|
في ذكري أمل دنقل
جابر عصفور
أمل في بيت جابر عصفور قبل المرض
غادرنا أمل دنقل منذ عشرين عاما، دارت الأرض دورتها، وحملتنا الشواديف من هدأة
النهر، كي تلقي بنا في جداول أرض الغرابة، وانقلب الزمن العربي أكثر من مرة،
لكنه ظل يحافظ علي توجهه الثابت صوب الانحدار الذي لم يتوقف، الانحدار الذي بدأ
منه أمل دنقل، محتجا عليه، ومتمردا علي شروطه وأسبابه. وها نحن، اليوم، بعد
عشرين عاما، نجد أنفسنا نردد أشعار أمل دنقل، احتجاجا علي الهوان العربي الذي
نراه في أبأس حالاته، وتمردا علي الأنظمة التي لم تتعلم من الكوارث الماضية أي
درس. فأضافت إلي الكوارث القديمة كوارث جديدة، ونتطلع مع قصائد أمل دنقل إلي
زمن آخر، قد يأتي بما يحقق الوعد:
كعنقاء قد أحرقت ريشها
لتظل الحقيقة أبهي
وترجع حلتها في سنا الشمس أزهي
وتفرد أجنحة الغد
فوق مدائن تنهض من ذكريات الخراب
لقد حلم أمل دنقل بهذا الغد، وظل ينقد الواقع المهزوم، وينقض شروط الاستبداد
الذي أدي إلي الهزيمة، ويكشف عن كل ما يؤدي إلي الانكسار علي المستوي الوطني،
وعلي المستوي القومي، دون أن يفصل قط بين المستويين، فقد ظل واعيا في شعره أن
قضية وطنه (مصر) هي قضية الأمة العربية، وأن العلاقة بينهما متبادلة، فكل تقدم
للوطن تقدم للأمة، والعكس صحيح بالقدر نفسه. وكانت رؤيته القومية تزيده إيمانا
بدور وطنه مصر في ريادة الطريق إلي المستقبل العربي، وإلي تحقيق الأماني
القومية في كل مكان. ولذلك كان غضبه يصل إلي ذروته، عندما يري وطنه متقاعسا عن
أداء دوره، منكسرا أمام تحدياته. منهزما بسبب الاستبداد الذي ينخر في الاسس،
ويفضي إلي الفساد الذي يقود إلي الهزيمة. وبقدر ما كان موقفه القومي، في صراع
الاخوة الأعداء، يدفعه إلي الاختيار، كان اختياره واضحا وصريحا: الرفض الكامل
للقيادات التي ملأتها الشروخ، والرموز التي تدلت عمائمهم فوق أعينهم، بعد أن
نسيت سيوفهم العربية سنوات الشموخ، فلم يعد لهم سوي طعم الثريد وامتطاء العبيد.
وكان الرفض الكامل لهذا النوع من القيادات والرموز قرين رفض الصلح مع العدو
الاسرائيلي، ما ظل هذا العدو علي صلفه وغروره، ورفض المهانة مع الإمبراطورية
الأمريكية التي دعمت إسرائيل، والتي تحولت إلي حاكم وحيد للعالم البائس الذي
نعيش فيه، العالم الذي تنبأ به أمل دنقل في نهاية ديوانه 'العهد الآتي' الذي
ختمه علي النحو التالي:
آه.. من يوقف في رأسي الطواحين؟
ومن ينزع من قلبي السكاكين؟
ومن يقتل أطفالي المساكين
لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء
خدامين
مأبونين
قوادين
لقد أدرك أمل أن الأرض التي عاش عليها هي الأرض التي ما وعد الله بها من خرجوا
من صلبها، وانغرسوا في تربها، وانطرحوا في حبها، فأعلن حربه الشعرية علي أرباب
الفساد في هذه الأرض، منحازا إلي الفقراء، البسطاء، المهمشين، المتمردين،
المتوهجين برفض كل ما يحول بين الانسان وحريته، الوطن وكرامته، الأمة
واستقلالها، الماضي وأصالته. وما أكثر ما كان يستعيد الماضي في شعره، ليقارن
بينه والحاضر علي سبيل التضاد، أو يكشف عن الجذور القديمة للمأساة. ولذلك امتلأ
شعره بالإشارات التاريخية، والرموز القومية، فكان شعرا قوميا بكل معني الكلمة،
ينتسب إلي أماني العرب المقموعين، وأحلام الفقراء الذين أنابوه لكي يقول: لا،
في وجه من قالوا: نعم.
