العزل وعدم قطع الحرث والنسل وغيرها من الأمور التي تدل علي النخوة و الشهامة والأهم الخلق الرفيع في معاملة الأعداء فالرسول لم يبعث بأرهابيين و انتحاريين الي قريش أنما حاربهم خارج التجمعات المدنية و عندما فتح مكة عفي عن أعدائه السابقين ولكن للأسف هؤلاء الأعداء أنفسهم هم من أورثونا هذا المفهوم الخاطيء للدين .



ولعل الشعوب الإسلامية هي أفضل مثال لانتشار هذا المفهوم ألأفيوني للدين بجانبيه السلبي و العنيف المتسلط والغير واقعي.

فغالبية الشعوب الإسلامية يغلب عليها المفهوم ألأفيوني السلبي للدين وهذا المفهوم لن يتم القضاء عليه الآ بفصل الدين عن الدولة ومنع رجال الدين من التدخل و الإفتاء في أمور السياسة و العلم أي بمنتهي البساطة تبني الإصلاحات الديمقراطية.

أما المشكلة الحقيقية فهي المفهوم العنيف و المتسلط والعنصري للدين و ألا بالله قولوا لي كيف يستطيع أنسان عاقل غير مغيب العقل بفعل الأفيون الديني أن ينسف نفسه داخل سيارة مفخخة أو بحزام ناسف فيموت ويقتل معه العشرات من الأبرياء ومنهم الأطفال .. أليس هذا ما حدث في الريا ض و البصرة في الأيام الماضية وحدث قبله في كربلاء و مدريد و نيويورك .. و الأدهي أن نجد من بيننا من يبرره ويحاول أن يلتمس له الأعذار علي الملأ وشاشات التليفزيون لأنه خائف من أن يؤيده علنا مثلما يفعل منتصر الزيات أو عبد الباري عطوان .. أو يؤيده بصراحة مثلما يفعل الكثيرون علي صفحات الصحف و شبكات الأنترنت .

لا يا سادة أن ما حدث في الرياض و البصرة و كربلاء و مدريد هو قتل خسيس غادر و لايمكن تبريره علي أنه رد فعل لظلم الحكام أو أمريكا أو إسرائيل لأن ضحاياه ليسوا من هؤلاء و لكنهم منا و من الغلابة والأبشع من الأطفال الأبرياء.

والأسف الحقيقي أن السلاح لهذا العنف الغادر من الانتحاريين والمتعاطفين معه من جموع الشعوب المغيبة هم نتاج نظم الحكم الظالمة و أعوانهم من فقهاء السلطة أما الجناة الحقيقيين فهم قادة هذه الجماعات التي تدعي انتسابها الي الإسلام ومنظروها من الفقهاء والإسلام منهم براء .. فهم من يطلق الزناد أما الانتحاريين و صغار الإرهابيين فليسوا سوي أداة القتل .. وهؤلاء القادة مثلهم مثل زعماء عصابات المخدرات ولن يمكن القضاء علي هذا الأفيون الديني ألا بالقضاء علي رؤوسه.

أن الدين الحقيقي و خاصة الإسلام هو الدين الذي يحض علي الأخلاق والعمل والعدل ونشر هذا العدل ويعطي للأنسان الراحة النفسية أثناء عبادة الله و التضرع له و يجعله قادرا علي تقبل مصاعب الحياة من مرض او حتي سوء حظ و ليس تقبل الظلم و القهر الذي هو عمل بشري يمكن دفعه, و هذا الدين الحقيقي في نفس الوقت يجعل الأنسان يقاوم الظلم و العدوان و يقاتله بنخوة وشهامة و عقل ..لا يهدر دماءا بريئة و لا يقهر الآخرين علي اتباع عقيدته .. هذا هو الدين الذي لا يمكن أن يكون أفيونا للشعوب بل حافزا لها للرقي و التقدم.

والدين لا بد أن يتحول الي أفيون للشعوب أن تم استخدامه في السياسة من قبل الحكام و فقهائهم أو قادة جماعات العنف والتي تدعي زورا وبهتانا انتمائها الي الأسلام .

وهذا المفهوم الأفيوني هو ما جعل من لا دين لهم و لا خلق هم من يستمتعون بخيرات الحياة الدنيا ويقودون العالم الي العنف و القتل و ربما الي الفناء في نهاية الأمر .. لقد تخلص الغرب الي حد ما و ليس تماما من هذا المفهوم عندما تخلص من فقهاء السلطة والمتاجرين بالدين .. ولكن من وقت لآخر يظهر فيه أمثال شارون و بوش من أتباع اليمين المتطرف .. ولكن هناك الأمور تصلح نفسها بفضل الديمقراطية .. أما نحن فما زال الطريق طويلا أمامنا للتخلص من هذا المفهوم و العودة الي الأسلام الحق أو أعادة اكتشافه.

أن الحل الحقيقي و أتوجه برجائي هذا الي كل قادتنا و عقلائنا أن أردنا تفادي المزيد من الهدر العبثي من الدماء هو عدم خلط الدين بالسياسة لا في قضية فلسطين و لا في العراق ولا في قضايانا الداخلية و صراعنا مع أي حكومة ظالمة فالقتل عندها يصبح طريقا للجنة .. تخيلوا دماء طفل بريء في طريقه للمدرسة تكون طريقا الي الجنة ويصبح مهدرها شهيدا .. أي عبث هذا ..في الحقيقة لا فرق أطلاقا بين شارون و أسامة بن لادن كلاهما قاتل و سفاح وها أنذا أقولها بصوت عالي يجب الخلاص من كليهما أما منتصر الزيات فيجب منعه من الظهور علي شاشات التليفزيون لتبرير مثل هذه الأعمال الإجرامية و هو تحريض مبطن علي العنف لا فرق أطلاقا بينه و بين سعيد الزعير فلماذا تم القبض علي الأخير ثم تستضيف العربية الزيات ليقول نفس الكلام بطريقة غير مباشرة و يطلق علي بن لادن أسم الشيخ والذي يعبر في وجدان رجل الشارع عن الأحترام.

كفانا دفنا للرؤوس في الرمال .. لا حل لهذه المشكلة ألا بفصل الدين عن السياسة و اعتبار كل من يقتل أو يتسبب في قتل مدنيا مهما كانت القضية التي يدافع عنها هو أرهابي .. سواء كان هذا القاتل شارون أو بن لادن أو من يدعون أنهم مقاومة في العراق.
 

لقراءة مقالات الدكتور عمرو اسماعيل السابقة انقر هنا