مجرد تصحيح وتوضيح..
محمود أمين العالم


شكرا للأستاذ الفاضل أسامة عرابي علي مقاله 'عن أمل لم يتأخر في الحوار' في العدد الماضي من 'أخبار الأدب' الذي يخالفني فيه الرأي حول بعض القضايا التي طرحتها في مقال أسبق عن الشاعر عبدالمنعم رمضان، وليعذرني الاستاذ اسامة ان قلت له صادقا أنني لم أتبين بالدقة بعض فقرات من مقاله الزاخر بقضايا وإشارات مرجعية غامضة عديدة، علي أن أدركت بشكل عام وجه الاختلاف معي ولا بأس، فهذا يتيح لنا المزيد من التأمل والتعمق ومراجعة الذات، ولهذا، ليسمح لي بالاقتصار علي نقطتين في مقاله تحتاجان إلي توضيح وتصحيح. النقطة الأولي تتعلق بقوله في مستهل مقاله بأن عنوان 'مقالي ويل للشجي من الخلي' قد حمل من النذير والوعد والوعيد أكثر من النصح الخجول الدمث، ومن الهجوم المباغت أكثر من الحياد العاطفي.. وهذا ما صدمه منذ البداية' ويبدو أن الاستاذ أسامة يعرف أسرار بعض اللغات الأجنبية (!!) أكثر من معرفته بلغتنا العربية؟! لقد قلت في نهاية مقالي 'إن الشعر والفن عامة ليس بموضوعاته فليس بغموضه أو وضوحه، وإنما بفاعليته الجمالية المعبرة عن لحظة معاناة وخبرة ذات عمق كلي وذات رؤية مستقبلية لتجاوز الواقع السائد إلي ما هو اكثر عدلا وحرية وكرامة وإبداعا. وفي هذا فليتنافس المبدعون المهمومون حقا وويل للشجي من الخلي'. 'وويل' هنا لاتعني يا أديبنا الفاضل وعدا أو وعيدا أو تتضمن هجوما مباغتا علي شعراء الحداثة! بل تعني المزيد من هموم المبدعين المهمومين بقضايا الوطن والانسان مثل الشاعر المبدع الشجي أمل دنقل وما تعرض له في حياته ويتعرض له بعد موته من سوء تقدير.
أما النقطة الثابتة فهي تصحيح لخطأ مطبعي ما كان أيسر أن يتبينه الاستاذ اسامة، كما تبينه العديد من القراء الأفاضل، بدلا من يمتطيه ويتخذه وسيلة للإساءة والتجريح والإدانة الباطلة!!
هكذا قرأ جملة في مقالي حول الموقف من 'المؤسسة' تقول 'ينبغي أن يكون الموقف في تقديري تحديا ورفضا لها أي ارتباطا بالعقل المكون أي المبدع علي حد تعبير لالاند أيضا دون أن يعني هذا عزلة بلا حوائط وصراع معها'. وهنا يسارع الاستاذ الأديب الفاضل باكتشاف سلاح الاتهام والإدانة قائلا تعليقا علي هذه الفقرة الأخيرة 'هي عبارة جد ملتبسة في الحقيقة، وتشي بوضوح عن كامل موقفه المؤيد لها أي للمؤسسة دون مواربة، إذ كيف نتحداها ونتجاوزها بلا صراع ولا اشتباك معها'.
والمؤسف أن الأديب الفاضل بدلا من أن يحاول تفسير الالتباس الذي اكتشفه في العبارة السابقة سارع في اتخاذها دليل إدانة، برغم أنها تتناقض تناقضا كاملا مع جملة سابقة أقول فيهما... 'إن الموقف من المؤسسة ينبغي أن يكون تحديا ورفضا' وبين هذه الجملة الملتبسة، والتفسير البسيط لهذا الالتباس هو أن الجملة تتضمن خطأ مطبعيا من ناحية، وخطأ نحويا فاحشا لو كان الاديب الفاضل يعرف بحق لغته العربية لقادته هذه المعرفة إلي اكتشاف الخطأ المطبعي نفسه كيف لم يتوقف عند جملة 'عزلة بلا حوائط وصراعا معا' ليكتشف فسادها من خطئها النحوي الجهير؟! أما صحة هذه الجملة فهي 'عزلة بل حوارا وصراعا معا'، أي علي النقيض تماما من استخلاصه الذي أتمني أن يكون عن تسرع في الحكم وليس عن سوء نية التي قد تبرز من إشارته الضمنية إلي موقف فاكس فيبر من العقلانية المؤسساتية!! وبرغم أني لا أريد أن أتناول موقفي العملي من السلطة المصرية سواء في مرحلة عبدالناصر أو مرحلة السادات، فحسبي أن أقول للسيد أسامة، أنني في علاقتي بالسلطة لم أكن أتخذ موقفا فرديا، وانما كنت دائما ملتزما بمواقف جماعية تنظيمية سياسيا وفكريا، وكنت مقتنعا بها، وتراوحت هذه المواقف بين توافق في الرأي يفرض التحالف العملي، وبين اختلاف في الرأي يفضي بنا إلي سنوات من السجن أو فصل من عمل، أما المناصب التي شغلتها والتي يلمح اليها أديبنا سواء دار الهلال أو في هيئة الكتاب أو هيئة المسرح أو دار أخبار اليوم فلم تكن مغنما لي بل كانت معارك ثقافية وسياسية حادة انتهت بي في مرحلة السادات الي غربة طويلة خارج مصر توجت بحرماني من حقوقي السياسية والمدنية لسنوات طويلة. ليس معني هذا أنه ليس هناك أخطاء وسلبيات عديدة إنما المهم الوعي بها ومحاولة تخطيها.. عذرا للخوض في هذه الأمور في هذه المرحلة الدقيقة من حياتنا.. وأخيرا لا أجد ما أختم به كلمتي هذه إلا أن أقول كذلك للاستاذ أسامة: ويل للشجي من الخلي..