|
بعد عقدين على رحيله.. مصر تكرم شاعرها المتمرد أمل دنقل القاهرة ـ (اف ب): بعد عقدين على وفاته ارتأت الحكومة المصرية ولو متأخرا تكريم الشاعر المصري المتمرد امل دنقل وكأنها تريد ان تنسب الى نفسها صيحات الشاعر ودعواته الملحة من اجل الديموقراطية وحقوق الانسان في وقت يغرق فيه العالم العربي في مأساتي العراق وفلسطين. (عندما تهبطين على ساحة القوم لا تبدئي بالسلام فهم الان يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام بعد ان اشعلوا النار في العش والقش والسنبلة وغدا يذبحونك بحثا عن الكنز في الحوصلة وغدا تغتدي مدن الألف عام مدنا للخيام). هذه الكلمات من (اغنية الكعكة الحجرية) التى كتبها امل دنقل عام 1972 قبل اكثر من ثلاثين سنة، رددها المتظاهرون المصريون الذين خرجوا الى الشوارع في العشرين من مارس فيما كانت القوات الاميركية والبريطانية تدك العراق بالصواريخ التى فاجأت بغداد ليلا وهذا الاسبوع، وفيما يبدو كانه صدى لرسالة الاحتجاج التي عبر عنها المتظاهرون، نظم المجلس الاعلى للثقافة وهي هيئة حكومية يرأسها صديق للشاعر هو جابر عصفور ندوة ثقافية دولية بمناسبة ذكرى وفاته العشرين استضافت فيمن استضافتهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي القى رثائيته (الى امل دنقل) عنه كتب درويش: (قال لي عشت قرب حياتي كما هي لا شيء يثبت اني حي ولا شيء يثبت اني ميت الغياب يرف كزوج حمام على النيل الجنوبي يحفظ شعر الصعاليك عن ظهر قلب ويشبههم في سليقتهم وابتكار المدى). وعنه قال الشاعر السوري ممدوح عدوان الذي جاء للمشاركة في هذه الاحتفالية (الموضوعات التى اختارها دنقل قبل عشرين عاما ما زالت تضج بالحياة كما لو انه انتهى للتو منها). وقالت ارملته الناقدة الادبية في (اخبار اليوم) عبلة الرويني (حضور امل ومواقفه ورؤيته السياسية تترجم الظرف الذي تمر به الامة حاليا) واضافت في حديث لوكالة فرانس برس معقبة على التكريم الرسمي للشاعر المتمرد تحاول السلطة ان تنأى بنفسها عن صورة الطغاة التي كان امل يمقتها صائحا بأعلى الصوت. ولد امل دنقل عام 1941 في قرية القلعة (فقط) بمحافظة قنا (جنوب) لعائلة ثرية لكنه فقد اباه وهو في العاشرة ورأى الاقارب يسرقون ما كان يفترض ان يكون ميراثه فكانت تلك اولى خطواته في التمرد الخطوات التالية كانت تمرده الشعري والسياسي كاسرا كل الاشكال التقليدية للشعر العمودي النمطي صارخا بصور غير مألوفة للثورة على الظلم ما جعله منبوذا تقاطعه وسائل الاعلام الادبية الرسمية في الستينيات والسبعينيات. عاش فقيرا ومات فقيرا في الحادي والعشرين من مايو عام 1983 ،اي قبل عقدين عن ثلاثة واربعين عاما بسرطان الرئة. في (كلمات سبارتاكوس الاخيرة) وفي الوقت الذي نشرت فيه نتائج استفتاء فاز فيه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالنسبة المألوفة المعروفة 99،99 في المائة كتب أمل دنقل: (المجد للشيطان.. معبود الرياح من قال (لا) في وجه من قالوا (نعم) من علم الانسان تمزيق العدم من قال (لا).. فلم يمت وظل روحا ابدية الالم) متدين شديد التدين في طفولته، تحول امل دنقل في سن الشباب دون مقدمات كثيرة الى الماركسية والوجودية واستفاد من الاجواء العلمانية التى طبعت عصر عبد الناصر بعد المرحلة الناصرية وقف امل دنقل في وجه انفتاح انور السادات وما نجم عنه من تغيرات اجتماعية هائلة واعتقالات طالت كل صوت معارض. وعام 1976 كتب دنقل قصيدته الشهيرة (لا تصالح) داعيا السادات الي رفض صلح منفرد مع اسرائيل: (لا تصالح ولو توجوك بتاج الامارة كيف تخطو على جثة ابن ابيك ..؟ وكيف تصير المليك .. على اوجه البهجة المستعارة كيف تنظر في يد من صافحوك فلا تبصر الدم .. في كل كف ان سهما أتاني من الخلف).. تؤكد عبلة الرويني التى ترملت في السابعة والعشرين حين فارقها امل والتي رفضت اي شريك اخر ان أمل لم يكن ينتظر مؤسسة رسمية تحتفل به فالاحتفال الحقيقي هو ان يقرأ الناس قصائده وتبرر رفضها الزواج بعد غيابه قائلة: من امسك بالنور والنار من الصعب ان يرضى باقل منهما توهجا.
|