ويل للشجيٌ من الخليٌ
محمود أمين العالم


شكرا عميقا للشاعر أمل دنقل الذي أتاح لنا احتفالنا بذكراه في هذه اللحظة الفارقة من تاريخنا العربي المعاصر، تفجير قضية الشعر تنظيرا وإبداعا علي المستوي الثقافي العام. فهكذا كان الأمر كذلك في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي، حين تفجرت كذلك قضية الشعر تعبيرا كذلك عن لحظة فارقة لهذا التاريخ. ويبدو أن الشعر في ثقافتنا العربية كان ومايزال الرمز أو النبض التعبيري الكاشف عن لحظات الأزمة والتحول في هذه الثقافة. ولعل هذا أن يكون ملمحا من ملامح خصوصية هذه الثقافة في تطورها التاريخي (يا ويلي من كلمة الخصوصية هذه التي تسبب لي الكثير من سوء الفهم!).
علي أنه إذا كانت معارك الأربعينيات وأوائل الخمسينيات الثقافية كانت لحظة تحول وتحرر من سيادة بنية داخلية ماضوية مشروطة ومكرٌسة بعوامل خارجية مفروضة هي الاحتلال الأجنبي، فإن لحظة التحول والتحرر الراهنة تكاد أن تتمثل أساسا في تحدي قوي خارجية تسعي للهيمنة بشكل مباشر أو غير مباشر بالتواطؤ مع قوي داخلية علي الأبنية الداخلية وأعادوا تشكيلها بما يخدم مصالحها أساسا. ولهذا إذا كانت المرحلة السابقة هي مرحلة تحرر موضوعي، فإن هذه المرحلة الراهنة هي مرحلة ضرورة التنمية الذاتية المستقلة بل الوجود والتحقق الذاتي نفسه! علي أن هذا التمييز بين الداخل والخارج، بين الخصوصية الذاتية، والعمومية أو الكلية الإنسانية، لا تعني الاستعلاء والقطيعة القومية الضيقة، بل هو شرط الحرية والإبداع والاختلاف والتفاعل الصحي الخصب والتقدم الإنساني الخاص والعام، ولهذا فالخصوصية لا تعني الجمود الماضوي، كما أن الهوية وهي خصوصية تاريخية لا تعني الانغلاق عن الآخر، وليست سلفية تتحدي التغير والتجدد، بل هي شرط التفتح وقاعدة التغير والتجدد لأنها كذلك شرط الإبداع.
حرصت بهذه البداية العامة، أن أؤكد للصديق العزيز والشاعر الحداثي المتميز عبدالمنعم رمضان أن مقاله الدمث الذي يرد فيه علي رؤيتي وتقييمي لشعر أمل دنقل ويختلف فيه معي اختلافا كبيرا أتفهمه وأقدره إلا أنه يفتقد بعض الدقة في قراءته لي، لا قراءة مقالي المنشور في العدد قبل الماضي من 'أخبار الأدب' فحسب، بل قراءة بعض كتاباتي منذ أكثر من خمسين عاما حول قضية الخصوصية بوجه عام. ولهذا ما كان في حاجة إلي أن يتسلح بنص طويل أعرفه للكاتب الكبير أمين معلوف ليؤكد فيه أن كلا منا 'مؤتمن' علي إرثين، أحدهما عمودي يأتيه من أسلافه وتقاليد شعبه وجماعته الدينية، والآخر أفقي يأتيه من عصره ومعاصريه، بل لعلي في كثير مما كتبت كنت ومازلت أقرب إلي القول الحاسم بضرورة امتلاك التراث معرفة والحرص علي تجاوزه إبداعا.
