..ولأمل الحنين

عبلة الرويني


قبل عشرين عاما احتاج الأمر الي مقدمة (تبريريه) من المشرف العام علي الملحق الأدبي في الجريدة. عند نشر أول (وآخر) حديث مع الشاعر أمل دنقل في جريدة الأخبار، تلك التي ظل لسنوات طويلة ممنوعا علي صفحاتها... تصٌدر الحوار الذي قمت باجرائه عام 1976 تلك الكلمات:
'حتي لايتصور أحد، ان الملحق الأدبي يقف له بالمرصاد، نقدم هذا الحوار وعلي النقاد والشعراء ان يقولوا رأيهم'
اليوم تخصص جريدة ' أخبار الأدب ' عددا خاصا عن أمل دنقل احتفاء بالشعر وتقديرا للشاعر..
قبل عشرين عاما كانت صرخة د. يوسف ادريس علي صفحات جريدة الأهرام (بالله يا أمل لاتمت فكلنا فداؤك).. صرخة موجهة طالبت بعلاج الشاعر علي نفقة الدولة.. وطالبت وزير الثقافة (يومئذ عبدالحميد رضوان) ان يرسل باقة ورد مجرد باقة ورد الي الشاعر الراقد بالغرفة 8 بمعهد الاورام.
وبالفعل أرسل وزير الثقافة باقة ورد مع أطيب التمنيات للشاعر.. وتوالت سلال الورد تحمل بطاقات كبار المسئولين احتفاء (بالشاعر المريض).. فكانت قصيدة (زهور) يتأسي فيها أمل دنقل علي لحظات القطف، لحظات القصف والاعدام في الخميلة.
كل باقة
بين اغفاءة وافاقة
تتنفس مثلي بالكاد ثانية ثانية
وعلي صدرها حملت راضية
اسم قاتلها في بطاقة
اليوم وتحت عنوان (امل دنقل الانجاز والقيمة) يحتفل المجلس الأعلي للثقافة احتفالية دولية.. تطبع اعماله الكاملة (هي التي طبعت سابقا ودائما في بيروت) وتقدم الدراسات والابحاث والانشطة الفنية المختلفة.. ويشارك شعراء كبار ومن اجيال مختلفة من مصر والعالم العربي وتحتفي الصحف ووسائل الاعلام بالشاعر بصورة لافتة.
قوس ضروري:
' أمين عام المجلس الأعلي للثقافة. د. جابر عصفور ناقد له مكانته المرموقة يدرك انجاز أمل دنقل وقيمته اضافة الي صداقته الشخصية والعميقة بأمل دنقل '.
اغلاق القوس علي اهميته ونخبويته.. لايغلق السؤال المطروح علي المسافة.
كتبت الصحفية الشابة منال الجسري في المطبوعة الانجليزية (EgyptToday): (انها العدالة الشعرية).. وقال يحيي وجدي زميلنا الشاب المتمرد:
' بل ايقونة غير خطرة ' .
لكن المظاهرات في شوارع القاهرة قبل أسابيع قليلة المنددة بالغزو الامريكي للعراق. كانت تردد قصيدة امل (الكعكة الحجرية) والمتظاهرون في ميدان التحرير 'يستديرون ويشتعلون علي الكعكة الحجرية وراء النصب، شمعدان غضب'.
يومها خرجت ' أخبار الأدب ' بعنوان لافت:
أمل دنقل يسترد ميدان التحرير.
وفي فلسطين حررت كتائب شهداء الأقصي بياناتها بتصدير لقصيدة أمل دنقل 'لاتصالح'.
(معني تدركه المقاومة وتنكره الخيانة والجباه الذليلة)
كتبت الشاعرة ايمان مرسال من كندا تعليقا علي ترديد المتظاهرين لقصائد أمل دنقل ونجم وفؤاد حداد.. انه الحنين الثوري الموجود في مظاهرات الشوارع الامريكية ايضا.. (إنها النوستالجيا)!
ولأمل الحنين في زمن يفتقد القدرة علي المواجهة والحسم مثلما يفتقد القدرة علي الصدق والكبرياء لأمل الحنين لكن ليس بامكان القصيدة ان تكون حنينا، ان رصيد قوتها هو حيوية حضورها في اللحظة الراهنة..
امل دنقل ليس قصيدة جميلة فقط ولكنه قصيدة فاعلة في اللحظة ،مؤكدة بقاءها في (الدور) و(المعني) و(الوظيفة)..
رؤيته الحدية هي سطوعه، وموقفه (الجمالي) هو صواب موقفه (السياسي) و(الفكري) داخل القصيدة بل هو شرط صوابها.