|
حين أسقط الطلاب هارفي باشا من علي حصانه!
محمود الورداني
في السنة الرابعة الثانوية، والتي كان اسمها الثقافة، وفي العام الدراسي
1944/1945 انضم الطالب فاروق القاضي الي احدي لجان الطلبة الوفديين التي كانت
تتشكل تلقائيا في جميع المدارس لمواجهة الاحتلال بعد اعلان زعيم الوفد مصطفي
النحاس الغاء المعاهدة.
وبعد نصف قرن يعود نفس الطالب ليتأمل مسار الحركة الطلابية وجذورها بصفته واحدا
من فرسانها الذي شارك في صنع واحدة من انبل اللحظات وأكثرها تأثيرا في تاريخنا
الحديث، وهي أحداث عام .1946
واذا كان العالم يحتفل بيوم الطالب العالمي في 21 فبراير من كل عام، وهو اليوم
الذي اختارته هيئة الامم المتحدة للاحتفال فان سبب اختيار هذا اليوم بالذات
يعود الي انتفاضة الطلاب المصريين الذين قرروا في مبادرة ذاتية أن يكون يوم 21
فبراير 1946 يوم المطالبة بالجلاء فاضربوا في جميع ارجاء مصر من الاسكندرية الي
اسوان بقيادة اللجنة الوطنية للطلبة والعمال معا وسقط في ذلك اليوم وحده 23
شهيدا و 123 جريحا.
حول الحركة الطلابية التي اسهمت بدور أساسي في صياغة الملامح السياسية
والاجتماعية لمصر، علي نحو لم يتوافر لبلد آخر، حول هذه الحركة أصدر فاروق
القاضي كتابه 'فرسان الامل.. تأمل في الحركة الطلابية لمصر'.. وقد عمل بعد
تخرجه في الصحافة في مصر، ثم اختار بعد هزيمة 1967 أن يلتحق بصفوف المقاومة
الفلسطينية حتي خروجها من بيروت، ويعيش الآن في الاردن، واستطاع أن ينهي خلال
السنوات الاخيرة 'سجل' الحركة الطلابية .
تاريخيا ارتبط الطلاب المصريون بالحركة الوطنية المصرية بعد الاحتلال، وظلوا
المحرك الرئيسي والوقود الاساسي لها. لعبوا دورا حاسما في كل الثورات
والانتفاضات قبل وبعد ثورة 1919 وحتي ثورة 1952، بل انهم كانوا أول من واجه
هزيمة 1967 وقاموا بأول مظاهرات احتجاجية علي الاحكام المخففة في قضية الطيران
التي كشفت عن تخلي بعض قيادات الجيش المصري عن دورها في حماية الوطن.
وعلي مدي العقود التالية لم تكف الحركة الطلابية في مصر عن الانتفاضة ضد كل
أشكال الظلم والاضطهاد، وفي عام 1972 احتلوا ميدان التحرير احتجاجا علي سياسة
اللا سلم واللا حرب.
وفي أعقاب زيارة شارون الاخيرة للمسجد الاقصي اشتعلت الجامعات في كل ارجاء مصر
احتجاجا علي قمع الانتفاضة الفلسطينية.
يتوقف فاروق القاضي عند عام 1950، أي عند الفترة التي تخرج فيها من الجامعة
وترك مكانه طالب.
وكما عبر د. فيصل دراج في تقديمه للكتاب فان الحركة الطلابية المصرية كما قدمها
فاروق القاضي هي 'الفعل الوطني المنظم ومحرض الشعب علي الحركة، ومحاور المستقبل
المكافح. وهي تلك البؤرة الذهبية التي تنصهر فيها المعرفة والفعل الخلاق، هي
الجامعة والمدرسة التي تؤمن بالوطن والاستنارة'.
ولم يكن فاروق القاضي مجرد احد المشاركين في انتفاضة 1946 بل تعرض للاعتقال عدة
مرات، وكان عضوا في اللجنة الوطنية التي قادت ونظمت الانتفاضة، وفصل من المدرسة
الثانوية ثم من الجامعة.. شهادة فاروق القاضي هامة اذن لأسباب عديدة، بل هي
وثيقة في سجل الحركة الوطنية في مصر.
