|
الشاعر: ذكري دائمة وسجال دائم
حكمة السم ... إنه أمل دنقل
محمد علي شمس الدين
لأسباب خاصة، لم استطع تلبية الدعوة للذهاب الي القاهرة ما بين 18 و 21
مايو آيار الفائت، للمشاركة في الاحتفالية التي اقامها المجلس الاعلي
للثقافة في مصر، بمناسبة مرور عشرين عاما علي رحيل الشاعر المصري أمل دنقل،
لكن ذلك لم يمنعني، علي عادتي، من تفقد الشاعر في اقامته الابدية، في شعره،
فأنا أعود بين الفينة والفينة، إلي قراءة قصائد لهذا الشاعر، لا بمناسبة
بعينها، سياسية كانت أو زمنية، بل بحكم جاذبية أشعاره ذاتها، كما أعود
للسياب أو البياتي أو عبدالصبور من شعراء الحداثة الجديدة، والمتنبي وأبي
تمام وأبي نواس من المحدثين القدامي، وصولا لامريء القيس، فالشعر ذكري
دائمة مفتوحة علي الحاضر والمستقبل، والسنوات العشرون أو الخمسون أو المائة
في ذكري الشاعر، لحظة في الابدية، وتذكر أكثر مما هي ذكري. والتذكر يحدث في
كل آن، لذا لم يفاجئني شاعر العامية المصري عبدالرحمن الابنودي، وكنا معا
في الرباط، من عامين، وكان يدور الحديث بيننا حول أمل دنقل حين قال لي: كان
في هذا الشاعر شيء من السم، بل أضاف أيضا كلمة 'الخبث' استعدت هذا الكلام 'بالامس،
يوم قرأت كتابة للشاعر المصري عبدالمنعم رمضان بمناسبة احتفالية أمل دنقل،
نشرها في جريدة الحياة 'عدد السبت 17 مايو 2003' وهي كتابة تنضح بالسم اياه
الذي أشار اليه الابنودي، وتزيد بأن تتحول إلي كتابة قنفذية، فتدمر الاساس
الحداثوي والابداعي لأمل دنقل، اذ يعتبره رمضان خرج من معطف أحمد عبدالمعطي
حجازي، من جهة، ثم يرتد علي حجازي ودنقل معا، مضيفا اليهما السياب ونازك،
ليضرب هذا الجمع المتمايز والمتفرق، ضربة عشواء واحدة فيقول: 'سلالة
الكلاسيكيين الجدد ستضم إلي جوار السياب ونازك، الشعراء أحمد حجازي ودنقل
وآخرين. وليس غريبا أن تكون دورة حياة كل شاعر منهم تقريبا، تنتهي داخل أفق
كلاسيكي كامل، هكذا السياب ونازك وحجازي 'ويشتد خبث عبدالمنعم رمضان، في
ضربه للواحد بالآخر'.
فضلا عن ضرب كل واحد علي حدة، ثم لضرب الجميع كتلة،،،،، فيقول: 'ليس غريبا
أن تناقص الحس الحداثي عند كل منهم مع التقدم في التجربة والعمر، يقابله
تناقص في الحس الحداثي عند الانتقال من جيل الي جيل. حداثة السياب أعلي من
حداثة حجازي، والاخيرة أعلي من حداثة أمل وليس غريبا أن أكثر شعرهم شفاهي
وأن السلالة متعارفة وتتبادل التقريظ والمدح. عندما مات السياب كتب حجازي 'مات
أعظم شاعر عربي معاصر' وقال أمل كلاهما مماثلا عن حجازي.
الفعل الفطن الماكر الذي قام به أمل دنقل هو موته المبكر. حماقة أحمد حجازي
في التشبث بالحياة أدت به الي أن يقرأ نصوص الشباب ويرفضها علي أنها ليست
شعرا.. فيعتبره الشباب عدوا كبيرا كذلك حماقة عفيفي مطر، فطنة أمل جعلتهم
يلتمسون فيه أن يكون أحد الاسلاف، خصوصا أن شعر أمل الواضح وحيد الاتجاه
والدلالة، قابل لأن يقرأه محدودو الثقافة من جيله والاجيال التالية، وأن
شعره أيضا أصبح تعويضا عن حال التراجع والسقوط وعدم الفعل'.
