الفن والأدب ومسئولية الجمهورر

د. عادل أبو زهرة ‎


يصر الاستاذ صلاح عيسي في كل مرة يتحدث أو يكتب فيها عن قضية الروايات المصادرة أو الموظفين الذي تم إعفاؤهم من مناصبهم بسبب هذه الروايات علي القول بأن الاحتكام إلي القضاء هو الفيصل في هذا الموضوع وكأنه يقدم لنا الحل المثالي والناجع والسحري، وأتفق معه أن الاحتكام إلي القضاء قد يكون هو الحل الأفضل في الأمور المحددة والواضحه والقاطعة، لكنه ليس كذلك في الأمور التقديرية التي تعتمد علي ثقافة القاضي وتكوينه الفكري وأصوله الاجتماعية ومواقفه في الحياة، ومن هذه الأمور مثلا ما يجرح الشعور العام أو الحياء العام أو يخل بالأمن العام أو يسيء إلي مصلحة الدول العليا، فكل هذه الأمور نسبية وتقديرية ومتغيرة بتغير الزمان والمكان، فما قد يكون عيبا في مكان ما قد لا يكون كذلك في مكان آخر وما قد يجرح الشعور العام في زمن معين قد لايجرحه في زمن آخر، وما قد يعد إساءة إلي مصلحة الدول في مجتمع ديمقراطي يختلف تماما عما يعد إساءة إلي هذه المصلحة في مجتمع شمولي أو أوتوقراطي. والقضاة ليس بإمكانهم الحكم علي سلامة عملية جراحية أو صلاحية دواء أو فساد أطعمة أو تلوث مياه، لأن مثل هذه الأمور يحكم عليها متخصصون وخبراء في هذه المجالات كذلك فالحكم علي جودة رواية أو قصيدة شعر أو مسرحية أو لوحة فنية أو تمثال أو رقصة باليه أو مقطوعه موسيقية أو فيلم سينمائي لايستطيع أن يصدره إلا متخصصون في النقد الفني أو الأدبي، وهم الذين يقررون إن كانت هناك ضرورة فنية اقتضت ذكر حوادث معينة أو إظهار مشاهد معينة أو تصوير مواقف معينة بطريقة معينة، هذه الضرورات الفنية ليست من شأن الساسة أو علماء الدين أو رجال الشرطة أو حتي القضاة.
فلو أننا أجرينا استطلاعا للرأي بين المواطنين عن رسم أو نحت الأجسام العارية في كليات الفنون أو تدريس الجهاز التناسلي لتلاميذ المدارس أو تقرير منهج للتربية الجنسية في التعليم العام أو الحديث عن الجنس علي الإطلاق في الأعمال الأدبية فسوف تكون النتيجة في الغالب هي الرفض القاطع، وسوف تكون الحجة أن هذا لا يجوز ولايليق ولايتفق مع عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا وقيمنا وثوابتنا الشرقية، وكأن كل عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا عظيمة أو صحيحة علي طول الخط لا يجوز إعادة النظر فيها، فالأخذ بالثأر عادة مصرية صميمة وختان الإناث وتشويه أعضائهن التناسلية وحرمانهن من التمتع بعلاقاتهن الجنسبة مع أزواجهن عادة مصرية صميمة، وحرمان الفتيات من التعليم ومنعهن من الخروج إلي الطريق العام، ومنعهن من رؤية أزواجهن قبل الزواج عادة شرقية في بعض الأماكن في مصر، فهل نضفي علي مثل هذه العادات قداسة، وهل نعتبرها من الثوابت؟
إحدي أهم المشكلات التي تصنع لدينا إزدواجية في الفكر في أننا نحتقر أعضاءنا الجنسية وننظر إليها علي أنها أجزاء مخجلة ومشينة ومقرفة من أجسادنا، مع أننا يجب أن نعاملها باحترام كما نعامل بقية أعضائنا الأخري مثل الأذن والأنف والعين واليد والقدم، كما أننا نختصر القيم الأخلاقية لنحصرها فقط في العفة الجنسية وننسي أن الأخلاق منظومة من القيم تشمل الصدق والأمانة والوفاء والشجاعة والشهامة والكرم وإجادة العمل واحترام المواعيد والعدل والاهتمام بالشأن العام والمال العام والمصلحة العامة والتضحية والإيثار.
وعندما يحلو لنا أن نقارن بيننا وبين الغرب نتحدث عن الغرب المتحلل المتهتك قليل الحياء مقابل الشرق العفيف المحتشم الذي تخدش حياءه كلمات متناثرة عن الجنس، مع أننا نستمع صباح مساء في شوارعنا وملاعبنا ومدارسنا وعبر شاشات التليفزيون إلي سيل من الشتائم الجنسية المقزعة التي تستخدم الأعضاء التناسلية خاصة الأنثوية منها كمادة أثيرة ومفضلة في شتائمنا وأحاديثنا ونكاتنا الخارجة، ومن المعروف أن المبالغة في الاحتشام قد يعني التفكير الملح في الجنس، مثلما أن الحديث الدائم عن الفضائل لا يعني وجود هذه الفضائل، وهذا يذكرني بعبارة قالها 'وليم شكسبير' علي لسان أحد أبطاله جاء فيها 'عندما يتحدث الناس كثيرا وبإلحاح عن فضيلة ما فتأكد أن هذه الفضيلة بها مشكلة'، فالحديث الدائم والملح عن الحب قد يعني غياب الحب والتغني الكثير بالحرية ووضعها شعارا علي أغلفة الكتب قد يشير إلي غيابها أكثر من إشارته الي وجودها والحديث الكثير عن النظافة وكتابتها علي الحوائط يشير أيضا إلي غيابها أكثر مما يشير إلي وجودها، لذا قال 'شكسبير' 'عندما يتحدث الناس كثيرا عن الحب فتأكد أن في الحب مشكلة'.
