* كتب : أسامة فوزي

 عندما اصطحبني "  احمد فؤاد نجم "  معه في صيف عام 1976 الى شقة كان يقيم فيها مع زوجته "  عزة بلبع "  في ميدان التحرير وهي شقة تعود لطبيب كان يهرب من حر القاهرة الى الاسكندرية فيعطي مفتاحها لنجم كي يهرب هو الاخر من جحيم " حوش قدم " في الغورية الى مشارف جاردن سيتي ... لم اكن اعلم ان لقائي العابر في تلك الشقة مع الشاعر المصري أمل دنقل صاحب القصيدة الخالدة ( لا تصالح ) سيتمخض لاحقا عن علاقة حب وود وصداقة لن تدوم اكثر من سبع سنوات هي ما تبقى من عمر امل دنقل في كتاب الحياة حيث اسلم الروح بعد صراع طويل مع السرطان في ليلة السبت 21 مايو ايار 1983.

* كنت في مايو ايار من عام 1976 قد وصلت للتو الى القاهرة لقضاء اجازة صيفية طويلة وسرعان ما تحولت الشقة التي استأجرتها من اللواء المتقاعد عصام الشلقاني في شارع شامبليون على مرمى حجر من دار القضاء العالي وسط القاهرة الى " فندق " و " منتدى " نزل فيه او التقى في صالته الصغيرة  عشرات الكتاب والصحفيين والفنانيين العرب اذكر منهم احمد فؤاد نجم وزوجته عزة بلبع والممثل صلاح منصور ( كنت احمل اليه رسالة من محمود السعدني )  والقاص عبده جبير والقاصة الفلسطينية باسمة حلاوة ( زميلتي منذ ايام الجامعة الاردنية ) وزوجها الشاعر المصري زين العابدين فؤاد والقاص الاردني فايز محمود ( وكلن يومها يعمل في اذاعة فلسطين في القاهرة ) والصحافي منير عامر والصحافي صلاح عيسى والقاص الفلسطيني فاروق وادي والصحافي بدر عبد الحق والصحافي محي الدين اللاذقاني والصحافي سليمان نمر ( اصبح لاحقا مستشارا للامير سلمان)  والشاعر محمد ضمرة والناقد فيصل دراج وزميل الدراسة في الجامعة الاردنية  احمد الزعبي ( اصبح استاذا للادب الحديث في الجامعات الاردنية والاماراتية ) والشاعر الفلسطيني سعادة سوداح ( تولى تحرير مجلة فكر التي يصدرها الحزب القومي السوري في لبنان ) بل وشقيق الاميرة فريال ارشيد التي كانت انذاك زوجة للامير الاردني محمد بن طلال شقيق الملك حسين ( وهذا جاء لزيارتي مع سليمان نمر )  وعشرات غيرهم ممن لم تعد الذاكرة تسعفني لاستحضار اسماءهم وكان طبعا على رأسهم الصديق المرحوم أمل دنقل وخطيبته او حبيبته انذاك الصحفي المصرية عبلة الرويني .

* كانت تلك اول زيارة لي الى القاهرة التي لم ار في ايامها الاولى الا ما يراه السائح الى ان التقيت بأمل دنقل الذي اكتشفت من خلاله الشوارع الخلفية المصرية وعشقتها ولا ازال ... وكانت تلك الاكتشافات موضوع مقال كتبته عن القاهرة وكتابها وصحفييها ومقاهيها وشوارعها الخلفية وهو المقال الذي بعثت به الى الصديق الكاتب الاردني فخري قعوار فنشره في جريدة الرأي الاردنية التي كان يحرر الصفحة الثقافية فيها وهو المقال الذي يشير اليه أمل دنقل في رسالته الي المؤرخة في 21 كانون ثاني يناير عام 1977 ... والتي انشر هنا صورة عنها ... والفقرة التي قضى ليلة كاملة مع عبد الوهاب البياتي يتندر عليها كانت تتعلق بالناقد المصري البارز فاروق عبد القادر الذي التقيت به في مقهى ستيلا ... وكان معنا احمد فؤاد نجم وعبده جبير ... يومها هاجم فاروق عبد القادر امل دنقل الذي لم يكن موجودا فتصديت للرد عليه الامر الذي لم يعجبه ... وقد سخرت منه في مقالي المشار اليه ووصفته بالناقد المتكرش " الذي عاد بلا رقبة " وهي الفقرة التي اثارت ضحك امل دنقل والبياتي ... واثارت غضب فاروق عبد القادر الذي كان يتحسس انذاك من " كرشه " .... والذي هدد " بفعصي " وقيل لي انه بحث عني في كل شارع وزقاق لتنفيذ هذه المهمة دون جدوى .... هذه المقالة التي نشرتها في حينه جريدة الرأي هي التي بعثت بها الى امل دنقل عبر الصديق الكاتب والصحافي عبده جبير واضاعها جبير الى حين .

* اما المقال الذي نشرته جريدة الاخبار المصرية عن كتابي " اراء نقدية " والذي بعث به الي امل دنقل فقد كتبته خطيبته ثم زوجته فيما بعد " عبلة الرويني " التي كانت تعمل انذاك في الجريدة وقد عرفني عليها امل في احدى زياراته لشقتي .... كانت عبلة قد توجهت لاجراء حوار مع امل فوقعت في غرامه او وقع في غرامها لا فرق ... كنت اظنها علاقة عابرة لشاعر صعلوك لا يعرف الاستقرار " الاسري " بمفهومه السائد الى ان اخبرني بعد اشهر انه تزوج من عبلة مع انه كان الى ما قبل سفري  يسخر من مؤسسة الزواج  ومن الذين يتزوجون ... كان يرى ان مؤسسة الزواج مؤامرة لا يتورط فيها " الشعراء " .