وكان الرفض في شعر أمل يستند إلي الوعي بإمكانات أمته المهدرة والمحاصرة، كما
كان رفضا جارحا، تؤسسه معرفة المسافة الهائلة بين الحاضر المنهزم والماضي
المنتصر. وكانت رمزية الخيول علي سبيل المثال كاشفة عن هذه المسافة الهائلة بين
زمنين: زمن كانت فيه الخيول تتنفس حرية، وتندفع في فتوحاتها، وزمن تحولت فيه
هذه الخيول الأصيلة إلي زينة للمواكب الزائفة، أو وسائل ترفيه للسائحات في زمن
يباع فيه كل شيء. وإذا قلبنا التضاد المتعاقب بين تجليات الخيول، وأحلناه إلي
تضاد آني بين المتمردين والخانعين، كنا إزاء رمزية الطيور التي تتقابل دوالها
بين من يسكن مستكينا في انتظار سكين الذبح، ومن يرفرف متمردا علي كل قيد، باحثا
عن العهد الآتي في زمن لايعرف أبانا الذي في المباحث، ولايجيد الهوي بلسان
الخليج، ولا يطوي الأرض العربية في بساط النفط.
وبقدر ما كان أمل دنقل يري العالم من منظوره الحدٌِي الخاص، حيث لاتصالح بين
الأضداد الصريحة، ولامجال لقبول الألوان الرمادية، كانت التقابلات الضدية تنسج
شعرية متميزة، لايوازيها في ثنائياتها الضدية علي كل مستوي سوي إلحاحه علي
حاستي البصر والسمع في بناء صوره الشعرية، وتكوين مفرداته المعجمية وعلاقات
قصائده البنائية. وكانت الخصائص الحسية لشعره قرينة الثنائيات الضدية في وعيه
التاريخي الذي أرهف إحساسه بالزمن إلي أبعد حد، فالزمن موضوع رئيسي من موضوعات
قصائد أمل دنقل، في تشكيلاتها المختلفة، بل هو العلامة المتكررة التي تذكر بأن
الحلم لايتبقي علي شرفات العيون. وكان تقلب الزمن قرين تحولاته التي تحيط
بالإنسان، وتدفع به أو يدفع بها من موقف إلي موقف، ومن نقيض إلي نقيض.
ورمز القطارات الذي يكرره أمل يوميء إلي هذا المعني، خصوصا عندما ترحل القطارات
بالراحلين الذين يصلون ولايصلون، أو يتغير الرمز ويتم التركيز علي الشهور التي
تغدو زهورا متبدلة: زهرة في إناء تتوهج في أول الحب، أو زهرة في الرداء تتفتح
أوراقها في حياء، أو زهرة من غناء حين تفاجيء الحبيبة القبلة الدافئة، وزهرة من
بكاء سرعان ما تترك مكانها لزهرة فوق قبر صغير. وغير بعيد عن الزهور الأوراق
التي تتساقط، ورقة إثر ورقة، لافتة الانتباه إلي أن كل شيء يفر، وأن ما يحدث في
الواقع لا ينتج سوي كهل صغير السن، لايعي تبدل أوقاته في عزلته إلا بدقات
الساعة، أو طرقات طارق مجهول.
وأتصور أن وعي أمل المثقل بالهزيمة هو الذي صبغ شعره بهذه العتمة السوداوية
التي كانت تتخلل قصائده، في حركة تشبه رد العجز علي الصدر بلغة البلاغيين
القدماء، فقد بدأ أمل مكتويا بهزيمة العام السابع والستين في 'البكاء بين يدي
زرقاء اليمامة'. وانتقل من صيغة البكاء إلي 'التعليق علي ما حدث' من كوارث
فلسطينية تضيف إلي الأحزان القومية ما يؤكد غروب الشمس العربية. وانطلق من
التعليق علي ما حدث إلي حلم 'العهد الآتي' الذي يكنس كل هذا العفن، ويقود إلي
صبغة 'لاتصالح' التي تفرض التنازل إلي أن يعود الوجود لدورته العادلة. ولم يعد
الوجود لدورته، وتم الصلح، وتداعت الكوارث واحدة إثر أخري، في عالم أخذ يقود
إلي الموت شيئا فشيئا، الموت الذي يبسط جناحيه علي المدينة كلها في 'سفر ألف
دال' وغيرها، ويتحول من الشعر إلي الشاعر الذي يري الموت أكثر من مرة في 'الغرفة
رقم 8'، ولكنه يقاومه إلي أن يستنفد كل إمكانات المقاومة، فيتركنا منذ عشرين
عاما، كما لو كان يتعمد الرحيل شابا، قبل أن تري عينه الكوارث الماحقة اللاحقة.