ولهذا لم يكن عنوان مقالي السابق كما كجتب وتصور شاعرنا هو 'العودة إلي أمل دنقل' الذي راح يؤسس عليه موضعا وموقعا لي داخل المؤسسة الثقافية الرسمية! وبالتالي مشاركتي فيما تصوره علي طريقته الحداثية تخطيطا ذكيا بين تخطيط الولايات المتحدة الأمريكية للتعجيل بغزو العراق عندما علمت بالاحتفالية الدولية لأمل دنقل التي سيقيمها المجلس الأعلي للثقافة، ليكون الغزو قبل الاحتفالية مباشرة لضمان نجاح حملتها العسكرية والعرس الشعري؟! فالذين انهزموا في الواقع يحتاجون إلي نصر وصمود فوق المنصات وفوق لا تصالح'!! لاشك أن هناك جانبا من الصدق المحتمل في هذا 'المونتاج' الحداثي المتخيل، علي أن الحقيقة الأولي التي لا يعرفها شاعرنا هي أنني لم اختر عنوان المقال، وإنما اختارته مشكورة 'أخبار الأدب' وما كانت تعني بالعنوان هذا الإيحاء الذي تضمنته ملاحظة شاعرنا الحداثي. كان عنوان مقالي 'أمل دنقل وناقدوه' بل لعلي في عدد أسبق في 'أخبار الأدب' عندما سألني الزميل محمد شعير عن سر الاحتفال بأمل دنقل قلت له أنه بسبب الحضور الفني لأمل دنقل هذه الأيام في المظاهرات الشعبية وفي ردود فعلنا العاطفية والفكرية ازاء العدوان الأمريكي علي العراق، فشعر أمل دنقل يتضمن رؤية بعيدة عميقة، ولكني أضفت فيما أذكر أنه ربما يكون كذلك نوعا من التطهير الأرسطي في تفسيره للمسرح التراجيدي. ولكن تفسيري هذا لا يصل إلي مستوي القول بالتواطؤ شبه المقصود الذي تتضمنه رؤية شاعرنا عبدالمنعم. علي أن هذه المسألة تنقلنا إلي قضية أساسية هي الموقف من المؤسسة الثقافية في مقاله، فيكاد هذا الموقف أن يتهم المؤسسة اتهاما صريحا بالتواطؤ الصريح، بل يكاد يعمم ذلك علي المشاركين في الاحتفال بأمل دنقل في اطار المؤسسة الثقافية الرسمية! وهو يدلل علي هذا بمقارنة مغلوطة في الحقيقة بين احتفال هذه المؤسسة بذكري لويس عوض الذي كان احتفالا كما يقول يغلب عليه المقالات المضادة العنيفة التي تلعن الرجل وتلعن انجازاته، علي حين كان الاحتفال بأمل دنقل حفلا للتقديس؟!
فالحق أقول أن الاحتفال بذكري لويس عوض سواء بسواء كالاحتفال بأمل دنقل جمع بين التقييم الإيجابي والتقييم السلبي علي السواء، ولعل الفارق بين الاحتفالين ليس موقف المؤسسة من كل منهما وإنما الفارق هو بين رؤيتين ثقافيتين في لحظتين تاريخيتين مختلفتين.
علي أن موقف شاعرنا من المؤسسة الثقافية الرسمية هو موقف في تقديري ملتبس تماما مثل مفهومة الخاص بالحداثة! فهو يري كما جاء في مقاله أن المؤسسة الرسمية عامة هي منظومة قواعد مقررة ومقبولة وليست محل تحريم وتجريم، وأن العلاقة بينه وبين المؤسسة هي علاقة مسافة منها. فالاقتراب الشديد منها يجفضي إلي الضياع سواء بسواء كالابتعاد الشديد عنها! ولهذا فهو يفضل المسافة الوسطي من المؤسسة وهو يعمم هذه المسافة الوسطي في علاقته كذلك مع التراث والغرب وأنفسنا ومحبوباتنا كما يقول، وهو موقف وسطي توفيقي محاذر وليس موقفا حداثيا في حدود إدراكي لحداثيته، والواقع أن الموقف من المؤسسة إذا كانت تمثل العقل المكوٌّن أي الجامد علي حد تعبيره، نقلا عن لالاند أو بالأحري عن قراءة الجابري لمعجم لالاند، والذي اتخذه أساسا لقراءة تراثنا الفكري العربي كله، وبخاصة في آخر كتبه عن 'نقد العقل الأخلاقي العربي' قراءة اختلفت معها، فينبغي أن يكون الموقف في تقديري تحديا ورفضا وتجاوزا لها، أي ارتباطا بالعقل المكوٌِن أي المبدع علي حد تعبير لالاند أيضا دون أن يعني هذا عزلة بلا حوائط وصراعا معها.
