مبادرة السلام في الشعر المصري الحديث

                           بقلم: د. مشهور فواز

يمكن الزعم أن بداية اتجاه السلام مع اسرائيل, كان حدثاً سياسياً مدوياً, مثل انقلاباً حقيقياً في طبيعة الصراع العربي الاسرائيلي واتجاهاته وتولدت عنه رؤى ومواقف حادة وعنيفة ومتضاربة ولقد اختلفت طبيعة هذه المواقف ما بين مواقف سياسية ـ عربية ودولية ـ وبين مواقف اجتماعية واقتصادية, وهي مواقف عكست حدة الرفض العربي, في الوقت الذي كشفت فيه أيضا انفعالية غالبية القرارات المتخذة تجاه القرار, واعتبارها ـ في مجملها ـ لا تخرج عن طبيعة ردود الأفعال.

وانعكست فكرة السلام مع اسرائيل, والتي بدأت بزيارة السادات لاسرائيل, وما تبعها من أحداث ونتائج, انعكس كل ذلك على الشعر في مصر, وقد اخذ الشعر في مصر اتجاهين, الاتجاه الاول, هو الاتجاه المؤيد لما سمى بمبادرة السلام, ويمكن القول اجمالا ان هذا الاتجاه كان هو الاتجاه الأضعف عدداً, والأقل مستوى فنياً, كما ان هذا الاتجاه كان ـ في مجمله ـ لأصوات شعرية تتبنى القالب الشعري التقليدي (العمودي), باستثناءات قليلة.

وتعددت محاور المؤيدين لمبادرة السلام, من تقديم لمبررات السلام, ومدح لصاحب المبادرة, وحوار (يصل حد الهجاء) مع الرافضين, وإشادة بثمار السلام (التي لم يكن ثمة شيء منها قد ظهر بعد).

ولكن الصوت الأعلى فنياً, كان للشعراء الذين رفضوا السلام, وتعددت لديهم الرؤى الفكرية والموضوعية التي عالجوا من خلالها القضية, كما تعددت وسائل ادائهم الفنية, وادوات لغتهم الشعرية, فجاءت ـ باستثناءات قليلة ـ بعيدة عن المباشرة والخطابية.

ولقد تعددت محاور واتجاهات شعر السلام الرافض, على النحو التالي:

مبررات الرفض:

لقد قدم الشعر السياسي المصري الرافض لمبادرة السلام مبررات الرفض, ويفند مبررات السلام. يقول (امل دنقل) في قصيدة (مقتل كليب) الوصايا العشر:

لا تصالح
.. ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك,
حسكما ـ فجأة ـ بالرجولة,
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقه,
الصمت ـ مبتسمين ـ لتأنيب امكما
وكأنكما لا تزالان طفلين
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
ان سيفان سيفك.. صوتان صوتك
انك ان مت: للبيت رب
وللطفل أب
هل يصير دمي ـ بين عينيك ـ ماء؟
أتنسى ردائي الملطخ..
تلبس ـ فوق دمائي ـ ثيابا مطرزة بالقصب؟
إنها الحرب.. قد تثقل القلب..
لكن خلفك عار العرب.
لا تصالح.. ولا تتوخ الهرب


في هذه القصيدة الطويلة ـ عشرة مقاطع ـ يوظف امل دنقل قصة حرب البسوس, التي استمرت أربعين سنة بين بنى بكر وبنى تغلب, والشخصية الرئيسية التي يوظفها أمل في هذه القصيدة هي شخصية وائل بن ربيعة التغلبي, سيد بنى ربيعة, الملقب بكليب, الذي نشأ في حجر أبيه, ودرب على الحرب, ثم تولى قيادة الجيش لبكر وتغلب زمنا, وتزوج جليلة بنت مرة, وكان اول قتيل في حرب البسوس, اذ قتل على يد أخيها جساس, وقبل ان يلفظ انفاسه, غمس اصبعه في دمه, وكتب وصيته الى أخيه الأمير المهلهل بن ربيعة, الملقب بالزير سالم. ويتخذ أمل من شخصية كليب رمزا للمجد العربي القتيل, او للأرض العربية السليبة التي ترغب ان تعود ثانية.

