لم ألتق به.. لأنني أحمله معي !
ممدوح عدوان

أمل في معهد الاورام علي
يساره لويس عوض وخلفه
محمد بدوي وجابر عصفور



قليلون هم الاشخاص الذين يحضرون في غيابهم مثلما كانوا حاضرين في حياتهم
وأمل دنقل واحد من هؤلاء القلائل.
فهو في غيابه أكثر حضورا مما كان عليه وهو بين الاحياء ، لأن غيابه يدل علي الحجم الذي كان يملأه ولم نكن نعرف. فللحياة عاديتها التي تنسحب علي الآخرين فتجعلهم يبدون عاديين مثلما تتطلب منهم الحياة. ولكن غيابهم عن المكان يدل علي المكانة التي كانت لهم في القلوب والضمائر.
جمعتني به مصادفة حين ارسلت الي القاهرة مراسلا إلي مدن القناة أيام حرب الاستنزاف المصرية نهايات عام 1967، وكنت أذهب وأعود بين القاهرة ومدن القناة، 'وفي ريش 'كان لقاؤنا الأول. وأين غير ذلك؟
وكان قد كتب قصيدتيه: 'البكاء بين يدي زرقاء اليمامة' 'وكلمات سبارتاكوس الأخيرة'.. ولم توافق عليهما الرقابة المصرية انذاك، فكان يحمل بروفتيهما معه ليقرأهما علي الجميع وفي كل مكان، فأخذتهما منه لنشرهما في الصحافة السورية.
ولأننا تصاحبنا دون ترتيب اوبروتوكولات كانت علاقتنا علاقة شابين متمردين لا وسيلة لهما للتعبير عن رغبتهما في نسف العالم الا بالشعر، وشاعرية أمل واضحة لا يرقي إليها الشك.
كنا شابينفي مطلع شبابهما، وكانت النساء والشراب والشعر والاقاويل مادتنا اليومية، لقد تآلفنا ألفة وحشين في غابة.. جمعتهما غريزة البقاء واستشعار الخراب القادم.
وبعد سنوات من زيارتي تلك للقاهرة كتبت قصيدة شديدة الحدة ضد المخابرات والقمع بعنوان 'لابد من التفاصيل' ولم أجد من يستحق أن أهديها له إلا أمل دنقل، فنشرتها في الاداب البيروتية مهداة إلي أمل دنقل بلا مناسبة.. ويومها لم يعلق علي القصيدة الا بقوله: ابن ال.. يريد أن يسجنني. أبلغوه أنني سأهدية قصيدة مطلعها، أسد علي وفي الحروب نعامة. ولكنه والحمد لله. لم يفعل.
ولم نلتق بعدها حتي مطلع الثمانينات حين جاء الي بيروت ليشارك في مهرجان الشقيف أي أننا التقينا بعد خمسة عشر عاما. ولكن لقاءنا كان غريبا.
كان المرض قد بدأ يفتك بجسمه النحيل، وكان يحمل معه زجاجة الماء أينما ذهب.
التقينا في بهو الفندق الذي ينزل فيه الشعراء.. وبعد السلام جلسنا نتحادث وكأنا لم نفترق الا مساء الامس.. النكات والمناقشات وقراءة الشعر والتعليق علي النساء واغتياب من نعرف.. الخ.
وبعد المهرجان في بيروت استضافت منظمة التحرير خمسة شعراء هم محمود درويش وامل دنقل وسعدي يوسف وأحمد دحبور وانا لاحياء أمسية شعرية في دمشق.
وفي دمشق قضينا بضعة أيام، تعرف خلالها ببعض اصدقائي، وسهرنا عدة سهرات لا تنسي
ولكنه كان يجستقبل في دمشق، وعلي جميع الاصعدة (السياسية والاجتماعية والثقافية) علي انه المصري الحقيقي ممثل ضمير مصر والناطق باسمها.
وبعد ذلك لم نلتق أبدا.
وحين وصلني نبأ موته شعرت أن جملا ينخ في قلبي.
وأشعر ان أمل قد غاب عنا، ولكنه أوكل إلينا، أو الي بالتحديد. مهمة متابعة طريقه ومسيرته، ولهذا حين سمعت بقصة سليمان الخاطر شعرت أن موته كان ناقصا لأن أمل كان سيرثيه بطريقته لو كان موجودا. وهذا ماجعلني أكتب قصيدتي، 'زفة شعبية لسليمان الخاطر.. نيابة عن مغني مصر الاصيل أمل دنقل'.
ومازلت حتي الان أشعر، كلما ذهبت الي القاهرة، انني سألتقي بأمل فيها. ولما كان هذا مستحيلا كنت أعزي نفسي ان هذا الشاعر يعيش معي في ازقة القاهرة وحواريها وصالات فنادقها.
ولكنني في كل مرة أصل فيها إلي المطار مغادرا القاهرة أشعر أنني قد نسيت شيئا مهما لم أفعله.. إني أغادر مصر دون أن ألتقي بأمل.
وهنا لا أجد عزاء حقيقيا إلا بالاصرار علي أنني لم ألتق به لأنني أحمله معي