|
الاسلام والاصلاح
السياسي
قراءة في المبادرات المطروحة
تموج الساحة السياسية في مصر والعالم العربي بنقاش حاد حول الاصلاح السياسي
وضرورته وهل هو مفروض من الخارج خاصة بعد غزو امريكا للعراق و ما تسميه حربا
علي الارهاب وينقسم الشارع والنخبة الي قسمين, قسم يري ان كلام امريكا عن
الاصلاح هو كلمة حق يراد بها باطل ويتهم بعض من يتفقون مع التوجه الدولي في
ضرورة الاصلاح الديمقراطي والسريع كوسيلة ملحة لمحاربة التطرف و الارهاب , أنهم
عملاء وضد الدين وانهم علمانيون يتآمرون مع امريكا علي ديننا وتراثنا وقسم آخر
يعتبر ان الاصلاح السياسي والدستوري في مصر والعالم العربي هو فعلا ضرورة ملحة
و مطلب جماهيري حتي وان طالبت به أمريكا والغرب ويتهم من يقفون في طريقه بأنهم
متخلفون يعيشون في القرون الوسطي أو انهم من المستفيدين من النظم الشمولية
والديكتاتورية التي حكمت ومازالت تحكم عالمنا العربي .. ونتيجة لهذا الخلاف
الحاد بين الطرفين تطايرت الاتهامات بالعمالة والخروج من الملة والتخلف بين
الطرفين وحدث تشويه متعمد لمصطلحات سياسية مثل العلمانية والديمقراطية
والليبرالية .
ولعل القاسم الوحيد المشترك بين الطرفين هو عدم الرضاء عن وضعنا الحالي الذي
وصل بفضل نظم الحكم التي تسلطت علينا منذ اكثر من نصف قرن الي درجة من السوء
والانحدار الاقتصادي و الحضاري لا يمكن السكوت عليها وتنذر بعاصفة هوجاء تعصف
بالجميع حكاما و محكومين .. وما حدث في العراق من غزو امريكي و ما يحدث في
فلسطين وما يحدث من عنف سياسي وارهاب في المنطقة الا انذار للجميع بما قد يحدث
ان استمر الوضع الحالي.
في الحقيقة أنا لا أري أي سبب حقيقي او مبرر للخلاف بين الطرفين ان هما كانا
صادقين فعلا في الخروج من الوضع الحالي وهما بخلافهما يطيلان في عمر نظم الحكم
الديكتاتورية التي تتحكم في رقابنا وهو خلاف شكلي حول المصطلحات اكثر منه خلاف
حقيقي .
فأنا لا أعتقد ان اي حركة من التي يطلق عليها ليبرالية او علمانية ممكن ان
تنادي بعزل الدين عن المجتمع .. فالدين سواء الاسلام او المسيحية هو في صميم
قلب كل مصري ولكن في نفس الوقت فأن من يخافون من الديمقراطية يبالغون في تخوفهم
.. والحقيقة أن المبادرات التي تم طرحها علي الساحة أخيرا سواء مبادرة الاخوان
المسلمين او مبادرة حزب التجمع أو حتي بيان مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية
للإصلاح والديمقراطية حول ضرورة الاصلاح لا تختلف كثيرا في مضمونها وتتفق في
كثير من النقاط أكثر مما تختلف .. ولعل المركز الاخير ورئيسه سعد الدين ابراهيم
هو اكثر ما تلقي من قائمة الاتهامات المعروفة .. رغم ان الجميع ينادي بنفس
الشيء.
هل يستطيع أحد ان ينكر أن الإصلاح أصبحت قضية أمن قومي مصريّ وعربيّ لا يجوز
تأجيلها أو التذرع بأيّة أعذار للتباطؤ في تنفيذها.
هل يستطيع أحد أن ينكر أن الإصلاح السياسي هو المدخل الرئيسيّ للإصلاح
المجتمعيّ الشامل.
وهل يستطيع أحد ان يقول ان المطالب التاليه هي ضد الاسلام :
*البداية الحقيقية للإصلاح السياسيّ هي تعديل الدستور، وتحديدًا في مواده
الخاصة بطريقة اختيار وصلاحيات رئيس الجمهورية، لاختيار الرئيس ونائبه
بالانتخاب التنافسيّ الحر المباشر بين أكثر من مرشح. وألا يتجاوز شغل هذا
المنصب فترة واحدة لمدة ست سنوات، أو فترتين متتاليتين لا تتجاوز كل منهما أربع
سنوات، أو ما مجموعه ثمان سنوات.
