أبعد من البساطة
بول شاوول

أمل يصفق وبجواره يوسف
ادريس وخلفه سليمان فياض



لم أكن أعرف شعر أمل دنقل كما كان يجب أن اعرفه. واعترف بأنه تكونت فكرة في رأسي عنه، بأنه شاعر سياسي حر ملتزم ونبيل، وان شعره، كما روج عنه بعض الشعراء وبعض اصدقائه، هو شعر 'الجماهير'، يوزع كالخبز علي الناس فيلتهمونه، وان كتابته، انطلاقا من كل ذلك، كتابة 'البساطة'، وان قصيدته، لم تسع إلي اي اجتراح بنية، ولا إلي اكتساب صفة مركبة.
هذه كانت فكرتي عن أمل دنقل الذي كنت احترمه كانسان ومناضل وخارج سرب المناضلين العرب الذين كانوا يقفزون كالقرود بين المواقع والمواقف والانتماءات والعلاقات.
ولكن، كان عليٌّ ان اعود إلي أعماله الكاملة (الصادرة عن مدبولي)، لاكتب عنه مقاربة مشاركة في الندوة الدولية التي نظمها المجلس الأعلي للثقافة.
وعدتج إلي شعره، قصيدة قصيدة. ودجهشت. وفوجئت بأن كل ما قرأت عن الشاعر لاعلاقة له به، وتعلمت درسا لن أنساه: ان النص هو الاساس لتكوين رأي عن شاعره، وليس الشائعات ولا الايديولوجيا ولا السياسة ولا حتي المواقف.
ومن خانة البساطة والتبسيط والوضوح والمباشرة قادتني قصائده إلي خانة أخري: أمل دنقل شاعر مفتوح، قصيدته مركبة، ووعرة، عديدة لاهي 'شعبية' بالمعني الشائع، ولا هي ايديولوجية، ولا هي منبرية، ولاخطابية، وشغفت بهذا القرب من أمل دنقل، شغفت بشاعر قلق وجوديا، وسياسيا، وفكريا، وعاطفيا، وفنيا وجماليا. هذا القلق الشامل، الاقرب إلي التوتر العالي، وإلي التفجرات الداخلية، انعكس علي همه في الكتابة ذاتها. فهو لم يقدم قصيدة مترفة مريحة، لكن في الوقت نفسه، قدم قصيدة استخدم فيها، وبوعي شديد، حشدا من التقنيات، والادوات التي رفعت كتابته إلي مستويات خاصة جدا، أي مستويات شاقة بكل معني الكلمة، بقدر ما هي عمودية في حركتها، بقدر ما هي متسعة.
ولهذا فأمل دنقل المثقف العميق، استعمل ثقافته كلها، لشحن أعماله بعناصر تجافي 'البساطة' المعهودة، فهو عاد إلي التراث الشعبي، والاسطورة والرمز والحكايات، والدين (القرآن، الانجيل، التوراة)، والفلسفات والايديولوجيات الكبري، مما أكسب قلقه حجما تاريخيا متسعا في مقاربة الواقع، كما استخدم، التقنيات والوسائل العديدة لرفع التعبير إلي مستوي القصيد المركب: من العين السينمائية، إلي الشكل المسرحي، إلي استعمال الجوقات، والاصوات، إلي اعتماد المونولوجات والمونودرامات، إلي الحكواتي، واللوحة التشكيلية، والرسم، والكاريكاتور، ولم يوٌفر، من اجل كسر السردية أحيانا إلي اللعب علي فراغات الصفحة، وإلي التوازيات (في الصور والمفردات) وإلي الايقاعات المبتورة، وإلي الصفاء الانسيابي، وإلي التضمين (في ابياته إلي مقاطع نثرية).
وإلي استخدام الكلمات 'الوعرة' والقديمة (ليتجاوز بذلك مسألة الكلمة الشعرية وغير الشعرية في القصيدة)، وإلي كيميائية داخلية بين المفردات والحروف والجمل والمقاطع تكون إيحائيات ومناخات ترمز اكثر مما تباشر.
إنه شاعر حرك كل هذه المخزونات التاريخية والدينية واللغوية والشعرية، وأدخلها في صلب قصيدته، من الصعب ان نعتبره، شاعرا بسيطا، أو مبسطا، أو شاعرا شعبيا من هؤلاء الذين ينظمون القصائد لاستدرار التصفيق، أو لتسول المواقف... والمناسبات.
انه اكبر من كل ذلك، كأنه، وبقدر ما هو شاعر عمومي انتمي إلي القضايا الكبيرة التي التزمها حتي رمقه الأخير، فهو شاعر 'خاص' بكل ما تحمل الكلمة من قراءة شعرية، واجتراحات تجريبية، ومكابدات صعبة لكتابة قصيدة تكون في مستوي الشاعر، لا في مستوي بعض المناسبات، وتكون في مستوي حداثة تتجاوز النظريات المسبقة، والاتجاهات اللازمة. انه شاعر الحداثة الجمري، الذي تمكن من جمع الغليان الداخلي، والتوترات، إلي كتابة مركبة، ملمومة، ممسوكة، تماما، كمن يدجن الغابة في حديقة، والغضب في كلمة، والعاصفة في بيت اسمه القصيدة. وهو، ككبار جايلوه، كخليل حاوي، والياس ابوشبكة، وصلاح عبدالصبور، والسياب كاتب قصيدة بامتياز.
وهنا بيت القصيد.