ينهي رمضان مقالته تلك التي هي كالقنفذ 'كلنا يعرف أن الثقافة في مصر
يحكمها جيل الستينات، وكلنا يعرف ولا يصرح بأن أكثريتهم كتاب فطريون يأنفون
من الثقافة المكتسبة، وكلنا يعرف حماستهم لشعر أمل دنقل، الشاعر المتمكن
القدير حتي وهو في قبره، رحمه الله رحمة واسعة. هذا المقال القنفذ، كما هو
واضح، كثير الاشواك. وسوف يرتد عليه سم أمل دنقل، الذي أشار له الابنودي،
وهو في قبره. أنه يظهر الشعراء، من الاجيال المتلاحقة وكأنهم حملة سكاكين،
كل يحمل سكينه لف ظهره، ليطعن بها الشاعر الذي يقف أمامه، وهو أبوه،
فيتناهش الشعراء تناهشا، ويذهب جميع الاسلاف الي المقبرة، باستثناء الشاعر
الاخير.. والامر ليس كذلك قطعا.
ما يثير الدهشة، أيضا ، أن يعجب كلام عبدالمنعم رمضان ، أنف الذكر، الشاعر
عباس بيضون ويعتبره أنه 'وضع الاحتفالية وشاعرية وسياسية وثورية أمل دنقل
بين أقواس، أي أنه عرض للتساؤل أسس المهرجان، قال إن أمل دنقل مدين للتطلب
السياسي العام أكثر مما هو مدين لشاعريته وأن ثوريته اختراع الظرف والمرحلة....'
'ينظر مقال بيضون في السفير الثقافي عدد الجمعة 30 أيار 2003'.
لكن الشاعر عباس بيضون، يرد علي نفسه بنفسه، في المقال عينه، فهو 'أي بيضون'
أكثر عمقا وأشمل رؤية وأشد فهما نقديا لشعر أمل دنقل وسياسية هذا الشعر
وحدته وكابوسيته وغرائبيته من عبدالمنعم رمضان... بل لعله، لأول مرة، من
أيام مجلة شعر حتي اليوم، تطرح اشكالية لعلاقة السياسة بالشعر بمثل هذا
العمق ان بيضون يمسك بالكتلة العصبية لشعر أمل دنقل، فينصفه ولا يظلمه كما
فعل رمضان، إذ يكتب في المقال أنف الذكر: '.... سيفاجئهم 'في شعر أمل دنقل'
جنائزيته، وذلك الالماح البودليري الذي يصل ما بين الغناء والرغبة.
ستفاجئهم شطحات سيريالية وخيال شارد في أحيان كثيرة الي صور تهل من ذاكرة
تاريخية وسينمائية، وهذا الزخم التخيلي الذي لا يتتابع غالبا وينكسر
لمصالحات فكرية ولغوية، بل سيفاجئهم مزاج انتهاكي بمعني انتهاك المحارم
وتهويمات جنسية سادو مازوشية، وربما فاجاهم ذلك العنف الذي يتجاوز النضال
الي 'تعبيرية' وحشية يعمان رؤيته ولغته....' ويضع بيضون يده، في شعر دنقل،
علي تلك الموازنة بين الانتهاك والمخيلة السوداء، فضلا عن تقنية التسلسل
بين الصور والمشاهد وصولا الي ما يشبه المونتاج السينمائي.
هذا الكلام لبيضون، يفهم أمل دنقل وينصفه.. فكيف له أن ينوه، في الوقت عينه،
بنقيضه في رؤية رمضان لشعر دنقل؟ لعل عباس بيضون اعجب بسلبية موقف رمضان،
بالمطلق.... لكن في هذه المسألة بالذات،سجالا نقديا لابد من الدخول فيه،
فموقف رمضان من دنقل وحجازي والسياب.. الخ، انطباعي، نفسي، ولا ينصب علي
تحليل نصي لقصائدهم لاكتشاف الفروق من جهة، وابراز تقنيات الحداثة الشعرية
لدي كل منهم. أنا أعرف تمام المعرفة، أن تقنيات الحداثة واللغة، والتركيب
الصوري، والتعامل مع تيمات الكتابة، سواء كانت سياسية أو تراثية أسطورية،
أو وصفية... الخ تختلف بين هؤلاء الشعراء، وأن السياب لا يشبه حجازي، وأن
دنقل لي مقلدا لأحمد عبدالمعطي حجازي، وأنه لابد لنا من الحفر المعرفي
والشعري الحر المجرد علي قصائد هؤلاء الشعراء، لنظفر بالجوهرة المكنونة لكل
منهم... فاذا اكتفينا بلعنهم وتمني موتهم المبكر ... فاللعنة نفسها ستنال
لأعينهم هكذا وإلي أبد الأبدين.