*والفصل التام بين السلطات التشريعيَّة والتنفيذية والقضائيَّة، وتأكيد استقلال
القضاء،
*إلغاء حالة الطوارئ، وكل القوانين المقيدة للحريات العامة،
*دعوة كافة منظمات المجتمع المدنيّ والجمعيات غير الحكومية والقوى السياسيَّة
المصرية بالتعاون مع الهيئات الإقليميَّة والدوليَّة المختلفة لإيجاد قاسم
ايجابيّ مشترك للعمل الفوريّ المستقل، للضغط نحو التغيير قبل انتهاء فترة رئاسة
الجمهورية الحالية في شهر سبتمبر 2005، ومجيء انتخابات مجلس الشعب المصريّ في
نوفمبر 2005 حتى لا يتم تزوير إرادة الشعب المصريّ
هذه هي توصيات مؤتمر مركز ابن خلدون حول الاصلاح فهل فيها غير ما نطالب به
جميعا وهل فيها ما هو ضد الاسلام او حتي ما يمكن ان تعترض عليه جماعة الاخوان
المسلمين.
والفقرة التاليه قد تثير بعض الخوف و التحفظات وهي تقول :
*رفض التذرع بالخصوصية الحضارية والدينيَّة للطعن أو الانتقاص من عالمية مبادئ
الحكم الرشيد والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، والتي تتضمن ترسيخ شعور
المواطن بالمواطنة والكرامة والمساواة وتعزيز مشاركته في إدارة شئون بلاده
وتطبيق مبادئ المسائلة والشفافية، حيث أن هذه القيم هي ثمرة تفاعل وتواصل
الحضارات والثقافات عبر التاريخ، كما أن الفهم الحقيقيّ للإسلام يؤيّد بصورة
مطلقة هذه القيم.
رغم انني لا أجد فيها اي شيء يثير الخوف و أوافق ان الفهم الحقيقي للاسلام يتفق
و هذه القيم .
ولذا احب ان اطمئن كل الغيورين علي الاسلام انه لا خوف علي الدين الاسلامي من
الديمقراطية بالعكس ان القيم الاخلاقية التي يغرسها الاسلام فينا تثري التجربة
الديمقراطية و أطمئنهم ان قضايا مثل زواج المثليين و أباحة الزنا و الاجهاض لن
تكون أبدا من مطالب اي حزب او جماعة في مصر لأنه ببساطه اي حزب يعرف انه ان
طالب بذلك فهذا يعني سقوطه الذريع في الانتخابات.
ولكن كل ما يطالب به المحسوبين علي التيار الليبرالي او حتي العلماني في مصر هو
المطالب السابقة وعدم اعتبار رجل الدين كائناً مقدّساً و أن العلاقة بين
العلماء والشعب ينبغي أن تكون على غرار علاقة الإستاذ والتليمذ- وليس على غرار
علاقة القائد والتابع، الناس ليس قروداً ليكتفوا بالتقليد وعدم التفكير و يجب
عليهم الاجتهاد للوصول الي فقه يتناسب مع القرن الحالي و في نفس الوقت لا
يتعارض مع أصول الاسلام .
في النهاية هذا ما أعنيه بفصل الدين عن الدولة او هذا مفهومي للعلمانية و لا
أعتقد أن فيه أي شيء يتعارض مع اصول الاسلام .. و أعتقد ان الخلاف بين جميع
تيارات الاصلاح السياسي علي الساحة المصرية هو خلاف مفتعل لكسب الشارع وهو خلاف
أسوأ ما فيه هو توقيته .. رغم ان الجميع يجب ان يتكاتف في هذه اللحظة لنحصل
جميعا علي مطالبنا في الاصلاح الدستوري .. ثم بعد ذلك نستطيع ان نختلف بطريقة
حضارية لكسب قلب الشارع المصري ومحاولة الوصول للحكم عبر صناديق الانتخابات
فهذا حق مشروع للجميع. |