يبدأ المقطع السابق بهذه الجملة الحاسمة (لا تصالح) لتكشف موقف الشاعر الصريح والواضح من الصلح او السلام. ثم يفند مباشرة اي مبرر للصلح, فيرفض ان يكون مبرر السلام الرغبة في التخلص من أعباء الحرب, وتوفير نفقاتها سعيا للرخاء: لا تصالح ولو منحوك الذهب. ويقدم الشاعر دليلا حيا على رفض المنطق السابق, اترى حين افقأ عينيك, ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى..؟, هي أشياء لا تشترى.. ويستخدم الشاعر بمهارة مفردة (عينيك), فهما وسيلة الرؤية والأبصار وتعرف الإنسان على ما يدور حوله وبذلك يكون استبدالهما بجوهرتين افتقادا للرؤية والأبصار, ومبررا للتخبط والسقوط, وهو بذلك يشير الى اثر المادة ـ حين يكون ثمنها الكرامة, والتنازلات ـ في افقاد الانسان القدرة على الحياة, واستعداده للسقوط.

ويشير الشاعر الى ان هناك اشياء كثيرة, تبدو بسيطة, ولكنها اغلى من قدرتنا على شرائها (هي اشياء لا تشترى).
ويعدد الشاعر بعض الاشياء التي تبدو هينة جدا, ولكنها تستعصى على الشراء, لأنها مزدحمة بالمواقف الانسانية الثرية, التي لا يمكن تعويضها: ذكريات الطفولة ـ الاحساس فجأة بالرجولة ــ الحياء حين العناق... ويمزج (امل دنقل) ـ بمهارة فائقة ـ بين كليب كشخصية حية, وبينه كقناع للمجد العربي, او الارض العربية, فالأشياء التي عددها امل ذكريات الطفولة... الخ مفردات انسانية حية عاشها كليب كانسان, وهي في الوقت نفسه ذات دلالة ثرية لكليب كرمز للمجد العربي, فالطفولة المشتركة, والرجولة المشتركة بين كليب ـ كرمز للمجد ـ وبين أخيه تؤكد الارتباط الحميم بين الانسان العربي وبين المجد, كما تشى بأن المجد نما وكبر في الارض العربية وبين ايدي الانسان فيها. اما الطمأنينة الابدية بينهما فهي تعكس قدرة العربي على حماية المجد, ومنحه طمأنينة ابدية, وقدرته على الدفاع عنه, وهو ما يؤكده (امل دنقل) حين يصرح ـ مخاطبا العربي ـ (ان سيفان سيفك, صوتان صوتك) اذ يجعل العربي يحارب بسيفين: سيفه وسيف المجد, ويتحدث بصوتين: صوته وصوت المجد.

ادانة المعاهدة:
واتجه الشعر السياسي المصري الرافض لمبادرة السلام, الى ادانة المعاهدة وصاحبها يقول الشاعر احمد عنتر مصطفى (في المقطع م), من قصيدته الطويلة (أبجدية الموت والثورة):

من يهن يسهل الهوان عليه.. ..... كان (ابو الطيب) الشيخ, عند حدود (حلب)
يستنفز الجواد..., ويستنفر الجند....
ابصر (سيف الرجال..)
قاصدا قيصر الروم في ذلة...
كي يوقع صك امتهان العرب..
ندت عن الارض آهة عشق, ولفح غضب
كان الجواد بعينيه يفترع الارض..
يدفن اشواقه في الرمال
والشاعر الشيخ راح يتمتم, منكسرا,
اذ يشد الرحال..
حين جفت على شفتيه الحروف..
وغام الكلام....
ما لجرح بميت ايلام
ما لجرح بميت ايلام...

تتنوع في هذا المقطع علاقة الشاعر بالتراث, ما بين التضمين الشعري, وتوظيف الشخصية التراثية, ويستخدم الشاعر التضمين بشكل جديد, اذ يستعين ببيت شائع (للمتنبي): من يهن يسهل الهوان عليه, ما لجرح بميت ايلام, ويفتتح المقطع بالشطر الاول من البيت ويختتمه بالشطر الثاني. واذا كان المتنبي يطرح في البيت حكمة, فان احمد عنتر يقدم في المقطع ما يعتبر دليلا على صحة حكمة المتنبي, ويمنحها مصداقيتها من خلال موقف حي نابض, وبذلك تعتبر تقنية التضمين, كما يعتبر بيت (المتنبي وعاء او اطارا يطرح الشاعر من خلاله تجربته, فيكسبها عمقا, اذ يوجزها في حكمة المتنبي, فيلخصها في صوت قديم له حميمته وأثره, في الوقت الذي يكسب فيه المقطع بيت المتنبي حيوية التجربة التي (توحى) بالحكمة التي كان المتنبي قد طرحها في البيت.