ولذلك كانت صور الموت تلازم شعر أمل دنقل من بدايته إلي نهايته، خصوصا في
اللحظات التي ينتهي فيها الصراع مع الآخرين، ويغدو الشاعر وحيدا في مدينته التي
بدت له، في آخر الليل، كأنها سفن غارقة، نهبتها قراصنة ثم رمتها إلي القاع منذ
سنين.
وكان الموت قرين الرؤية المتوحدة، المتمردة، الرؤية التي رأت في الموت نفسه
واقعا يبسط نفسه علي القصائد التي اقتحمت عوالم الهزائم القومية، مصرة علي
الغوص إلي أعمق أعماق الجرح، كي تطهره، وكي تبرئه، مؤمنة أن مواجهة القاريء
بسلبيات الواقع الذي يعيشه خير سبيل إلي تحويل هذا القاريء إلي فاعل إيجابي في
استبدال النصر بالهزيمة، والحياة بالموت. ولذلك لم يكن شعر أمل دنقل من النوع
الذي يترك القاريء محايدا في الاستجابة إليه، أو موزعا بين التباسات غموضه،
وإنما كان شعرا يضع القاريء الفاعل في اعتباره، ويتوجه إليه بما يستفزه الي
الفعل أو الانفعال، مفارقا خدر العادة والألفة، ووخم الخنوع والاستسلام. وبقدر
ما كان هذا الشعر يبحث عن القاريء الإيجابي الذي يتفاعل ورسائل المقاومة، في
مدي حركة الشعر علي امتداد الأمة العربية كلها، كان القاريء الإيجابي لهذا
الشعر يتكاثر، ويغدو مفردا بصيغة الجمع، أو جمعا بصيغة المفرد، فشعر أمل يثير
القاريء الفرد في توحد فعل القراءة، ويثير هذا القاريء حين يتحول إلي مستمع،
وسط الجماهير العربية التي أحبت أمل ووجدت فيه صوتها الرافض، قويا، متمردا،
لايعرف خنوع القمع، أو معني الاستسلام، بل يعرف معني المقاومة التي تنفجر
كالإعصار الذي يتقصد كل هذا العفن الممتد من المحيط إلي الخليج.
وكان التزام أمل القومي في الإبداع فوق كل التزام، وحرصه علي تثوير وعي القاريء
العربي في كل مكان أكثر قناعاته حسما وجذرية. ولذلك أهملت قصائده الجوانب
الذاتية الخالصة، ولم يتح له التزامه أن يفرغ إلي صوت الكمان، أو هدأة البيت،
أو عذوبة الحب، فقد كان الالتزام بقضايا الأمة أكبر من الأحلام الفردية، وصرخة
التمرد علي كل أشكال الفساد القومي أعلي من همسات الروح في بستان الزهر، والبيت
الهاديء عند النهر. ولكن مع ذلك، تسربت هذه الجوانب إلي شعره، وأبانت عن نفسها
في عذوبة إنسانية ساحرة، تستحق الالتفات إليها وحدها، فأمل دنقل كان شاعرا يعرف
كيف يخلص لوطنه، ويغنٌِي لحبيبته، في لحظات الصفاء النادرة التي تضفي علي
النضال القومي معني إنسانيا رهيفا.
وأتصور أن قدرة أمل الفنية علي صياغة العام من خلال الخاص، والبحث عن الإنساني
من خلال الفردي، والوصول إلي المطلقات الحدية من خلال النماذج المتعينة، مع
الانحياز الدائم إلي الفقراء، والرهان الدائم علي العهد الآتي، هي بعض العلامات
التي جعلت من شعره حيا إلي اليوم، بل يزداد توهجا، ويشعرنا بأنه صوتنا في هذا
العالم المملوء أخطاء، وفي مواجهة امبراطور العالم الجديد الذي ينبغي أن نقول
له: لا، وأن نقاوم نفوذه من أجل الحرية والعدالة وغيرهما من القيم التي دافع
عنها شعر أمل دنقل وتجسدٌ
بها
|