في احتفالية المجلس الأعلي للثقافة:
إعادة قراءة أمل دنقل بشروط العصر
حسن عبدالموجود


طرح المشاركون في مؤتمر أمل دنقل الذي أقامه المجلس الاعلي للثقافة في الفترة من الاحد إلي الاربعاء الماضيين بمناسبة مرور عشرين عاما علي رحيله عشرات الاسئلة حول ما أنجزه دنقل، وقدموا في أبحاثهم مداخلات تربط هذا الانجاز بالقصيدة النثرية وبالواقع الراهن.
وعلي هذا النحو وأيا كانت اخطاء النقاد المنهجية التي فضحتها المناقشات الحادة فإن المؤتمر خرج بهذا الشكل بعيدا عن فخ الاحتفاليات التي تكتفي بالمظاهر دون طرح أسئلة عميقة لا تكشف أبعادا جديدة في ابداع المحتفي به'
لم تخرج كلمة أنس دنقل شقيق الراحل عن توجيه الشكر لكل من أسهموا في اقامة المؤتمر في حين أكدت عبلة الرويني التي ألقت كلمة الزوجة أن أمل كان محاصرا اعلاميا قبل عشرين عاما حيث أغلقت أمامه الصحف والمجلات.
وأشارت الي أنه لم يستطع استخراج جواز سفر الا قبل رحيله بثلاث سنوات، وكانت بيروت ودمشق أول وآخر مدينتين يزورهما بدعوة من منظمة التحرير الفلسطينية.
وتوقفت عند مطالبة يوسف ادريس بعلاج أمل علي نفقة الدولة، وبكاء أمل حينما قرأ علي غلاف المظروف الحكومي الأصفر الذي وصله: 'المواطن محمد أمل دنقل.. نزيل معهد الاورام'.
وختمت كلمتها قائلة: 'ان هذا الاحتفال انتصار للقيمة الجمالية ولفاعلية الدور والمعني والوظيفة'.
أما أحمد عبدالمعطي حجازي الذي ألقي كلمة الشعراء المصريين فقد أشار الي أن مصر تحتفل بأمل دنقل لأنها تريد أن ترد له الجميل وقال: 'لم يكف الراحل عن الاحتفال بمصر لا في حياته ولا بعد مماته ونحن الذين نقترح دائما هذه المعادلة لنميز بين الشاعر وبلاده.. الشاعر لم يكن يميز نفسه عن وطنه، ولا وطنه عن نفسه، ولا نفسه عن أي نفس، ولا وطنه عن أي وطن لأنه كان يحب الحياة التي لا تتجزأ ولا تنقسم، وكان يترجم عنها بصدق وأصالة'.
وألقي الدكتور فيصل دراج كلمة الضيوف مؤكدا أن الشاعر الراحل حمل ملامح مصر كما كانت وكما رغب أن تكون، فقد ذكر بمصر القديمة التي أشار اليها هيكل في 'زينب' واستعاد أطيافها محفوظ في 'كفاح طيبة'..
ونوه الدكتور جابر عصفور أمين المجلس في كلمته إلي أن أمل لم يتبع تيارا ابداعيا جعله ينقطع عما قبله، بل كان واحدا من تيار آخر مضي وراء أفراده وسرعان ما لحق بهم وتجاوز غير واحد منهم، ابتدأ من حيث انتهي أساتذته مضيفا الي التيار الذي انتسب اليه مما جعل شعره مهدا جديدا للقصيدة المحدثة!
أكثر الابحاث التي أثارت جدلا في المؤتمر قدمها كل من صبحي حديدي وكمال أبو ديب وكلاهما واجه نقدا شديدا ولاذعا خاصة من حسن الغرفي الذي كان عاملا مشتركا في معظم الجلسات البحثية..
صبحي حديدي طرح في بحثه عددا من الاسئلة الافتراضية محاولا أن يضع تصورا جديدا للشعر العربي لو أن أمل مازال حيا بيننا.