المشكلة في رأيي أننا ننظر إلي المواطنين في بلادنا علي أنهم شخصيات غير مسئولة ولاتوجد لديهم أي قدرة علي التمييز بين الخير والشر أو بين ما ينفعهم أو يضرهم، وأننا مسئولون عنهم وعن توجيههم وعن حمايتهم ورعايتهم والأخذ بأيديهم، وأن من حقنا أن نقرر لهم ماذا يقرأون وماذا يشاهدون، لذلك فكر أحد المحافظين في إحدي المحافظات المصرية ذات مرة في أن يشكل فرقا من الموظفين لتصادر كل أجهزة الهوائيات التي علي شكل أطباق (دش) من علي سطوح المنازل حتي لايشاهد المواطنون قنوات إيطالية أو أمريكية أو تركية قد تتسبب في إفساد أخلاقهم، وهو نفس المنطق الذي كان يدفعنا إلي التشويش علي إذاعات أجنبية كي لايتهور المواطنون لدينا ويستمعوا إلي هذه الإذاعات فتقدم لهم معلومات وبيانات تختلف عما تقدمه لهم إذاعاتنا فتنقلب أحوالهم رأسا علي عقب ويفكرون في أمور أوطانهم بطريقة مختلفة، وبالطبع نحن لانريد منهم أن يفكروا أو يحللوا لأن التفكير قد يؤدي إلي التقييم الذي قد يفضي إلي النقد والعياذ بالله وقد يفضي كل ذلك إلي المقارنة وعدم الرضا عما هو قائم.
المخيف في مسألة الاحتكام إلي الرأي العام أو حتي إلي تقدير القضاة أنه قد يفضي إلي إغلاق المتاحف ومعارض الفن ومعابد المصريين القدماء ومصادرة التماثيل واللوحات من العصور الفرعونية واليونانية الرومانية وصولا إلي العصر الحديث بل قد يؤدي إلي وقف أنشطة فنية كالبالية والرقص الشعبي بل وإلي إغلاق بعض الأقسام في كليات ومعاهد الفنون ومصادرة الكثير من الروايات والقصص والمسرحيات ودواوين الشعر، إن قطاعا كبيرا من الرأي العام يري في الفنون مضيعة للوقت والجهد والمال فيما لا فائدة منه، ويذكرني ذلك بحكاية طريفة عندما طلبت من صديق عربي أن يستبدل لي مبلغا من المال بالدولارات كي أحوله لابنة أحد الأصدقاء تدرس في 'فيينا' بالنمسا فسألني ماذا تدرس في 'فيينا' قلت له إنها تدرس للحصول علي أعلي درجة علمية في العزف علي البيانو انفجر ضاحكا وقال لي ألم يكن من الأفضل أن تدرس شيئا ينفع المسلمين
؟
إن علاج المشكلة التي نعاني منها الآن وتثير جدلا في حياتنا الثقافية هو الافتقار إلي الحوار وإلي قبول الخلاف والاختلاف، فليعبر كل من يريد عن رأية أو رؤيته من خلال دراسة أو رواية أو قصيدة وعلي كل من لا يعجبه ذلك أن يعبر عن رأية في نقد مثل هذه الأعمال فإذا طبعت وزارة الثقافة روايه لم تعجب البعض يجب ألا نصادرها بل تلتزم وزارة الثقافة بطبع أي كتاب نقدي يقيمها ويدينها ويتم طرح الكتابين علي الجمهور ونترك الجمهور في النهاية يحكم للرواية أو عليها، يقرر أن يقرأها ويقتنيها أو يقرر أن يعزف عن قرائتها أو يلقيها في سلة المهملات دون حاجة لا إلي المصادرة أو إلي الاحتكام إلي قاضي لأن القضاة في هذه الحالة يجب أن يكونوا نقاد الأدب، من لا يعجبه التليفزيون لايفتحه، ومن لا تعجبه أفلام السينما لايذهب إليها، ومنن لا تعجبه برامج الإذاعة يغلق المذياع، ومن لا تعجبه رواية لا يقرأها ولا يقتنيها، كل إنسان يجب أن يتحمل المسئولية عن نفسه وعن أسرته، فالروايات ودواوين الشعر ليست كتبا مقررة علي المواطنين من قبل وزارة الثقافة، قد يكون للمواطن الحق في أن يحتج علي رواية قررتها وزارة التعليم علي التلاميذ وأجبرتهم علي دراستها والامتحان فيها، ووزارة الثقافة لاتقرر مطبوعاتها علي أحد وكذلك وزارة الإعلام لا تقرر برامجها علي أحد أيضا.