|
ملامح الناس باتت تشبه قصائده
الدستور المقدس للجنوبي
ياسر عبد الحافظ

اثنان ظلا دائما ضمن الدائرة المقدسة:امل دنقل والشارع. لا أحد بإمكانه الجزم
وتحديد اي منهما يسبغ علي الآخر حمايته،أيهما كان السبب في وجود الآخر:هل منح
أمل للشارع ذلك البريق أم أن الأزقة والبارات والمقاهي سارعت بذكاء لتحتضن
شاعرا رأته الأقدر علي اعادة كتابة فصل جديد من حكايتها الممتدة.
المؤكد هو تلازمهما..الآن وبعد ما يقرب من عشرين عاما علي غياب امل نعود إليه
كلما أرهقتنا الحياة،عندما نوشك علي الانهيار من ممارسة السياسة وتوازناتها
نلجأ إلي تذكر الرفض كحائط أخير يحمينا من السقوط ويذكرنا بإنسانيتنا.وتذكر أمل
دنقل يعني ولابد الهروب ولو قليلا إلي الشارع المفتوح علي احتمالات لا نهائية
للفرح والشجن والغضب.
لا يمكن استدعاء ¢الجنوبي¢ وقصائده إلا وسط طقس أقرب إلي ما عاشه هو نفسه،لأنه
مثل كل الشعراء المهرة امتلك قدرة تحصين قصيدته بحيث لا يصل إليها إلا الراغب
بصدق في ذلك.
المكان أحد أسرار قصيدة أمل وحياته أيضا،ورغم تعمده الدائم اخفاء ملامح
أمكنته،رغم تبعثرها وتشظيها،إلا أن وجودها كثيف وقوي. رثاه أحمد عبد المعطي
حجازي بعد موته قائلا: نعم ربما كنت أنا ممن بدءوا اكتشاف المدينة، لكنك جست في
احشائها وقلبت مشاهدها وجربتها في حالاتها جميعا كما لم يفعل شاعر عربي
قبلك.أكاد حين أقرأ ¢يوميات كهل صغير السن¢ أو ¢موت مغنية مغمورة¢ أو ¢ سفر ألف
دال ¢ أن أعرف الحي والشارع والزقاق، وأشم الروائح،وأضمن الوقت، والتقط الأصوات
والاصداء....لا أتحدث هنا عن واقعية،ولكني أتحدث عن عالم أو رؤية خاصة يبلغ
صدقها الداخلي وتماسكها درجة الايحاء بأنها تنقل كل شئ لا يوجد إلا في هذه
الرؤية، بحيث يصح أن نعتبرها أصلا لا نقلا، وأن نري العالم من خلالها وليس
العكس.
القصيدة عند أمل لا تكتفي بإدخال المكان عنصرا في تكوين القصيدة لكنها كذلك
تحيله خادما للمعني المقصود.يعود حجازي ليؤكد: إن القاهرة التي تعرفها انت لا
يعرفها سواك، ولا يمكن أن نعرفها إلا في شعرك. القاهرة في شعرك وعي خاص أو حلم
، تجربة داخلية لا نستطيع حقا فصلها عن الواقع، لكنها ليست الواقع.
يستغرق اكتشاف تفاصيل مكان ما بعض الوقت، غير أن شاعرا مثل أمل دنقل لا يحتاج
للكثير منه ذلك أنه يعرفه قبلا برؤيته الداخلية وما هو في حاجة إليه ليس إلا
ضبط الشكل الخارجي مع ما سبق له رسمه،ربما لهذا كان أول ما فعله عند وصوله
للقاهرة أن ذهب لأرض الجزيرة لرؤية النخيل الذي كتب عنه محمود حسن اسماعيل في
قصائده، ليطابق بين الحقيقة وتصوره، بين ما كتب اسماعيل وبين وما يراه علي
الواقع.هل كان ذلك الدرس الاول...أن الشعر دائما كاذب!
¢ الدنقليون¢ بحسب تعبير حلمي سالم يعرفون قانون ¢الجنوبي¢ وهو ليس فقط عدم
الاطمئنان إلي اثنين ¢البحر والمرأة الكاذبة ¢ ولا التوقف عند تهيب شيئين ¢قنينة
الخمر والآلة الحاسبة ¢ ولا أيضا مجرد اشتهاء ملاقاة اثنين ¢الحقيقة والاوجه
الغائبة ¢ وانما قبلا اتباع دستور مقدس هو مثلما تقول عبلة الرويني: لم يعرف
أمل طوال حياته منزلا واحدا يمتلكه، أو بيتا خاصا يسكن فيه لكنه عرف كيف يقتسم
غرف أصدقائه، حتي صارت جدران غرف المدينة تحمل بعضا من ذكرياته، وبعضا من
ضحكاته، وبعضا من أشعاره ، وبعضا من كتبه¢
إن تلك ليست مجرد طريقة في الحياة بل الأهم أنها طريقة في كتابة الشعر ومن ثم
قراءته..التخلص من سطوة المكان..تفتيته. والمسألة لا تتعلق بالفقر بقدر ما
تتعلق باحترام الفقر واعتباره قيمة مساوية للثراء إن لم يكن الأفضل باعتباره
محركا للإبداع والثورة...
