ماذا بعد احتفالية المجلس الأعلي للثقافة:
                                                                       العودة إلي أمل دنقل
                                                                       محمود أمين العالم




ما أعتقد أننا مطالبون بعد انفضاض ندوة التقييم والتقويم لتراث أمل دنقل الشعري التي أتاحها لنا المجلس الأعلي الثقافة مشكورا، أن نتفرق من تلقاء أنفسنا بهدوء حزين كما تفرقت المسيرات الشعبية الحاملة لرايات أمل دنقل منذ أسابيع غير بعيدة، وتنغلق بهذا أبواب 'الغد الآتي' المأمول، الذي بشرتنا به وحرضتنا عليه أشعار أمل دنقل...
ماذا بعد إذن؟..
لقد استعدنا طوال الأيام الأربعة الممتعة لهذه الندوة درس أمل دنقل، وإن افتقدنا حرارة كلماته المشحونة بإرادة الفعل الحاسم القاطع، لابمعانيها ومفارقات رؤيتها فحسب، بل بإيقاعاتها الحادة الحارة، وقوافيها الموقظة المستفزة، ووهجها الكاشف الغاضب، وانبثاقاتها من أعماق خبرات تراثنا القديم متشحة بأثواب عرس المستقبل.
حقا، هناك من تشكك في بعض الكتابات الصحفية بل حاول أن يغبر برماد ترابه وجه الحق والصدق والإبداع في نبوءات أمل دنقل وهي تتحقق فعلا وواقعا: ولا يجد في أمل دنقل هذا الرائي المبدع إلا مجرد راوية(!) يجتر الماضي ويستنيم إليه وفيه، وأنه آخر الشعراء الجاهليين، وأن شعره ليس إلا حكمة أو موعظة حسنة! تدعي هذا باسم حداثة عيونها مستعارة، ورؤاها تجريبية عمياء بلا منطلق أو استهداف من أرض الناس وإليهم ولهذا فهو وأمثاله لايحسنون المشاركة في صناعة الحياة والمستقبل لأمتهم، كأنما الحس الحداثي الجمالي الفني الذي يتمنطقون به لايوجد إلا هناك في الغرب، ولهذا، فلا فضيلة يرونها في أمل دنقل علي حد قول بعضهم مؤخرا 'إلا هذا الفعل العظيم الماكر الذي قام به أمل دنقل، وهو موته المبكر'!
كأنما هو قد فوت عليهم فعلهم العظيم بالقيام هم أنفسهم باستكمال اغتياله حيا، وهاهم يغتالونه ميتا!؟ وهيهات لهم ذلك في حياته الباقية والمنظورة في الطريق الحي الذي شقه بممارسة انسانية ملهمة بتراثه المتجدد وحداثته الأصيلة. ذلك أنهم يتصورون انه ليس هناك غير حداثة واحدة، هي هناك! ولايدركون أن ثمة حداثات متعددة، تنبع وتتنوع مع تنوع التجارب الانسانية والابداعية، وليست وقفا علي تراث أو تاريخ أو ثقافة. ويتجاهلون ان تراثنا الإبداعي العربي زاخر بالتجارب الحداثية المتنوعة. بل ان الاسلام نفسه قد بدأ بثورة حداثية بامتياز في الرؤية والفكر وأنماط الحياة، والقيم والعلاقات الاجتماعية. وأن تاريخ الشعر العربي والعلم العربي مراحل متتابعة من المنجزات الإبداعية. وعندما يستلهم أمل دنقل هذا التراث العظيم، فإنه لايجمد عنده، ولايجمده، ولايتخذه مجرد أقنعة وظيفية فقط. بل يستلهمه ويضيئه ويضيء به خبرات ابداعية جديدة. وهكذا، فإنه لايقف في خبرته الابداعية عند تراث الماضي، وإنما يستعين ويستلهم كذلك مختلف التقنيات الجديدة، المسرحية، والسينمائية والحواريات والعلاقات الدرامية، الي غير ذلك. حتي القافية التقليدية عنده، ليست مجرد نهاية لبيت او تكرار رتيب لصوت، وإنما هي جزء حميم من مفارقة ثنائية أو ثلاثية الأطراف التي تنتهي دائما بسكون، قاطع، تعبيرا عن قطع وحسم وارادة تجاوز، لامجرد وجاهة