تحت سماء عارية
القصة في زمن النكسة

سيد عبدالخالق


قد يكفي هذا المترجم الرائد 'دينيس جونسون ديفيز' ويكفينا معه أنه صاحب أول ترجمة انجليزية للقصة العربية في تاريخنا الحديث. كان ذلك عام 1946، عندما ترجم مجموعة صغيرة تضم مختارات من أعمال محمود تيمور، ونشرها علي نفقته الخاصة في القاهرة!! وقد لا يعرف كثيرون أن اسهاماته في الترجمة عن العربية تخطت حدود الادب العربي الي النصوص والدراسات الاسلامية.
فقد شارك في ترجمة ثلاثة مجلدات من الاحاديث النبوية الشريفة، فضلا عن أجزاء من 'احياء علوم الدين' للإمام الغزالي. وبوجه عام. قدم دينيس الي قراء الانجليزية أكثر من 25 مجلدا عن العربية. فضلا عن هذا الكتاب الجامع الذي نحن بصدده : 'تحت سماء عارية' Under the Naked Sky في الوقت الذي لايزال فيه مترجمونا الاكاديميون الكبار مشغولين بالبحث في الجواب الصعب عن السؤال الصعب: هل يكتبون ادوار الخراط عند ترجمته ب Al أم EL.
يضم الكتاب مختارات قصصية لثلاثين كاتبا عربيا، من المحيط الي الخليج، ومن نجيب محفوظ الي أمينة زيدان آخر عناقيد القصة المصرية. غيرهما، هناك يوسف ادريس وخيري شلبي وادوار الخراط وجمال الغيطاني وابراهيم أصلان ومحمد البساطي ومحمود الورداني ومحمد المخزنجي وسلوي بكر ويوسف أبو رية وعبده جبير وسعيد الكفراوي وهناء عطية 'من مصر' وعبدالعزيز المسدي وعبدالله باخشوين 'من السعودية' وابراهيم الكوني 'من ليبيا' وفؤاد التكرلي وبثينة الناصري ومحمد خضير وعالية ممدوح 'من العراق' وزكريا تامر وابراهيم صموئيل 'من سوريا' وابراهيم دارغوثي 'تونس' ومحمد زفزاف 'المغرب' وسلمي مطر سيف 'الامارات' وحنان الشيخ 'لبنان' وغالب هلسا 'الاردن'.
وليست هذه التجرية البانورامية هي الاولي من نوعها التي يخوضها دينيس في ترجمة القصة العربية، فبعد مختارات تيمور، تعرف دينيس علي نجيب محفوظ ويحيي حقي، واتسع اطلاعه علي الكتابات العربية، فبدأ يعد مخطوطا جديدا فيعطي المنطقة العربية وبمساعدة من الراحل جبرا ابراهيم صديق كامبريدج أعد كتابا يضم عشرين قصة من أقطار مختلفة.
ثم راح يبدأ رحلة العذاب في العثور علي ناشر انجليزي يتحمس لنشر العمل وكان يعرف أن المهمة ليست سهلة. بعد عدة محاولات، حفظ المخطوط لسنوات في درج مكتبه، الي أن تلقي أخيرا ردا من جامعة اكسفورد يفيده بالموافقة علي نشر الكتاب ضمن منشوراتها، شريطة أن يتولي تقديمه أحد الاكاديميين المتخصصين في الأدب العربي. رفض جونسون في البداية، الا أن اصرار الجامعة دفعه الي مراسلة البروفيسير أ. ج أربيري أستاذ اللغة العربية بجامعة كامبريدج، والذي رحب بالعرض رغم أن لم يكن ملما بالقصة العربية الحديثة. أخيرا صدر الكتاب تحت عنوان 'قصص عربية حديثة' Modern Arabic short stories غير أنه من سوء الحظ خرج مواكبا لنكسة يونيو عام 1967. فلم يكن هذا العام بالطبع ملائما لتلقي أول مجموعة قصصية عربية تترجم الي الانجليزية. فلم يحقق مبيعات مرضية، ولم تهتم به الصحافة الانجليزية!
كتاب هذه المجموعة ، كانوا يشملون نجيب محفوظ ويحيي حقي وادوار الخراط 'من مصر' والطيب صالح 'من السودان' وغسان كنفاني وجبرا ابراهيم 'فلسطين' والتكرلي وعبدالملك نوري 'العراق' وعبدالسلام العجيلي ووليد أخلاصي وزكريا تامر 'سورية' وليلي بعلبكي 'لبنان'. ولكن رغم هذه البداية غير المبشرة، استطاعت قصة محفوظ 'زعبلاوي' أن تشق طريقها الي مجلدات نورتون العريقة التي تضم أعظم الآثار الادبية العالمية علي مر العصور
The Great Masterpiece of The Wored كي تكون النموذج الوحيد الذي يمثل الكتابة العربية في هذه السلسلة باستثناء بعض حكايات ألف ليلة وليلة وكان ذلك قبل حصول محفوظ علي جائزة نوبل.