وبجانب التضمين, يوظف الشاعر من التراث العربي شخصيتين تراثيتين: الاولى للمتنبي, شاعر العربية الأكبر, ويتخذها رمزا للشاعر العربي المعاصر, او المثقف العربي صاحب الكلمة والوعي. والشخصية الثانية لسيف الدولة الحمداني, والشاعر لا يصرح بها, وانما يستدعيها خفية, اذ يعكس عليها أبعادا تستدعيها, عن طريق المفارقة ـ كما سنرى, والشاعر يستدعى هذه الشخصية التراثية بخفاء لإبراز المفارقة بين موقفها المشرق, وبين موقف (السادات) ـ القائد الذي وقع معاهدة كامب ديفيد, وقام بمبادرته الى القدس.

يقدم الشاعر صورة للمتنبي, وهو واقف عند حدود حلب ــ مكان الصدام بين العرب والروم ايام سيف الدولة الحمداني ـ ويقدم الشاعر حالة يبدو فيها المتنبي متأهبا للمعركة المرتقبة, فهو (يستفز الجواد) و(يستنفر الجند), وتبين هذه الحالة ان الصدام والحرب هما الفكرتان الوحيدتان اللتان تسيطران على ذهن المتنبي والجند, بل وحتى الخيل, ويبقى الجمع منتظرا سيف الدولة, ليقود المعركة المرتقبة, ولكن الذي يأتي (سيف الرجال), هذه الصيغة التي تعكس الروح المصرية في السخرية بتسمية الأشياء ـ تهكما ـ بنقيضها وسيف الدولة لا يأتي ليقود الجيوش المستعدة وانما يقصد قيصر الروم في ذلة كي يوقع صك امتهان العرب.

وتؤكد هذه الصياغة قصدية التنازل, فسيف الرجال هو الذي يقصد الروم, كما توحى بان اتجاه سيف الدولة اتجاها فرديا, فالجميع مستعد للمعركة المقبلة, وهو الأمر الذي يوحى بخيانته لرغبة الجماعة, ويدعم الشاعر فكرته بخيانة سيف الرجال حين يشير الى الصك الذي سيوقعه برغبته, هو (صك امتهان العرب), ويبين الشاعر ان سيف الرجال نفسه لم يسلم من هذه المهانة, فهو يقصد قيصر الروم في (ذلة).
وتستدعى صورة (سيف الرجال) شخصية (سيف الدولة) حيث يقيم مفارقة تصويرية خفية بين مواقف سيف الدولة الشامخة ضد الروم ومهاجمتهم, وبين الموقف المهين لسيف الرجال الذي يسعى ذليلا الى قيصر الروم, ليوقع ـ برغبته ـ صك امتهان العرب, وعن طريق هذه المفارقة بين الطرفين يعمق الشاعر المعاني التي يطرحها في قصيدته, ويبين شحوب موقف سيف الرجال.

ويصور الشاعر آثار ما أقدم عليه سيف الرجال, فالارض تصرخ غاضبة, والجواد يدفن اشواقه في الرمال, والمتنبي ينكسر ويشد الرحال, وتجف على شفتيه الحروف ويغيم الكلام, وتتعدد اتجاهات الانكسارات, كآثار لتوقيع معاهدة السلام, فتصيب الانسان (المتنبي) والارض والخيل ــ الة الحرب ووسيلتها, لتتعاون معا مبينة تحطيم المعاهدة لكل شيء.

ضياع جهد الجنود:
ويرصد الشاعر بدر توفيق ضياع جهد الجنود, في واقع ما بعد السلام. يقول في قصيدته (العهن المنفوش): هل يضيع الدم في البحر,

وفي الارض المدائن,
وحقول القمح, والنخل, ومأوى الذكريات:
حين ترتد هذي الجيوش الغفيرة يوما الى الثكنات,
وتلقى السلاح,
وتخلع عنها رداء معاركها السابقات
فتستل رجعتها للقرى المجدبات,
سيوف الجدود محاريث تفلح ارض اليباب؟
فعلى الجفن نسيج يضمر اليقظة في عين الغواية,
وعلى واجهة الدار من القرآن آية:
(أتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس)