بلاغية، وانما هي بلاغة مفجرة مؤثرة تسهم في تثوير الوعي وارادة الفعل. ولهذا فلغته ليست لغة معجمية كما يقال بل لغة سياقية الدلالة، بل درامية التأثير تعبر بالجزئي عن الكلي، وبالكلي عن الجزئي، وبالمرئي عن اللامرئي كما تعبر بالصورة والمفارقة، والأساطير، والرموز التاريخية، وتسعي لتحويل الحلم الي واقع والواقع الي حلم. ولهذا نجد أن التناص عنده ليس مجرد عملية جمالية، بل عملية دلالية بامتياز كذلك، يوحي ويقول ويقيم عوالم من الرؤي المتجددة رغم وبفضل عبقها التاريخي! ولهذا تتعانق وتتواحد في شعره الصياغات اللغوية البلاغية الصارخة بالدلالات المضمونية الخافية. ولهذا كذلك، ليس في تعابيره المباشرة شبه النثرية، بل النثرية، عن الواقع ما نعده رغم مظهره اسقاطا أو تسجيلا، أو تقريرا أو انعكاسا آليا للواقع المباشر، بل يكاد يكون اعلاء مضمونيا جماليا للواقع نفسه، بما ينبض به السياق من رؤية عامة للواقع، ذات توجه نقدي أو نقضي رافض. فالوضوح الغامر في شعره ليس وضوحا مسطحا، بل هو نصاعة رؤية حافزة متمردة متطلعة الي التجاوز دائما، أكاد أتبينها بمستوي أو بآخر في الكثير من الابداع الشعري والروائي في الانتاج الأدبي لبعض البلاد النامية أو فيما يسمي بأدب ما بعد الكولونيالية بمستويات مختلفة باختلاف السياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية واللغوية.
ولعل هذا ينقلني الي الغاية التي اتغياها بهذه الكلمة السريعة. بعنوان 'أمل دنقل ونقاده'، التي هي ليست تعقيبا علي ندوة المجلس الأعلي للثقافة، وإنما هي محاولة لدعوة الي ما بعدها، واستكمالا فيما اتصور لها...
وقضيتي التي أطرحها تدور حول ملاحظة مدهشة تبينتها من قراءتي للعديد من المعالجات والقراءات النقدية للديوان الشعري العام لشعر أمل دنقل، ذلك ان هذه المعالجات والقراءات جميعا علي اختلافها وتنوعها منهجيا تكاد في معظمها تلتقي في الاحتفاء والاحتفال بالقيمة الفنية والابداعية والدلالية فضلا عن الوطنية والقومية بوجه خاص لهذا الديوان الشعري العام لأمل دنقل. أذكر أنني كتبت مقالا قديما في الثمانينيات حول قراءة ثلاثة نقاد لبعض شعر أمل دنقل، لكل منهم منهجه النقد الخاص. اولهم ناقد واقعي بالمعني المباشر الذي يكاد يقتصر نقده علي تفسير وتوضيح النص الشعري والثاني ناقد بنيوي بامتياز، وقف عند حدود الأبنية البلاغية الاطارية للنص، اما الناقد الثالث فناقد ماركسي حرص علي كشف العلاقة الجدلية بين الأبنية البلاغية للنص، ودلالته ومضمونه. وبرغم الاختلاف في هذا التناول والقراءة، فقد اتفقوا كل علي حدة علي تثمين العمل الشعري لأمل دنقل تثمينا عاليا رغم اختلاف توجههم ومعالجتهم للعمل. وفي كثير من الدراسات والمعالجات النقدية الأخري علي اختلاف رؤاها وايديولوجياتها ومناهجها لأعمال امل دنقل الشعرية، لاحظت كذلك هذا الاتفاق علي التقييم الرفيع لهذه الأعمال فنيا ودلاليا، بل لاحظت التداخل في تقييم بعض النقاد لشعر أمل دنقل اصحاب الرؤي المختلفة، التداخل بين المنهج البنيوي والمضموني الايديولوجي كما يقال. هذا، فضلا عن ان بعض شعر أمل دنقل أصبح في كثير من لحظات الاحتدام الوطني والاجتماعي شعارات معبرة عن هذا الاحتدام تتسلح بها مختلف القوي السياسية والاجتماعية في تظاهراتها.