كتب القاضي في مقدمة كتابه:
الان وبعد نصف قرن علي تجربتي في صفوف الحركة الطلابية المصرية أحاول تسليط
الضوء علي دورها وكفاحها وتضحياتها لا من قبيل الذكريات أو المذكرات بل ابرازا
لهذا الجانب من مجريات الاحداث الذي يري شيخ المؤرخين الجبرتي أنه يجعل القاريء
أكثر عقلا'. ويضيف:
ومن أجل هذه الوديعة ووفاء لتلك الخصوصية أردت أن استعيد الي الذاكرة الوطنية
عامة وللطلاب علي وجه الخصوص نضال شباب من أبناء مصر واجهوا أعتي الامبراطوريات
في ذلك العصر التي لم تكن تغرب عنها الشمس، واجهوها وهم لا يملكون من أسباب
القوة غير ايمان صلب بحقهم في حياة حرة في وطن سيد'.
والحقيقة أن الحركة الطلابية في مصر علي الرغم من خصوصيتها الذاتية، الا انها
تعد جزءا من ظاهرة كونية في القرن العشرين. واذا كانت خصوصية مصر تتمثل في انها
كانت ومنذ عام 1882 تعيش تحت الاحتلال الانجليزي فإن تمردات الطلاب في اليابان
والمانيا وايطاليا والصين لم تنقطع. أما في فرنسا فان المجتمع المستقر هناك
تعرض لاهتزازة عنيفة في أعقاب انتفاضة 1968 التي غيرت الكثير من المفاهيم
والمعتقدات، ونشأت علي أثرها انتفاضات مماثلة في الآداب والفنون والفلسفة. وفي
الولايات المتحدة لعب الطلاب المتمردون دورا حاسما أثناء احتجاجاتهم علي الحرب
الفيتنامية واجبروا الآلة العسكرية الجبارة علي وقف عدوانها علي الشعب
الفيتنامي.
ولا تتمثل الخصوصية المصرية في أن الطلاب نشأوا في بلد محتل فحسب، بل في تراكم
الخبرات وتناميها واستمرارها عبر الاجيال، واذا كان طلاب الازهر قادوا ثورات
الشعب المصري ضد الاحتلال الفرنسي بين 1798 1801 فان الطلاب أيضا التفوا حول
جمال الدين الافغاني وجلسوا اليه في مقهاه الذي اختاره في ميدان العتبة الخضراء،
بعد حوالي عام من الاحتلال الفرنسي، وفي ظل الاحتلال البريطاني.
وكان من بين من جلسوا حوله ينصتون لتعاليمه ويتعلمون منه سعد زغلول الذي قاد
ثورة 1919 بعد ذلك.
ويشير فاروق القاضي الي خطيب الثورة العرابية وشاعرها عبدالله النديم باعتباره
أول من ابتدع تقليد اصطحاب بعض طلاب المدارس الي المؤتمرات والاجتماعات
الجماهيرية التي يقصدها، ويقدمهم للجمهور ليخطبوا ويشجعهم علي ذلك. اما
الارهاصات الاولي للحركة فبدأت مع طالب الازهر سعد زغلول الذي كان يتردد علي
مقهي الافغاني في قلب القاهرة، والي الزعيم مصطفي كامل.
ولعل أول مواجهة في العصر الحديث جرت بين الطلاب والاحتلال كانت عام 1909
وتحديدا في 28 مارس حيث اشتبكوا مع الشرطة واسقطوا قائد قوات الامن هارفي باشا
من علي حصانه وهم يهتفون ضد استمرار فرض الاحكام العرفية ورفضوا تحية الخديو..
وفي هذه الفترة تشكلت جمعيات الطلاب التي قررت اغتيال بطرس باشا غالي ناظر
الخارجية علي يد الطالب الوطني ابراهيم الورداني.
وعشية ثورة 1919 تشكلت جمعيات للطلاب المصريين الذين يدرسون في فرنسا ولندن
وليبزيج وجنيف وبرلين كما انشأوا نوادي لهم وعقدوا من خلالها المؤتمرات احتجاجا
علي استمرار الاحتلال. وعندما زار السلطان حسين كامل مدرسة الحقوق عام 1915 قرر
الطلاب مقاطعة المدرسة ولم يذهبوا اليها يوم زيارة السلطان.
وهكذا كان الارتباط بين الحركة الوطنية والطلابية حاسما منذ اللحظة الاولي،
وفرضت اجندة الوطن نفسها علي الطلاب، فلم يرفعوا رايات الاحتجاج من أجل مطالبهم
الخاصة، بل من أجل مصالح الوطن.
