لإسبوعين متتاليين تحتفي الصحافة الثقافية المتخصصة في مصر وبعض الصحف والمجلات العربية بالذكرى العشرين لرحيل المبدع الكبير المتمردة والمصادم والمجدد.. الرائي للفاجعة الداهمة والمنذر منها والمتفجر بروح الرفض والاباء الشاعر العربي الكبير أمل دنقل والذي صبغ القصيدة العربية الجديدة بقسمات خاصة به في الجزالة والقوة. وبلاغة التحريض ووضوح المجابهة حتى بدا بل غدى ابداعه الشعري متميزا به لعلو صوته الجهوري وحدية نظرته الابداعية وصلابة الرؤية والموقف والصورة على حد سواء ولقد كان من أهم ما قرأته عن شعره في نهاية الثمانينات بعد ارتفاعه إلى الرفيق الاعلى إثر مرض عضال المقدمة النقدية الهامة التي كتبها استاذنا الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح للأعمال الشعرية الكاملة للراحل الخالد والتي صدرت في عام 85م عن دار العودة في بيروت بالتعاون مع مكتبة مدبولي في القاهرة وكانت تلكم المقدمة منسوجة في تشكيلة من الذكريات والاحاديث عن أمل دنقل وإبداعه المتميز وكانت الكلمات والجمل مثقلة بمرارة الأسى ولفحات الحزن التي نهضت متوجعة بكل ما اضطرمت به نفوس الشعراء والمثقفين العرب عموماً وفي مصر خاصة من شاعر الألم المرير والفجيعة برغم جبروت الداء الذي بدى للجميع دون الشاعر نفسه بأنه فتك بجسده ولم يستطع ان يكسر روحه. لكنه عطل مشكاة شعرية خارقة من تواصل الفيض والعطاء.. والتجدد والإثراء لحياتنا الابداعية العربية فكان رحيله خسارة جسيمة لم يستطع ان يعوضها الشعر او يسطع بمثلها المشهد الابداعي العربي سواء في مصر او خارجها دون ان يشكل هذا الحكم الخاص والذاتي فيما يتعلق بشعر أمل دنقل وحده غمطا.. او نكرانا لابداع الآخرين من المتميزين والمتفردين على الساحة الابداعية العربية فبتحكيم ذات المعايير الفنية والموضوعية المستنبطة من حصيلة العطاء البالغ الثراء لأمل دنقل.. لايوجد المضاهي ولا القرين فضلا عن المتفوق.. ونستطيع ان نعد العشرات من المتطفلين على تجربته الشعرية، كما نستطيع ان نعد المئات من المتطفلين على تجربة ادونيس المتواصلة الحية.. لا اريد ان تذهب بي الكتابة إلى نسق لم افكر فيه.. الذي افكر فيه هو الاشادة من اعماق القلب بهذا الاحتفاء الوفي العظيم بالراحل الأعظم وبإبداعه الذي يتكشف عتاقة وفرادةً بمزاياه ودلالاته مع مرور الأيام، ان جملة التفجيرات الشعرية المتفاعلة مع هذه الذكرى والكتابات والدراسات العلمية والمو ضوعية سواء منها الانطباعية أوالنقدية.. وكذلك ما اتصل منها بإسترجاع السيرة الذاتية وتوثيق الشواهد والذكريات كلها تدل بدقة متناهية على نصاعة السيرة الصعلوكية المبدئية الواضحة لأمل دنقل الشاعر والإنسان والعاشق والمناضل وعظمة التراث الابداعي الذي اثرى به امل دنقل البلاغة السياسية واللغة العربية الشاعرة وعلو قيمة ومكانة ما أنتجه في المكتبة العربية المعاصرة وفي تدفق شرايين الحياة الثقافية العربية كما تدل على نصاعة السيرة الصعلوكية الملتزمة والراقية للشاعر رحمه الله. اننى لا انظر إلى قصيدة واحدة او الى ديوان معين من شعره وإن كان لعدد من قصائده دويها الخاص الهائل الذي احدثته مع تفجرها وتواصلها بالقارىء والمستمع وانما أنظر بشمول لكل انتاج الشاعر في حينه وعلى توالي حركة الزمن الذي تخوض فيه وإلى تفاعل أحداث الزمن معها وفعلها فيه وفي صنع الاحداث مهما بدت صغيرة في حياة الناس في مصر وغيرها واثرها العميق الى كل حين.. فذلك الإبداع كل لايجزأ.. وهو في حد ذاته حياة كاملة حافلة بكل فعل الحياة وقوتها وتأثيرها المستمر لأنها وأن كانت لاتملك الأعضاء الجارحة فإنها فياضة بروح أمل الشاعر المجدد الخالد الذي وجد في افق خاص به بعيداً عن كل من تأثر بهم في بدايته وبرهة طلوعه وبزهَّم في أبد سطوعه.