تساءل مثلا: هل كانت خطوط التيارات والمشاريع الشعرية الاساسية ستظل علي الحال التي تبدو عليها اليوم وأين سيكون موقع مشروع دنقل الشعري الشخصي، وما طبيعة ذلك الموقع؟ أية خصوصية كان سيصنعها اسهامه المتميز في حركة شعرية معقدة تتصارع تياراتها في ظل مناخات حضارية وسياسية وجمالية لا تقل تعقيدا؟!
وماذا عن الابعاد العربية؟ هل كان دنقل سيحمل مع أمثال محمود درويش وسعدي يوسف بعض أعباء تحديث مشكل التفعيلة علي مستوي اللغة، والموضوعات والخيارات الملحمية والغنائية والبحث المعمق في البنية الايقاعية بما يفضي الي عمارات موسيقية متطورة وجديرة بنهايات القرن؟!
حسن الغرفي وصف أسئلة حديدي بأنها غير نقدية بالمرة ولا علاقة لها بالمنهج العلمي لا من قريب أو من بعيد ولا تؤدي الي شيء والمفروض أن تتوجه هذه الاسئلة لمناقشة فنيات قصائد أمل.
في حين قال نور الدين صمود 'تونس' بسخرية كبيرة ردا علي حديدي أيضا : لو بقي أبو القاسم الشابي حيا الي يومنا هذا لكان موظفا عاديا ولذلك أريد أن أقول إن أمل شاعر عظيم بما أنجزه وهذا ما يجب أن نلتفت إليه'!
وقالت ظبية خميس انها صعقت وهي تقرأ أشعار أمل دنقل المنشورة في 'أخبار الأدب' وتساءلت: كيف كنا نتهمها بالمباشرة وقالت: ربما انتهي مشروع أمل في موعده حتي ولو كان حيا حتي الآن!
ولم يجد حديدي ما يرد به علي ما سبق سوي أنه يؤكد أنه يميل في كتابته النقدية الي طرح الاسئلة التي من شأنها أن تخلق جدلا ما، أسئلة تتعلق بالفن والحياة ولا تغفل النصوص في الوقت نفسه!
أما كمال أبو ديب فقد طرح في بحثه بجلسة أخري ما أسماه 'ايقاع الهشاشة والتكسر' و'ايقاع الصلابة والتماسك' وقال إن هذين الايقاعين يبرزان في شعر دنقل متناقضين!
كان أبو ديب يتحدث مفردا مساحات كبيرة للاصطلاحات النقدية والاقتباسات التي أوردها من شعر دنقل ، والخلاصة أنه أراد أن يؤكد أن دنقل كان يستخدم تفعيلتي بحرين شعريين فقط هما الرجز والمتدارك!
اعترض الغرفي أيضا وتحدث طويلا عن البحور التي استخدمها أمل ووصف ورقة أبو ديب بأنها مفككة!
الغرفي عاد أيضا ليعترض في اليوم التالي علي بحث ايقاعي في شعر أمل قدمه شربل داغر أكد فيه أن القوافي لها حضور متباين عند أمل، ترد ولا ترد، متنوعة في أغلبها، لا يمكن التحقق من كونها قافية الا من خلال ورودها في سطور تالية وربما بعد عشرات السطور.
داغر ضرب مثالا بديوان 'البكاء بين يدي زرقاء اليمامة' مؤكدا أن أربع قصائد في الديوان من أصل 19 تمثل للقاريء بقواف متعددة، و 13 تمثل بقواف متباينة!
الغرفي بدأ رده علي داغر قائلا باندهاش: 'بعض الباحثين يتحدثون كأنهم يقولون مسلمات لابد أن نصدقها ونؤمن عليها، أمس أكد باحث أن أمل لا يستخدم سوي تفعيلتي بحرين، الرجز والمتدارك في اشارة الي بحث أبو ديب وراجعته واثبت له بما لا يدع مجالا للشك أن كل الاوزان استخدمها، والآن كنت انتظر من شربل داغر وهو يناقش جزئية 'القافية' أن يصف لنا كل الأشكال 'القافوية' التي وظفها أمل دنقل، فهناك 'المتوالية' و'المتعارضة' و'المهيمنة' و'المرسلة' ، هناك أيضا أشكال داخلية وظفها أمل ولم يشر اليها داغر'!