يرى بدر توفيق في بداية القصيدة, ان عودة الجنود (الغفيرة) الى الثكنات, بعد السلام, غواية تضمر اليقظة وتتهدد كل شيء في مصر: الانسان والمدائن وحقول القمح, والنخل ومأوى الذكريات وتهدر دماء الجنود, واذا كان انتهاء الحرب وعودة الجنود مبرر بهجة وسعادة للانسان فإنها ليست كذلك بعد معاهدة السلام, بل إنها مبرر قلق وحزن وتخوف للشاعر, فالجيوش الغفيرة (تلقى السلاح) و(تخلع عنها رداء معاركها السابقات) وتستل (سيوف الجدود محاريث تفلح ارض اليباب, بينما الغواية تضمر اليقظة ويشير بدر بذلك الى ان سلوك الجنود ليس الا استسلاما غير واع للغواية, اذ يقارن بين سلوك الطرفين: الطرف الاول وهو الجيوش المصرية, وقد نسب اليها الشاعر عددا من الافعال تؤكد انصرافها الكامل عن الحرب, انصرافا يقترب من الاستسلام, بينما الطرف الثاني (الغواية), بما لها من مكر وخداع, تضمر (اليقظة), وبذلك يكشف الشاعر عن سلوكين متناقضين لطرفي الصراع بعد معاهدة السلام, يبدو في ضوئهما الطرف المصري هو الطرف الأضعف والمستسلم, بل يبدو, وقد ترك ارض المعركة تماما, للغواية اليقظة.

ويرصد بدر أبعاد وملامح الواقع بعد المعاهدة, مستخدماً صيغة التساؤل (هل) ليكشف ابعاد الموقف النفسي المندهش لما يرى المدين له, هذا الموقف يؤكده بدر برصد ملامح التحول في مواقع الجنود وعملهم, فبعد ان كان موقعهم (ميادين القتال) اتجهوا الى (القرى المجدبات) ووصف القرى المصرية (بالمجدبات) مع ما يعرف عنها من خصوبة, يعكس ابعاد الموقف النفسي والشعوري, اذ يبين ايمان الشاعر بجدب هذا التحول وعدم جدواه, ويصور احساسه بما يضفيه هذا التحول على الاراضي الخصبة من جدب, فيؤكد لا جدوى التحول, ويدعم الشاعر ذلك بالصورة التالية, اذ يرصد بعدا آخر من أبعاد التحول, يتحول فيه عمل الجنود من (الحرب) الى حراثة الارض, وتتحول فيه آلة الحرب من (القتال) الى (محاريث), ومرة ثانية يشير الشاعر الى لا جدوى هذا التحول, حين يصف الارض التي يحرثها الجنود بسيوف الأجداد بأنها (ارض اليباب).

ويستخدم بدر توفيق بمهارة تقنية التضمين حيث يورد قوله تعالى (اتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالامس) فيكشف من خلاله ترصد اليهود ـ الطرف الثاني في معاهدة السلام ـ وسوء ما يضمرونه. والاية على لسان مصري كان يشتجر مع يهودي من أنصار موسى ـ عليه السلام ـ, فلما اراد موسى ان يبطش بالذي هو عدو لهما, قال المصري (ياموسى اتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالامس) ويستخدم الشاعر هذا التضمين لتعميق فكرة الغدر لدى اليهود, هذه الفكرة التي اكدها القرآن الكريم, وبذلك نجد الشاعر قد جعلها على واجهة الدار: (وعلى واجهة الدار من القرآن آية), وهي عادة يلجأ اليها العديد من المصريين, اذ يكتبون على واجهة دورهم آيات قرآنية كريمة, يختارونها غالبا, حسبما يتلاءم مع مواقفهم الشعورية والفكرية والنفسية.

واقع ما بعد السلام:

الاغتراب, وافتقاد المدينة والناس لهويتهم, ملامح واقع ما بعد السلام, يقول أحمد عبدالمعطى حجازي في قصيدته العودة من المنفى:

لما تحررت المدينة عدت من منفاي
ابحث في وجوه الناس عن صحبي
فلم اعثر على احد
وادركني الكلال
فسألت عن اهلي, وعن دار لنا
فاستغرب الناس السؤال
وسألت عن شجر قديم
كان يكتنف الطريق الى التلال
فاستغرب الناس السؤال
وبحثت عن نهر المدينة دون جدوى
وانتبهت الى رماد نازل
من جمرة الشمس التي كانت تميل الى الزوال
وفزعت حين رأيت اهل مدينتي
يتحدثون بلكنة عجماء متجهين نحوي
فابتعدت
وهم أمامي يتبعون تراجعي بخطى ثقال
حتى خرجت من المدينة مثقلا بحقائبي
وانهرت مثل عمود ملح
في الرمال
يصور الشاعر احمد عبد المعطي حجازي عودته من منفاه في فرنسا الى مصر حاملا احلاما كبيرة, معتقدا ان المدينة قد تحررت غير أنه يفاجأ بصور مفزعة للاغتراب, وافتقاد الهوية, فيخرج من المدينة منهارا مطاردا, بعد ان تيقن من ان فكرته عن تحرر المدينة, لم تكن صحيحة.

في بداية النص يربط الشاعر بين عودته من المنفى, وبين اعتقاده بتحرر المدينة وهو ربط يشير الى الاحلام التي كانت تملأ الشاعر عند عودته, وهي احلام ترتبط بمناخ التحرر ومفرداته وبرغبة الشاعر في استعادة هويته وملامحه بعد حياة الاغتراب في المنفى, هذه الرغبة التي قدمها الشاعر في عدد من الأفعال, تمثل محاولة تحقيق رغبته, وأتبعها بنتيجة هذه الأفعال.

اول الافعال التي أقدم عليها الشاعر, ليستعيد هويته (ابحث في وجوه الناس عن صحبي), والبحث عن الصحاب يؤكد احساسه بان الصحاب هم الذين يكتسب الانسان من خلالهم هويته وملامحه, وبدأب تتم عملية البحث, حتى يصاب الشاعر بالكلال, وتكون نتيجة الفعل (لم اعثر على احد) وهي نتيجة تشير الى اول ملمح من ملامح الاغتراب في هذا الواقع (افتقاد الصحاب).

الفعل الثاني الذي يقدم عليه الشاعر لاستعادة ملامحه وهويته, هو سألت عن اهلي, وعن دار لنا, وتكون نتيجة الفعل استغرب الناس السؤال, واذا كان السؤال عن الأهل والدار قيمة اجتماعية, تعكس الترابط والتراحم بين أفراد الشعب المصري, فان (استغراب السؤال) تعكس التفكك الاجتماعي الذي اصاب المجتمع, فأصبح السؤال عن الأهل والدار يولد استغرابا, ليضيف الشاعر ملمحا جديدا الى هذا الواقع, الى جانب الاغتراب, وهو التفكك الاجتماعي والانعزال, وهي قيم اجتماعية غريبة, تؤكد الفكرة الكلية للاغتراب التي يطرحها الشاعر في القصيدة.

والواقع ايضا يفتقد الخصوبة والدفء فالشاعر عندما يسأل عن الأشجار التي كانت تكتنف الطريق, يستغرب الناس السؤال, وإذا كانت هذه الصورة منتزعة من الواقع, وتشير الى تلاشي الخضرة والأشجار من الطريق, لتحل محلها البنايات الاسمنتية الشاهقة, فانها في الوقت نفسه تشير الى افتقاد الخصوبة والدفء, بما للاشجار من دلالات تشى بهما.

ويؤكد الشاعر فكرة تلاشي الخصوبة, اذ يبحث عن (نهر المدينة) دون جدوى, ولا يوحي ضياع النهر بافتقاد الخصوبة فقط, بل يشير ايضا الى افتقاد الهوية, فنهر النيل رمز لمصر, تكتسب من خلاله هويتها وملامحها.

ويرى الشاعر في ذلك كله مقدمات زوال, فالشمس, تسقط (رمادا), بما للرماد من دلالات, اضافة الى ان الشمس نفسها تميل الى الزوال بما يؤكد فكرة الانتهاء والزوال التي تتهدد كل الملامح والهوية في ظل الواقع الذي رصد الشاعر ملامحه فيما قبل.

ويؤكد الشاعر افتقاد الواقع للهوية والملامح من خلال مشهد يتحدث فيه اهل المدينة (لكنة عجماء) يخاطبونه بها, واذا كانت اللغة هي الهوية, او صورة للهوية, فان افتقادها يشي بافتقاد الهوية, ومخاطبة الناس للشاعر باللكنة العجماء, يقطع ما بينه وبين هذا الواقع الجديد امكانات التواصل, والتفاهم, ومن هنا يلجأ الشاعر الى الهروب من مدينته, وقد تأكد له وهم تحررها, وقد فقد فيها احلامه, وعانى اغترابا اقسى من اغترابه في المنفى, فانهار (كعمود ملح في الرمال).