وتبقي بعد ذلك القضية الرئيسية وهي دلالة شعرية الشعر وحدودها. يؤكد شاعرنا ما ذكرته في مقالي عن أن هناك أكثر من حداثة. إلا أنه في مقاله لا يقف طويلا أبعد من مجرد هذا التأكيد الطيب، فإذا ما تحدث عن شعر الحداثة كما يراه لم يخرج تعريفه المحدد الذي يكرره في أكثر من موضع في مقاله: شعر الحداثة هو الشعر غير المصمت الذي يعاني الانقسام والتساؤل والحيرة والشظي والارتباك الخفي إلي غير ذلك من الصفات المعبرة عن القلق وعدم الجمود واللاإطلاقية، وهو تعريف صحيح في حدود رؤيته الحداثية الخاصة. وتأسيسا علي هذا لا يعدٌ أمل دنقل شاعرا حداثيا بل مجرد راوية علي قوله في مقاله الأسبق، أو عراف أو ساحر أو رائي أو مبشر أو نذير أو نبي، كما منحه من صفات أخيرا وهو في هذه الأحوال جميعا شاعر مصمت لا يعاني الصفات التي يتسم بها شاعر الحداثة، وبهذا فهو لا يري الحداثة إلا هذا الوجه الواحد أو في هذه الصفات التي حددها.. وهي بغير شك رؤية صحيحة لحداثيته، وإنكار لأي رؤية حداثية أخري بل تحديد ضيق لمفهوم الإبداع الشعري عامة.
وأكاد أفسر هذا الموقف عند شاعرنا وعند العديد من شعراء مدرسته الحداثية بل عند بعض نقاد الادب ودارسيه بالخلط بين الموضوع والمضمون في العمل الشعري والاعلاء من قيمة الشكل الخارجي للبنية الشعرية بمعزل عن مضمونها ولا أقول موضوعها.
فالعمل الادبي شعرا أو رواية أو مسرحية أو قصة لاتتحدد قيمته بالتضاريس الخارجية لموضوعه أو علي حد تعبير الجرجاني بالمعاني الاوائل وانما بالمعاني الثواني، أي ما وراء المعاني المباشرة الذي نطلق عليها اسم المضمون. يقول شاعرنا في مقاله عن أمل دنقل لا أعرف اذا كان بعض نقاد أمل قد التمس في مضمونه الذي تناول قضايا العصر القومية والوطنية العاجلة والآجلة الفلسطينية ما يسمح له بافتراض أن نصوصه حديثة انه في بعض قصائده يكتب عن الانقسام والتشظي بوضوح وصلابة وتمام معني وتمام ايقاع ودون ارتباك خفي ولا ظاهر، فيصبح الانقسام مجرد مضمون وليس حالة في الحداثة' ان شاعرنا عبدالمنعم ينفي حداثة أمل دنقل بسبب معالجته لموضوعات معالجة مكتملة واضحة المعني فاقدة للارتباك حتي لو كانت عن الانقسام والتشظي التي هي من صفات الحداثة كما يري لانه يعبر عنها كمضمون وليست حالة في الحداثة؟ والواقع أن ما يسوقه شاعرنا من هذه العناصر لا يعبر عن مضمون لشعر أمل دنقل وانما هي موضوعاته التي يعبر بها عن مضامين أخفي من هذه الموضوعات. ولهذا فليس أمل دنقل شاعر القومية العربية كما يقال وإن تكن القومية من بعض موضوعاته الاساسية. وكذلك الامر بالنسبة لنثرية العديد من تعابيره أو ايقاعاته الجهيرة الزاعقة التي تتخذ ذريعة لاتهامه بالتقليدية أو الجاهلية الجديدة أو مجرد الراوية. وليس أمل دنقل هو النموذج الاوحد والفريد للحداثة: والقضية في جوهرها هي كذلك انه ليس ثمة نمط نهائي محدد للحداثة أو للابداع وليس ثمة تكفير في مجال الابداع الادبي والفني وأن الشعر والفن عامة ليس بموضوعاته وليس بغموضه أو وضوحه، وانما بفاعليته الجمالية المعبرة عن لحظة معاناة وخبرة ذات عمق كلي وذات رؤية مستقبلية لتجاوز الواقع السائد الي ما هو أكثر عدلا وحرية وكرامة وابداعا وفي هذا فليتنافس المبدعون المهمومون حقا