بخلاف هذا لم تثر معظم الابحاث علي أهميتها جدلا مماثلا.. وسنكتفي بالاشارة الي ما جاء في بعضها.
فخري صالح قدم بحثا عنوانه 'أشكال توظيف التراث في شعر أمل دنقل' مؤكدا فيه أن الشاعر الراحل اشتغل علي التاريخ وأعاد النظر في وقائعه، وضرب أمثلة بقصائد متعددة منها 'حديث خاص مع أبي موسي الاشعري'..
أشار أيضا الي أن أمل كان يقلب الواقعة التاريخية، يدرجها في الحاضر، ويغمسها في سائل الواقع اليومي.
وقال ان قصيدة 'البكاء بين يدي زرقاء اليمامة' خير تمثيل لما يحاول أن يطرحه، فيها مزج مدهش بين لغة المجاز استحضار الماضي والتعبير عن الواقع الراهن!
وأكد محمد بدوي في بحثه 'أمل دنقل أسطورة التمرد' أن أمل واحد من الشعراء القلائل الذين يمكن استدعاؤهم الآن وقراءتهم بشكل مختلف مثله مثل صلاح عبدالصبور.. ووضح فكرته قائلا:
'أمل كان يمثل سردية قبل وبعد موته، السردية حكاية ليست بالضرورة واقعة تاريخية، السرد عنه وعن أصدقائه المقربين حوله الي نموذج للشاعر المتمرد الذي خرج علي المؤسسة، ويبدو أنه لا مجال للتساؤل: هل صنع أمل هذه السردية أم صنعت له بدءا من يتمه المبكر وشعوره بظلم الاقارب ووجوده في الصعيد حيث غرق في بيئة تتوافر فيها العناصر الصوتية بشدة؟!'.
وأضاف: 'التمرد له مصدران عند أمل، الاول شعر الصعاليك حيث تنهدم الجدران بين شاعر من لحم ودم وشاعر في القصيدة، هناك شعراء رافضون لكنهم أبناء في النهاية للمؤسسة، أمل هدم هذا الجدار في تبنيه للصعلكة والسردية القرآنية والثاني اختياره لان يكون في الشارع 'الغابة'، كان دائما يريد الخروج الي الشارع حينما تحدث مشكلة يقول 'اريد النزول الي الشارع'(!) لدرجة أن ابراهيم منصور سأله مرة: 'هل ستجد الحل في الشارع؟!' ولهذا فان أمل سعي لدمج أشعاره في الممارسة الحياتية الانسانية'.
وانتهي الي أن أدوات أمل المتعددة جعلت نصه يستدعي مرة أخري 'لأنه لا يقول مقولا أيديولوجيا، يضع المشهد ويحذف الترهل العاطفي ولهذا فيمكن اعادة تأويله مرة أخري'!
تتبقي فقط اشارة مهمة الي الامسيات الشعرية التي كان الشاعر الفلسطيني محمود درويش ضيفا علي احداها، كان حضوره فذا، ادرك المنظمون انهم سيضمنون حضورا جماهيريا غير مسبوق فأجلوه الي نهاية الامسية.
مع أن الامسية كان يجب أن تكون له وحده كما عبر الحاضرون وانتظر الجمهور يستمع لأكثر من ساعتين الي شعراء آخرين اختلفت الاراء حول ما قدموا لكنها اجمعت علي أن 'أشعار' هاشم شفيق تمثل علامة استفهام كبيرة!
ويبقي سؤال اعتقد أنه لابد منه : هل قطع هؤلاء الشعراء كل هذه المسافات من أجل أن يلقوا قصيدة أو اثنتين؟!
ألم يكن من الضروري أن يكون لهم حضور فاعل في مناقشات المؤتمر؟!