وأتساءل: ما سر هذا الاتفاق العام باستثناء موقف بعض أصحاب التوجه الحداثي كما يسمي نفسه حول شعر أمل دنقل؟ هل يرجع هذا الي غلبة الطابع السياسي والايديولوجي والقومي والوطني المحترم علي مضامين شعر أمل دنقل؟ لو صح هذا لكان الأحري بالاتجاه البنيوي الخالص أن يختلف معه، أو أن يقيمه تقييما سلبيا؟ أم يرجع الأمر الي التلاحم الحميم في شعر أمل دنقل بين القيمة التشكيلية الجمالية والقيمة الدلالية التقدمية فضلا عن البعد التراثي القومي؟ بماذا يفسر هذا شبه الاجماع علي هذا الاحتفاء والاحتفال بهذا الشعر من مدارس نقدية مختلفة؟
وأغامر بالقول في محاولة لتفسير هذه الظاهرة ان كانت في حاجة الي تفسير كما أري: إن النقد العربي للشعر في تقديري علي اختلاف وتنوع مدارسه، تكاد تكمن وراءه نظرية خاصة لم تتحدد معالمها لنا بعد. علي أني أدرك بالقطع ان القول بنظرية بالمعني العلمي يفقد بالضرورة اي خصوصية ذاتية أو قومية. فالواقعية مثلا ليست نظرية بلد من البلدان او مجتمع من المجتمعات أو خبرة محلية تختص بها. فالبنيوية مثلا برغم انتعاشها في فرنسا في البداية ليست نظرية فرنسية، والماركسية ليست المانية رغم انتسابها الي مفكر الماني، والنظرية النسبية في الفيزياء ليست كذلك نظرية المانية لان اينشتاين الماني وهذا. ولهذا لاسبيل الي القول بنظرية مصرية أو عربية في النقد الأدبي الذي يمارسه النقاد العرب في الوقت الراهن بمستوي أو بآخر. ولاشك أن الممارسات النقدية العربية في تنوعها وعلي ارتفاع مستوي وقيمة البعض منها، فإنها امتداد تطبيقي لنظريات ذات دلالة. نظرية عامة بصرف النظر عن قومية القائلين بها. علي انه مع تأكيدي علي هذه المعطيات واعترافي لها، فإنني أري أن مختلف النظريات العامة وخاصة المتعلقة بالانسانيات كالنظريات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبخاصة الأدبية والفنية تختلف في الممارسة الحية بحسب السياق القومي لهذه الممارسة وتتسم بخصوصية نسبية. فالنظرية ليست قالبا صلبا جامدا اللهم الا في منطوقها العلمي العام. إلا انها في التطبيق والممارسة تتلاءم بالضرورة، أو تتلاءم معها بالضرورة السمات العينية للسياق القومي الخاص. وهذا معني خصوصيتها النسبية التي لاتتناقض بل تغني وتعمق المنطق العلمي العام للنظرية لا مجرد منطوقها. وهذا هو جدل الخاص والعام في العلاقة بين التطبيق والنظرية، الذي قد يفضي احيانا الي تفريعات نظرية مختلفة للنظرية الواحدة.
وتأسيسا علي هذا لو صح، فانني قد أري ان بعض ممارسات النقد الأدبي العربي، برغم انتسابها الي نظريات عامة، فانها في الممارسة تتخذ طابعا خاصا، تشترطه او تفرضه في تقديري وخاصة في مجال نقد الشعر خصوصيتنا اللغوية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية والقومية عامة.