وكان الطلاب أيضا هم أول من تظاهروا في مارس 1919 عندما اندلعت الثورة، وارسلوا
وفودهم الي الاقاليم بعد اعتقال سعد باشا، واستمرت المظاهرات والاحتجاجات
والاشتباكات مع قوات الشرطة شهورا طويلة، كما كان من أهم انجازات هذه الحركة
تحالفها مع العمال، ففي نفس الشهر الذي بدأت فيه الثورة أعلن عمال المواصلات
وسائقو السيارات الاجرة الاضراب تضامنا مع دعوة الطلاب للاضراب والتظاهر.
يعيد فاروق القاضي وقائع ثورة 1919 في لحظاتها المختلفة ويركز علي دور الطلاب..
فهم اطلقوا الشرارة الاولي وواصلوا المسيرة ليس في القاهرة والاسكندرية فحسب،
بل في مختلف المدن والقري الصغيرة، حتي اضطرت بريطانيا العظمي للاستعانة
بالسفاح الجنرال اللنبي، أما الطلاب فقد شكلوا جهاز شرطة خاصا اطلقوا عليه 'البوليس
الوطني' لحماية المظاهرات من المندسين وخصوصا مظاهرة النساء الاولي، كما شكلوا
'الجهاز السري' و'اليد السوداء' وكان لكل منهما دوره في التحريك والتنظيم
وتوزيع المنشورات.
وعلي الرغم من فشل ثورة 1919 في تحقيق اهدافها بسبب قيادتها المحافظة الا ان
الصوت الطلابي لم يخفت طوال السنوات التالية حتي عادت الاوضاع للانفجار في
أعقاب الحرب العالمية الثانية، فقد تحملت مصر أعباء الحرب الباهظة التي لم يكن
لنا فيها ناقة ولا جمل علي أساس اننا سنحصل علي استقلالنا ما أن تضع الحرب
أوزارها.
من جانب آخر شهدت هذه السنوات بدء ظهور التيار اليساري في صفوف الوفد للمرة
الاولي وهو تيار 'الطليعة الوفدية' وكذلك ظهور التنظيمات الماركسية، وكلتاهما
كانت تسعي لضم الطلاب للتأثير الواسع لهم في الحركة السياسية للمجتمع. تلك
الفترة تحديدا هي التي شارك فيها مؤلف الكتاب فاروق القاضي الذي كان طالبا في
السنة الرابعة 'الثقافة' في العام الدراسي 1944/1945 كما سبقت الاشارة.
وفي 9 فبراير 1946 قامت قوات الامن بفتح كوبري عباس أثناء مظاهرة حاشدة، وحوصر
الطلاب بين قوات الامن من جانب ونهر النيل من جانب آخر، فسقط عشرات الشهداء.
أما اللجنة الوطنية العليا فقد كان ظهورها العلني في 19 فبراير لتنظيم الاضراب
العام الذي تحدد له 21 فبراير كيوم للمطالبة بالجلاء. وفي اليوم المحدد تجمع في
ميدان الاسماعيلية 'التحرير الآن' مئات الآلاف من مختلف فئات الشعب، كما امتنع
كل المصريين عن العمل استجابة لقرار اللجنة.
وعلي حد قول فاروق القاضي، لم يكن غريبا أن تصبح شعارات المرحلة السياسية
والاجتماعية التي اطلقتها الحركة الطلابية هي نفسها برامج الغد التي نفذتها
ثورة 23 يوليو فيما بعد.
ان ثورة طلاب الاربعينيات هي أطول الثورات في تاريخ مصر لانها استغرقت 7 سنوات
ودمرت فيها هيبة النظام ومرغت كرامته في الوحل.
ابان ثورة 1919 كان الطلاب المصريون يغنون أغنية مطلعها:
يا عم حمزة احنا التلامذة
واخدين علي العيش الحاف
والنوم من غير لحاف
ومازال الطلاب في مصر حتي الآن يتقدمون الصفوف في اللحظات التاريخية الحاسمة،
وبسبب المشهد الاسطوري الذي صنعه الطلاب عام 1972 حين احتلوا ميدان التحرير في
ليلة قارسة البرد، كتب
أمل دنقل قصيدته الجميلة 'الكعكة الحجرية'.
ومهما بدا أنهم قد نسوا تاريخهم وتضحياتهم، الا انهم سرعان ما يفاجئون الجميع،
بل يفاجئون أنفسهم كما حدث في أعقاب اشتعال الانتفاضة الفلسطينية
|