التجربة الثانية كانت في عام 1983 حيث قدم مجموعة من القصص تحت عنوان 'قصص من العالم العربي' Stories From The Arab World تمييزا لها عن المجموعة الصادرة في منشورات اكسفورد، وضم في هذه المجموعة كتابا من شمال افريقيا.
المجموعة الحالية Under the Naked Sky تضم أسماء أكثر من سابقتيها، خاصة علي مستوي الكاتبات. ورغم ذلك يعترف دينيس بأن هناك قصصا أخري اضطر الي استبعادها، اما لضيق الوقت، أو لطبيعة القصة ذاتها التي قد تشكل صعوبات خاصة بالنسبة للمتلقي غير العربي.
ولكن. اذا كانت التجربة الاولي سيئة الحظ بصدورها عام 1967، فإن هذه التجربة الاخيرة سيئة الحظ هي الاخري بصدورها في ظل نكسة مغايرة، اعني بها هذه الظاهرة العامة من تراجع الاهتمام بفن القصة لصالح الرواية سواء من جانب القراء أو الكتاب علي السواء. فمعظم كتابنا ان لم يكونوا كلهم قد تحولوا الي روائيين يكتبون القصة في أوقات فراغهم! علي أن الظاهرة دولية فيما يبدو، ولا تقتصر علي دولة دون أخري. ومن ثم ينبغي أن نعترف بأن النظرة العامة الي القصة الآن لم تعد تتجاوز اعتبارها مجرد معبر مؤقت الي عالم الرواية!
هناك أيضا مسألة أخري، وهم الترجمة البانورامية ان جازت التسمية التي وان كانت تغطي مساحة جغرافية كبيرة الا أنها تناقض نفسها من ناحية أخري.
فهؤلاء الكتاب الذين يندرجون تحت مسمي عربي واحد، هم في الوقت نفسه يختلفون اختلافا عمليا فيما بينهم. ومن ثم فان هذه 'البانوراما' تنقل هذا 'الاختلاف' تحت مسمي 'الوحدة'، و'الفردية' تحت مفهوم جماعي!
أعرف أنه ما من سبيل آخر، وأعرف أيضا أن الناشر الاجنبي هو البوصلة التي ينبغي أن نضبط حركتنا علي أساسها، وأننا للسبب نفسه قد نضطر الي 'تطعيم' ترجماتنا ببعض النماذج 'الفلكلورية' التي تنقل صورة الشرق القديمة، التي تفتن القاريء الاجنبي الي الآن، والذي لا يزال في أغلبه يري الشرق عالما دريا من السحر والبخور والدخان والخرافة! ومن ثم، فلا بأس من بعض هذه التيمات الانتيكات التي تشبع خيال الغرب: قروية مغربية عجوف ذات مهارة خاصة في قتل الثعابين، ولد صغير ينجذب الي طائر سحري في صحراء ليبيا، شخصية تقوم 'بترقيع' أغشية البنات في تونس. ولا يهم اذا ما كانت هذه الصورة تعبر عن الشرق الآن. أم تخلفت عنه، ولا يهم اذا كان الشرق قد اختلف كبشر، وكتاب، وذائقة، ووعي. انه الناشر الاجنبي، حتي لو كان في القاهرة!!
ولكن لماذا نحمل غيرنا مسئولية المغامرة من أجلنا؟! حاول أن تقارن بين الجهد الذي يبذله دينيس وبين ما يفعله عناني في سلسلته الميتة 'الأدب العربي المعاصر' Contemporary Arabic Literature. لست أشكك بالطبع في ترجمات هذا الرجل، فهو أستاذ كبير، ولكنني أشكك في اختياراته وفي قيمتها أيضا.
ومردود ذلك في ظني هو 'الغياب' النسبي الذي يعانيه هذا الاستاذ الاكاديمي عن واقع الحركة الادبية التي يترجم عنها. وفي الوقت الذي يصدر فيه دينيس هذه المجموعة الاخيرة 'تحت سماء عارية' يصدر عناني دون أدني وجل أو تردد. مجموعة شعرية هزيلة، شكلا ومضمونا، للشاعرة 'الكبيرة' حبيبة محمدي!! تحت عنوان Time In The Wilderness علي اعتبارها نموذجا معاصرا ومزيدا في كتابة 'الابيجرامات' الشعرية!! ولست اعرف ان كنا ترجمنا عزالدين اسماعيل، رائد هذا الفن، ان كان هناك غيره ولكني أعرف اننا ترجمنا حبيبة محمدي!!
والتي يصفها الدكتور في مقدمته دون تردد أيضا أنها 'اتخذت لنفسها مكانا بين شعراء عصرنا، ليس فقط بين كاتبات أو شاعرات أفريقيا، وانما بين شعراء العالم أجمع!!
هل سمعت هذه العبارة من قبل وصفا لأمل دنقل أو صلاح عبدالصبور؟!
 


الكتاب: Under the Naked Sky
جمع وترجمة: دينيس جونسون ديفيز
الناشر: منشورات الجامعة الأمريكية بالقاهرة 2000