ويقدم امل دنقل لواقع ما بعد السلام صورة تفيض خذلانا وعارا, يقول:

صار ميراثنا في يد الغرباء
وصارت سيوف العدو: سقوف منازلنا
نحن عَبَّاد شمسٍ يشير بأوراقه نحو أروقة الظل
ان التُويج الذي يتطاول:
يخرق هامته السقف
يخرط قامته السيف
ان التويج الذي يتطاول:
يسقط في دمه المنسكب
نستقى ـ بعد خيل الاجانب ـ من ماء آبارنا
صوف حملاننا ليس يلتف الا على مغزل الجزية
النار لا تتوهج بين مضاربنا
بالعيون الحفيضة نستقبل الصيف
ابكارنا ثيبات..
واولادنا للفراش..
ودراهمنا فوقها صورة الملك المغتصب

صورة شديدة القتامة, تلك التي يطرحها امل المقطع حيث يصور واقعا تهدر فيه الكرامة والعزة, ويلجأ العربي الى المؤخرة, خافض الرأس ذليلا, ينال العار فيه من الجميع, وينتظر الموت كل من يتطلع الى تجاوز الواقع, وفي هذا الواقع يضيع المستقبل, ويفقد العرب هويتهم.
ويبدأ الشاعر المقطع برصد لملامح واقع ما بعد السلام, حيث (صار ميراثنا في يد الغرباء, وصارت سيوف العدو: سقوف منازلنا) وتعكس الصورة الاولى ضياع الهوية, في الوقت الذي توحى فيه بضعف العرب وهوانهم, حتى انهم عجزوا عن حماية تراثهم, فسيطر عليه الغرباء, اما الصورة الثانية فهي تقدم سيوف العدو, وقد اصبحت سقوفا لمنازل العرب, فهي متعددة الايحاءات, يبدو فيها العربي اسيرا في منزله, وقد سيطر عليه بطش العدو سيطرة تامة, خضع لها العربي, كما يبدو, وقد اصبح عاريا تماما امام سيوف العدو التي تطل عليه من عل, وترصد خفاياه واسراره.
وازاء هذه الصورة المهينة يشعر العرب بالعار, ويعجزون عن مواجهة الضوء, خوفا من ان يروا ملامحهم المهينة, فيتجهون كعباد الشمس الى الظل مداراة للمهانة, وتوحدا بالخيبة في ان معا.

وبذلك يشير الشاعر الى نجاح سيوف العدو التي صارت سقوفا للمنازل في تحطيم العرب داخليا كما يشير الى ازدواجية المعاناة داخليا وخارجيا التي يلقاها العربي. ويوحي باستحالة الخلاص من هذا الواقع حيث تمنعهم النفس المنكسرة من القدرة على الخلاص كما ان سيوف العدو وهي سقف لمنازلهم تترصد محاولاتهم, وهو ما يؤكده امل دنقل, فمن يتطلع الى تجاوز واقعه يخرق هامته السقف, يخرط قامته السيف,... يسقط في دمه المنسكب, هذه الصورة التي لا تعكس فشل المحاولة, ولا حتى شدة بطش العدو فحسب, وانما تتجاوز ذلك الى التوحد مع ابعاد الصور السابقة في تأكيد ازدواجية المعاناة, والحصار, حيث يبدو الانسان العربي ضحية انكساراته الداخلية, وسيطرة العدو, وتطلعاته التي لا تمتلك القدرة على التحقق.

وإزاء هذه المذلة والمهانة التي يعيشها العربي, يصبح عاجزا عن حماية عرضه وشرفه, فينال العار منهما (ابكارنا ثيبات واولادنا للفراش). وبذلك ينال العدو الذي احكم سيطرته بعد السلام من البعد النفسي للانسان العربي, فيحطمه, ويبطش بمن يتطلع الى الافلات من اسره, كما ينال من البعد الاجتماعي فيفقد العرب هويتهم وعاداتهم, وينال من شرفهم واعراضهم, ويصبح بالتالي العملية الرسمية التي يتداولها الناس (دراهمنا فوقها صورة الملك المغتصب), هذه الصورة التي لا توحي برسمية سيطرة العدو, فقط, وانما تعكس ما يسببه وجود المغتصب فوق العملة بانتشارها وتداولها من رعب للناس, وتغلغل في شئون حياتهم.