أصل السجال
شعر أمل دنقل
في شعر أمل دنقل، مزاج السم. هذا صحيح. في شعره قسوة هائلة، كفأس قاطعة،
لكن، أري فيه أيضا رهافة مائية، كشوكة جميلة. شعره كضريح من بلور وعظام
مسننة في شعره مزاج السم وحكمة السم.. كالأفعي رمز الطب والدواء. لكن أمل
دنقل في مسيرته الحياتية وأسلوب تعامله، مخيفا.. مجا، صعيديا بلا تشذيب.
وكان دنقل، الذي مات بالسرطان في الثامنة من صباح السبت من الحادي والعشرين
من أيار مايو 1983، قد ولد في الصعيد المصري العام 1940 بقرية 'القلعة'
مركز 'قفط' علي مسافة قريبة من مدينة 'قنا'... وحمل معه الي القاهرة كل
صعيديته، وقاتل بها المرض، وادخلها في أساس الشعر والصداقة والسلوك. كنت
عرفت أمل دنقل في آخر أيامه. حصل ذلك خلال مهرجان شوقي وحافظ الذي أقامه
المجلس الاعلي للثقافةفي القاهرة، بمناسبة مرور خمسين عاما علي وفاة هذين
الشاعرين، وعقد ما بين السادس عشر والثاني والعشرين من شهر أكتوبر 'تشرين
الثاني' من العام .1982 ذهبت الي القاهرة يومذاك وأنا طالع من حرائق اجتياح
اسرائيل للجنوب اللبناني. كنت انتمي الي المحرقة، والتقيت أمل دنقل في
القاهرة مرتين: مرة حين قال قصيدته المشهورة 'لا تصالح' ، ومرة حين قلت 'هو
القلب أم حفنة من دخان القري'. وقد حمل في المرتين الي قاعة الاحتفال، في
محفة... سلمت عليه بصمت.. بما يشبه الموت. أشار يومها إلي أننا جنوبيان،
قصيدته التي سماها 'الجنوبي' كان نشرها في مجلة 'ابداع' وأدخلها في مجموعته
الشعرية المسماة 'أوراق الغرفة 8' وهي من القصائد التي كتبها في مستشفي
الامراض السرطانية، وكان مقيما في الغرفة 8 من المستشفي فنسب هذه الاوراق
اليها في المجموعة.
في قصيدة 'الجنوبي' يصف أمل دنقل صورة عائلية قديمة له كان فيها طفلا، يقف
الي جانب والده، ويسأل من بداية القصيدة: من هو الطفل؟ هو أم سواه؟ ثم تجري
الذكريات، من رفسة الفرس التي تركت في جبينه شجا، الي موت أبيه نازفا
والطريق الي قبره، فموت أخته ذات الربيعين، والقبر المطموس، وهي ذكريات
تتوالي في مخيلة غير يقينية، في وشاح السؤال: من هو الصبي؟ هو أم سواه؟ صرت
عني غريبا يقول ولا شيء يؤن الموتي غير اجتماع شملهم عند الصباح.
يرسم الجنوبي وجوهه في مرايا قريبة: في وجه من كان يشاركه نصف السرير ونصف
الرغيف ونصف اللفافة والكتب المستعارة.. ومات حين احتقنت لوزتاه في غرفة
العمليات. مات، لكنه بقي يشاركه نصف السرير وكسور الخبز والتبغ.. وفي وجه
عامل للبناء، يأتي من أقاصي الصعيد ليصعد سقالة في المدينة، يعمل ويغني
للهواء، ثم فجأة يقع علي الشارع، وينتشر دمه هناك، فيغطي دنقل خيوط الدم،
شبكة الدم، بنصف الصحيفة التي كان يقرؤها.. وفي وجه أسماء 'ابنة صديقه يحيي
الطاهر عبدالله الذي مات قبله، لم يمت، كما يقول، بل 'صعد' لأنه كان يحيا
كأن الحياة أبد. وفي المرآة حيث يقيم مع صورته حوارا، ينكشف من خلاله
الجنوبي راغبا من كل الحياة باثنتين: الحقيقة ووجوه الميتين. في هذا الشعر
حياة. أكثر من السياسة. سيرة، حكاية، تأمل وتقنية سرد وتركيب، تأتي اللغة
لتحمله.