علي أن القول بالخصوصية هنا لايعني القطيعة مع الانتساب الي النظرية النقدية العامة، وانما يفرض ضرورة مراعاة الشروط الموضوعية الخاصة بشكل مباشر أو غير مباشر في الممارسة النقدية، وبخاصة اذا كانت هذه الممارسة حريصة علي ان ترتفع الي مستوي رفيع من الجدية والعمق والامتلاك المعرفي لخصائص ظواهرنا الشعرية الابداعية.
اردت أن أقول ببساطة إن هناك من التجارب والممارسات والاجتهادات النظرية العربية المختلفة الجادة في نقد الشعر العربي المؤهلة لأن نستخلص منها معالم عامة لنظرية نقدية ذات خصوصية عربية نسبية. انها ليست دعوة الي رؤية نظرية احادية شوفينية ذات توجه قومي مغلق، منبت عن النظرية العامة. وانما هي دعوة الي تنظير نقدي نسبي نابع من خبراتنا الابداعية والنقدية الخاصة التراثية والحديثة وليست حدا او قيدا علي انطلاقها، وانما تكون وعيا بهذه الخبرات الخاصة المتنوعة، بهدف تعميقها واغنائها بل المساهمة كذلك في اغناء النظريات العامة العلمية فوق القومية. ولماذا لاتكون كذلك خطوة نحو بلورة وتنمية نظرية نقدية عامة متجاوزة لحدودها القومية ومرتفعة الي مستوي الأفق النظري النقدي العام. المهم هو ضرورة اعمال الفكر النظري عامة في خبراتنا الابداعية الخاصة بل في مختلف همومنا وقضايانا العامة كذلك.
وأعود الي موضوعنا الخاص بنظرية نقد الشعر العربي وخصوصيتها النسبية للتجارب الشعرية والنقدية العربية في تنوعها طوال القرن العشرين أو الخمسين سنة الماضية لاستخلاص الثوابت الأساسية في الخبرة الشعرية والنقدية الخاصة في تنوعها وتميزها واختلافها وعلاقة هذه الثوابت بالنظريات النقدية العامة. وحبذا لو ارتبط هذا العمل في الوقت نفسه بدراسة العلاقة النظرية النقدية في خبراتنا الحديثة والمعاصرة مع النظريات التراثية العربية القديمة.
لعل هذا يفرض الدعوة الي ندوة اخري امتدادا وتواصلا لندوة المجلس الأعلي للثقافة حول 'أمل دنقل' الشاعر والقيمة ويكون موضوعها: 'خصوصية الشعرية العربية الحديثة' في مجالي الابداع والنقد'.
ان الخصوصية اصبحت من الهموم الفكرية والثقافية العامة في عصرنا الراهن. ففي هذه المرحلة من تاريخ الحضارة الانسانية، تبرز محاولات للهيمنة وطمس الخصوصيات الثقافية والهويات القومية، باسم العولمة. وهي في الحقيقة ليس مجرد عولمة، فالعولمة تطور موضوعي تاريخي، وانما هي هيمنة تسعي لاستقطاب العالم لمصلحة دولة كبري واحدة هي الولايات المتحدة الامريكية. ولا سبيل لمواجهة ومقاومة هذه الهيمنة باسم العولمة الإبتنمية خصوصيتنا الثقافية وهويتنا القومية دون عزلة او انغلاق من ناحية، أو اندماج هيكلي تابع من ناحية اخري. فهذا هو السبيل لتحويل هذه العولمة الي عولمة انسانية ديمقراطية، يتحقق فيها وبها مشترك انساني حضاري مترابط متضامن يتم فيه وبه احترام وتنمية الخصوصيات الثقافية والهويات القومية.
وقد يقال، وما دخل الشعر ونقد الشعر، والنقد الأدبي بهذه القضية السياسية العامة؟ والحق ان الثقافة عامة والأدب خاصة ابداعا ونقدا اصبحت في عصرنا في قلب هذه المعركة الحضارية الشاملة سلبا او ايجابا