يقول الدكتور عبد العزيز المقالح حول علاقة أمل بالاماكن : ولعل الفترة التي
قضاها في شقة ميدان العجوزة اسوأ فترات حياته وأحفلها بالمتاعب وانتفاء
الاستقرار وقد وصل الحال به وبزميله الشاعر حسن توفيق إلي أن يتبادلا ارتداء
قميص واحد في الحفلات والسهرات ولعدة أشهر، فإذا خرج احدهما انتظر الآخر في
المنزل حتي يعود زميله، والغريب أنه بالرغم من ذلك الحال وربما بسببه فقد كانت
تلك السنوات هي أخطر وأهم سنوات الانتاج الشعري وأهم سنوات المواجهة الحادة
بالكلمة، وفي هذه الفترة كتب أمل أهم قصائده وأجملها واكتسب شهرة فائقة...
ليست المسألة قاصرة فقط علي قبول المتاح والموجود بل إنها تمتد لتشمل رفض
الأماكن التي يمكن أن تعيق خروج القصيدة الأماكن المعطلة للروح، مروضة الوحوش
علي حد تعبير سعدي يوسف: أول مكان يلجه المبدع في المؤسسة الصحافية هو ¢المطبخ¢
...أي الصفحات المتعلقة بالمجتمع ونجومه وتغطية الحفلات. آنذاك يدخل المبدع
عالما غريبا، فيه كل الإغراءات التي راودت أحلامه زمنا طويلا..أحلام الجائع.
إنه عالم يمثل دورة ترويض للوحش الذي ما يزال خطرا. المرتب ضئيل، و¢المطبخ¢
مفتاح إلي السهرات والبذخ. المبدع مجهول..والمطبخ مفتاح إلي عالم السادة
والمسؤولين الكبار، والشقق الفاخرة ونجوم السينما والمسرح والغناء. المبدع
مكبوت والمطبخ مفتاح إلي¢ الحياة الحلوة¢...الدولشي فيتا التي تتحدث عنها
الاقلام والافلام. وفي مسار الأمور اليومي، تستجد علائق،وتتوثق أخري، وثمة من
يتبني، ومن تتبني. أنه أول السلم إذن، وما عليك إلا أن توطد قدميك في الخطوة
الأولي،وأن تتشبث بالمرقاة بكلتا يديك..كي تغدو جزءا من هذا العالم، ما دمت قد
اعتدته، فلم يعد بمقدورك العيش خارجه......ألم يكن صلاح عبد الصبور ضحية
أنموذجية؟ أمل دنقل..رفض ¢المطبخ¢.
لم يكن رفض أمل دنقل لهذا ¢المطبخ¢ هو الوحيد من نوعه فقد تكرر عديدا منذ خرج
من ¢القلعة¢..بلدته الصعيدية متجها صوب القاهرة ثم مارا علي الاسكندرية والسويس.
لم يقبل في هذه المدن دائما سوي الأماكن التي تنسجم مع قصيدته:مئات المقاهي
والشقق والفنادق والبارات،تحولت كلها إلي أماكن اسطورية لا يمكن التعرف عليها
داخل قصائده فقد أصبحت هي والكلمات جزءا لا ينفصل ¢في ذلك المقهي الربيعي
الأليف/حيث يمر النيل راعيا مغنيا/ويرفع الصباح راية الفرح¢ وحتي تتحول غرفة
العلاج نفسها إلي مكان صالح لأن تحيا فيه القصائد.
يقول قاسم حداد: حمل الشاعر ¢قلعته¢ معه.في دمه..كلماته، واشتغل طوال الوقت علي
كسر هذه القلعة، بدون ضجيج جاء إلي الشعر العربي من صعيد مصر وكتب قصيدته
المختلفة. كسر جدران قلعته في القصيدة كما لم يعهد الشعر المصري القصائد.
لماذا اختلف أمل دنقل؟ هناك قائمة طويلة تبدأ بالتزامه بقسم الفن الذي يؤديه كل
المبدعين في اولي خطواتهم أمام الربات الراعيات له: اقسم أن امنح الفن كل شيء
بما في ذلك حياتي. وهو ليس بالعهد اليسير، الالتزام به يعني مبدئيا الخضوع
لشروط الفكرة، الانسياق وراء رغباتها. انفق أمل من عمره ساعات طويلة قضاها في
الاستماع لمن يبدون بلا أهمية حقيقية.. غير أنهم دائما يشكلون القوة السحرية
للشعر: العاهرة والشرطي، الليل والعصفور والورود، الخادمات والبوابين والنيل..
والارصفة.
جلسات الحوار الطويلة كانت تسفر في النهاية عن مجرد بيت في قصيدة، وصف لا أكثر.
غير أن 'الجنوبي' لم يكن هدفه أن يعرف تفاصيل الحكايات بقدر ما انشغل بمحاولة
الوصول للروح.... ذلك اللغز الذي يضفي علي الناس والأماكن ألقهم وحيويتهم .
ليس هينا تتبع الأمكنة التي عاش فيها أمل، لكننا نعرفها دون دليل، عندما يحين
الليل تبدأ 'القاهرة العجوز' في التهيوء لاستقبال اولئك الذين يتبعون الدستور
المقدس، 'ليس ما نخسره الآن...
سوي الرحلة في مقهي إلي مقهي..
ومن عار لعار!!'
أمل دنقل القادم من الصعيد المغلق إلي المدينة المفتوحة.. لم يستسلم للفكرة
الرومانتيكية، لم تستلبه المدن، لأنه انتمي إلي أماكنها التي تشبهه استنطق
ثورتها المكتومة، هكذا فإن العالمون يقولون أن قصائد أمل دنقل لم تكن في حاجة
لنشرها في دواوين فقد نقشتها الجدران علي احجارها، وأصبحت ملامح الناس تشبهها
|