حدقت يومذاك في وجه أمل دنقل، كان عاريا مفزعا موجعا مفجعا. لا أثر لشعره
علي الجمجمة. عظام وغائرة ومرسومة بزواياها وكأنها لجمجمة فرعوني محنط.
اسقط الدواء الكيمائي كل شعرة من شعر رأسه. وجعله السرطان كالعصف المأكول.
حدقت في أشلائه وأشعاره وحكاياته. لقد اندلع شعر أمل دنقل كسرطان في جسد
الهزيمة العربية. قصائده جرعات من السم والمرارة، مراث كاشفة للخلايا
الخبيثة في جسد الامة، وفي أشعاره أعظم شحنة نقدية في الشعر العربي الحديث.
قصائده قصائد العذاب المقطر، المتأمل، المهيب، الذي يتفجر النواح في خلايا
صمته، وينشب مخالبه الحرة في عري النسيج المهلهل للبلاد المهزومة، المنخورة
في قاع روحها، المفتتة والمفسخة الجسد، شعره أقرب للسرطان الذي نهش جسده،
لذا يقف عاريا أمام الحقيقة.
وقد بدأ أمل دنقل ضرباته المخيفة منذ كتب قصيدة 'البكاء بين يدي زرقاء
اليمامة'، حيث يشكو فيها الي جدته 'الزرقاء' أوجاع من أثخنتهم الطعنات
وزحفوا في معاطف القتلي مغبري الجباه مقطعي السواعد ممسكين بالراية المنكسة،
وحولهم تتناثر علي الصحراء أشلاء من قتلوا، وصور الاطفال في خوذاتهم
وأفواههم محشوة بالدم والرمل. يسأل الشاعر جدته عن وقفة الاعزل بين السيف
والجدار، والجرذان تلعق من دمه حساءها وعن وقفته هو... المهان 'لا الليل
يخفي عورتي ولا الجدران' ولا تحجبه الصحيفة التي يشدها إلي وجهه. يشكو لها
صمته وخرساه: 'قيل لي أخرس فخرست، وعميت ، انتميت للخصيان'.. هذا 'وأنت يا
زرقاء/ وحيدة عمياء'.. فشاهد هذا التاريخ الماضي الرائي الحديد البصر
الحكيم الزرقا، صار، في القصيدة، معطلا، بالهزيمة. والروح التي كانت
مشتعلة، ذات يوم، هي الآن عارية وبردانة. هذا النقد الشعري الخطير لواقع
الهزيمة العربية، أدخل فيه أمل دنقل التراث العربي من خلال مشاهد ولحظات
تاريخية، دسها في جسد الحاضر، لا كورود وقيم مقدسة وثابتة بماضيها، بل
الغام ومواد حارقة. لم يقف عليها كأطلال جميلة، بل استقدمها باستفزاز
وسخرية. مثلا، هو يخاطب رمز البطولة الاسلامية صلاح الدين الايوبي، في
قصيدته 'خطاب غير تاريخي علي قبر صلاح الدين' 'من ديوان أوراق الغرفة 8'
بقوله: 'أنت تستثرخي أخيرا/ فوداعا يا صلاح الدين يا أيها الطبل البدائي
الذي تراقص الموتي علي ايقاعه المجنون/ يا قارب الفلين....' هذا التوظيف
الاتهامي للتاريخ العربي، في شعر أمل دنقل، في ما يقيمه من تناظر كاشف بل
فاضح بل ساخر ومنتهك ومر، وسوداوي ، بين الماضي والحاضر، يصل الي توتره
العالي في قصيدة 'من أوراق أبي نواس' من مجموعة 'العهد الاتي'. ففي الورقة
السابعة من هذه القصيدة يجمع بين موقف الحسين في كربلاء، وموته من دون جرعة
ماء، وإيماءة لأبي نواس 'الذي يشرب المدام لكي يتناسي الدماء'. والقصيدة
اتهامية وجارحة. يسأل الشاعر في نهايتها: '.. أفتقدر أن تنقذ الحق ثرثرة
الشعراء؟ والفرات لسان من الدم لا يجد الشفتين'.
هذه الجدلية المعقودة في شعر دنقل بين الماضي العربي والاسلامي والحاضر،
استعاض بها عن استدراج الرموز اليونانية أو السومرية أو الفرعونية الي حقل
قصيدته، ما خلا قصيدة 'كلمات سبارتاكوس الاخيرة'.
