|
نقطة عبور
عبلة وأمل
جمال الغيطاني
لا يمكنني تحديد اليوم، أو الشهر، ولا حتي السنة التي رأيت فيها أمل بصحبة عبلة،
لكنني أذكر كل التفاصيل. كان ذلك في شارع سليمان باشا. كنت قادما في اتجاه
الميدان، وكانا قادمين منه. دائما كنت التقي أمل عند النواصي وفي الميادين،
وإذا تحدد المكان فهو المقهي. خاصة ريش، أو الفيشاوي ليلا. التي كان يقصدها في
ساعات الفجر الأولي ليمسك الطبعات الأولي من الصحف ويبادر بحل الكلمات
المتقاطعة في ثوان معدودات وبقدرة استثنائية.
إنها المرة الأولي التي التقي فيها أمل بصحبة شابة حسناء. أنيقة. جميلة، وبدا
واضحا أن ثمة خصوصية، وكعادتنا نحن أبناء الجنوب عندما نقابل الأصدقاء بصحبة
زوجاتهم أو شقيقاتهم أو أمهاتهم، فإننا لا نحدق في الإناث، بل نصافح أو نحيي
ونحيد بالنظر. عرفت أن أمل قد رسا أخيرا في موانئ عبلة الرويني. هو الذي ظل
هائما منذ أن تعرفت عليه في مطلع الستينيات، أي بعد قدومه إلي القاهرة بزمن
قصير. كان المناخ الثقافي في ذلك الوقت نشطا، حميميا، وكان أبناء الستينيات
يتحركون معا، ويمضون معظم الوقت معا يتناقشون ويختلفون ويبدعون.
لم أعرف الظروف التي تعرف فيها أمل بعبلة إلا بعد أن قرأت كتابها الجميل 'الجنوبي'
الذي يعد من السير الفريدة في الأدب العربي، ولو أن مثل هذا الكتاب صدر في
الغرب لتحول إلي فيلم وإلي مسلسل، وإلي مسرحية. فبالإضافة إلي قدرة عبلة علي
تصوير العالم الحميم مع أمل، ورسم صورة بديعة لشاعر عظيم، متمرد، صعب المراس في
الظاهر: رقيق كالشفاف في الباطن. فإن الكتاب يعد نصا أدبيا رفيعا ويرسم أيضا
ملامح فترة ماتزال آثارها فاعلة.
تعرفت إلي عبلة كزميلة في دار أخبار اليوم، كانت وماتزال متخصصة في المسرح، وهي
كاتبة وشاعرة موهوبة، لكنها مقلة، ذات أسلوب خاص، وقد أسهمت في تأسيس 'أخبار
الادب' وماتزال.. مازلت أذكر لحظات عديدة من معاناة عبلة عندما بدأ المرض ينهش
أنيابه في أمل، عاشا معا بعد زواجهما تسعة شهور، تسعة شهور فقط في شقة مفروشة،
وبالنسبة لي لايمنحني تعبير شقة مفروشة الاحساس بالاستقرار، انها مكان للاقامة
المؤقتة.. مثل الفنادق، ولكن أمل كان مختلفا، فطوال اعوام من صداقتي به لم أعرف
له مقرا محددا. والان اكتشف اننا لحظة افتراقنا الليلي لم اكن اسأله ابدا عن
وجهته.. إلي أين؟.. لم يعرف أمل الاستقرار في مكان، ولم يعرف وطنه الانثوي إلا
خلال تلك الفترة القصيرة المحدودة، بعد تسعة شهور من الزواج اكتشف اصابته
بالسرطان، ثم انتقل إلي الغرفة رقم ثمانية بالمعهد، وهنا بدا عنصر عبلة
الاصيل..كزوجة مصرية، وكعاشقة، مرجعيتها شأن كل انثي مصرية ايزيس المقدسة التي
اخلصت كل الاخلاص لأوزير بعد مقتله، وعكفت تلملم اشلاءه، وكلما وجدت جزءا من
جسده المقدس اقامت عليه نصبا، حتي حملت منه وانجب الابن حورس في غيابه..
علي امتداد سنوات ...ثلاث وعشرين سنة، تفرغت عبلة شأن ايزيس لامل بعد رحيله،
تلملم اوراقه تكتب عنه تحفظ تراثه، تسعي الي رسائل متبقية هناوهناك، وبين فترة
واخري تخرج لنا أثرا منه او عنه، واذا كانت ايزيس قد انجبت حورس بعد غياب اوزير،
فان عبلة قدمت لنا (الجنوبي) ثمرة حياتهما المشتركة معا التي لم تطل، ويمكن
اعتبار هذا العدد الخاص من أخبار الادب ثمرة اخلاصها لأمل ومحبتها له، فجميع
الصور المنشورة من ارشيف ذكرياتها.. وتخطيط العدد من وضعها، كما انها قامت
بالجهد الأوفر بالاتصال بعدد من الشخصيات البارزة للاسهام في هذا العدد.
ومن تقاليدنا في أخبار الادب ان يتولي احد الزملاء الاشراف الكامل علي العدد
المكرس لموضوع محدد، وهل هناك أقدر من عبلة علي تحرير عدد مخصص لشاعر عظيم رحل
مبكرا. ولم يكن عظيما في شعره فقط، انما في مواقفه ايضا، ان استدعاء امل دنقل
الآن، سواء في المظاهرات الاخيرة التي شهدتها مصر ضد الحرب، أو عند جماهير
الانتفاضة الفلسطينية.. تعني حضوره في غيابه. وان موقعه مازال شاغرا، وما نأمله
من احتفالية الدكتور جابر عصفور بصديقه الراحل ألا تكتفي بتناول الشاعر ولكن ان
تنطلق من الاسئلة التي يطرحها غيابه والحاجة اليه، أسئلة تتصل بوضع الشعر
العربي الآن وعزلته والمأزق الذي وصل إليه.
واذا كنا نستحضره بكل مايرمز اليد من معان، فالتحية واجبة لرفيقة روحه التي
اوقفت حياتها علي ذكراه وعلي ماأبدعه، زميلتنا عبلة الرويني.
|