فهو يجعل من سبارتاكوس لوثة عربية معاصرة. لكن أمل دنقل لم يبق في حدود
الاستدراج والتورية في شعره، فقد احتك بالحاضر، بالواقع، مباشرة بلا وسائط،
فتراة يراقب ما يحصل في مجموعته 'تعليق علي ما حدث' بالعين القريبة ويكشف
مباشرة عن احشاء التفاصيل. يبقر الواقع بقرأ بمخرز أشعاره. انه، كما في
قصيدة حمامة' علي سبيل المثال، يلتقط التفاصيل، ويتابعها ويسجل المفارقة،
ويتأمل في كل ذلك، تأملا هادئا ومرا وساخرا، وفيه الحزن والتوتر تحت الرماد،
من دون أن تغلب عليه سطوة اللغة، فيخفضها ويطوعها لتأمله وحنكته وسخريته،
فضلا عن حكائيته، ويستخدم تقنية البناء المشهدي والحركة المسرحية والتعارض
بين لقطتين أو فكرتين ذو زمنين، ليكشف بالتناظر، عن نسبية الحقيقة،
وسخريتها، بل لا معقولها، أكثر من انسجامها وعقلها.
لمعت جذوة حياة أمل دنقل وانطفأت سريعا بين شاعرين حاضرين، كل بتجربته
الفريدة والعميقة، صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي. ليس سهلا أن يلمع
أمل بين هذين الشاعرين المبدعين. ومع ذلك نسجل له أنه استطاع أنيتفرد
بينهما ومعهما.... وإن كان أقرب لحجازي منه لعبدالصبور. لقد نقل تجربة
التأمل الميتافيزيقي لعبدالصبور من السماء والغيب الي تراب الارض والصعيد
والشوارع والمقاهي والناس العاديين. وكان حجازي قد مهد له الطريق لذلك.
وقصائده لا تخرج عن كونها مراثي لكل ما يتصل به بالامس واليوم. لكنه صاحب
ملاحظة وسرد حكائي وسيناريو وتفاصيل، ومناظرة وقوة نقدية عظيمة بل فاضحة.
وشعره وإن كان هادئا في شكله وتركيب كما في لغته، ومنافه الا أنه في العمق
صاحب بل تخريبي خطير. شعره يشدك بخيط من الفضول واستثارة الدهشة، والتشفي
أحيانا. تضحك معه من شدة البلية 'الزهور تحمل أسماء قاتليها في بطاقة' كما
يقول 'قبليني لأنقل سري إلي شفتيك..' وهكذا فهو قادر علي اخضاع أكبر
القضايا لهذا التخفيف التصويري أو السردي، يغسل كل ما يمسه شعره بماء الخوف
والقسوة، اليأس والتهكم، الذي هو ذاتي وعام، هاديء سلم صعلوك، وجميل.
والسرد اللالغوي لديه، يكمن في قدرته علي تمويت الايقاعات الصلبة والصاخبة
وفي وصفيته النقدية الاتهامية. تروي عبلة الرويني، زوجته في كتابها الذي
صدر عنه بعنوان 'الجنوبي' انهم حذروها منه قبل لقائها الأول به، لاجراء
مقابلة صحافية معه. قالوا لها: 'حذار، ستجدينه سليط اللسان، شديد القبح'.
وتروي أنه كان في بعض أفكاره نيشويا 'نسبة لنيتشه'.. وأن الادباء كانوا
يتحاشونه، لخشونته، وأنهم كانوا يتحاشون المرور أمام مقهي ريش في القاهرة
الذي كان معتادا علي الجلوس فيه.. وأنه حين التقاها لأول مرة، وكانت خجلة
من بعض البثور في وجهها، قال لها: 'انه يحب هذه البثور بالذات' وأن صديقا
مغربيا زارهما، وكان شديد الاعجاب به، وكان أعرج يتوكأ علي عكاز، ففاجأة
أمل بقوله: أهلا بالاعراج.. وأنه أخيرا، في أخريات أيامه، وهو في مستشفي
الامراض السرطانية في الغرفة رقم 8 بالذات، كان يقلع أضراسه بالكماشة، وقد
أصر علي قلع ضرس من هذه الاضراس، واهدائه إليها.
سنا....
انه أمل دنقل...
--------------------------------------------------------------------------------
|