* كان حديث الادب والشعر والفن مع امل دنقل يأتي عفو الخاطر .... لم اكن اتقصده وهو كذلك ... وكانت تلك اهم مزايا امل دنقل التي شدتني اليه بخاصة واني ابن لوسط ادبي اردني مزور نشأ شيطانيا في حواري عمان والزرقاء واربد وخضع لشلل وعصابات وجواسيس ورجال مخابرات اشرفوا على تحرير صفحات ثقافية وادبية في الاردن افرزت انصاف متعلمين وانصاف مخبرين والكثير من الشعارير .... كنت اذا جلست الى كاتب " اردني " اصاب بالصداع من كثرة الاسماء الاجنبية التي تتردد في كلامه غير المفهوم ... كان الاديب الاردني الذي انتجته صحف الجاسوس الاسرائيلي خليل السواحري وشلله الادبية لا يعتبر نفسه اديبا الا اذا ذكر اسم  " كافكا "  في حديثه عشر مرات ... حتى لو كان الحديث عن دشداشة ابيه وحتى لو كان ممن لا يفرقون بين الالف وكوز الذرة ... وحتى لو كان ممن يعتقدون ان " كافكا " هو اسم لمشروب غازي تماما مثل كوكاكولا ... كانت عملية التشويه والتزوير في الوسط الادبي الاردني تبرمج  في جهاز امني وضعوا على رأسه مروان دودين وجعلوا خليل السواحري ذراعه اليمنى والاثنان موظفان في الموساد ... وختمها جلالة الملك حسين  بتعيين شقيق احدى عشيقاته مديرا لدائرة الثقافة والفنون... كان الشقيق ثقيل اللسان ... كان " خواجا " ... كان ينادي سكرتيرته بلفظ المذكر لان معرفته باللغة العربية خفيفة حبتين .

* اشهد اني لم اسمع باسم كافكا وغيره ممن ترد اسماؤهم في مقالات وكتابات الاردنيين دون ان يقرأوا لهم سطرا واحدا في اي حوار او " قعدة " جمعتني بأمل دنقل او غيره من كتاب مصر وصحفييها ومثقفيها ... لا بل ان تكلف الحديث عن " الادب " وهمومه على الطريقة الاردنية لم تشهده شقتي في شارع شامبليون الا عندما زارني الشاعر الاردني محمد ضمرة ... وانتهت الزيارة بمعركة بالايدي في مقهى من مقاهي شارع سليمان باشا بين امل دنقل ومحمد ضمرة خرج بعدها الشاعر الاردني - وكان نصف سكران - الى الشارع بالكلسون يشتم مصر والمصريين لانهم لم يقدروا شعره حق تقدير ... ويشتمني بالمعية لاني لم انضم اليه في معركته الادبية الخاسرة التي اعلنها في مواجهة غير متكافئة مع امل دنقل .... كانت ردة فعل محمد ضمرة مثيرة للدهشة ... وقد خرجت مع الاديب الاردني "  فايز محمود "  في اثره بعد ان اصيب الرجل بحالة من الهيستيريا في الشارع العام جعلته يخلع بنطلونه ويمشي في الشارع وقد انتصف الليل بالكلسون وهو يشتم انور السادات ... ولولا امل دنقل و" برطيل " دفعته لمسئول مخفر قصر النيل لما افرجوا عن محمد ضمره الذي احتجز  ليلتها في المخفر بتهمة السكر ... والخروج الى الشارع العام شبه عار .... والتطاول على الرئيس .... وظل فايز محمود مرابطا امام غرفة محمد ضمرة في الفندق الذي نزل فيه حتى الصباح ... وحرص ان يوصله الى المطار ويسلمه باليد الى الطائرة الاردنية التي اقلت الشاعر الاعجوبة الى عمان بعد ليلة ليلاء انهارت فيها اعصاب الشاعر لمجرد ان امل دنقل لم تعجبه قصيدة قرأها ضمرة على " القاعدين " في المقهى رغم انوفهم ... على الطريقة الاردنية .

* لم اكن اعلم ان امل دنقل قد اصيب بمرض السرطان الا بعد ان عاد الاذاعي الكبير عبد الوهاب قتاية من القاهرة  الى ابو ظبي في مارس اذار عام 1983 .... كان عبد الوهاب قد اجرى لقاء تلفزيونيا لمحطة ابو ظبي مع امل دنقل في غرفته بالعناية المركزة في " القصر العيني " ... وحمل معه ايضا رسالة شفوية من امل هزت مشاعري اذ لم اتوقع من رجل يعاني سكرات الموت وتعد ايامه بالساعات ان يتذكرني من غرفة العناية المركزة ... وان يبعث الي بتحية خاصة جعلت عبد الوهاب قتاية نفسه في دهشة .... كان ذلك قبل ايام من قراري بالهجرة الى امريكا ... كان عبد الوهاب الذي دخلت معه وعلى صفحات الجرائد في اكثر من جدال صحافي ساخن خلال فترة اقامتي في الامارات يتمنى ان يعرف السبب في انشراح امل دنقل وبهجته كلما ذكراسمي امامه ... كان يبتسم ويضحك بصعوبة ويقول لعبد الوهاب .... اسامة ده واد " العبان " سلملي عليه كتير ... كان عبد الوهاب يكرر سؤاله لي ليعرف سبب هذا الانطباع الذي خرج به دنقل من معايشة شبه يومية معه ... ولم اكن اعرف الاجابة عن سؤال عبد الوهاب لاني حتى اللحظة لا اعرف  ما الذي يعنيه المصريون بكلمة " العبان " .

* عندما قررت منذ سنوات اطلاق موقع لعرب تايمز على الشبكة العنكبوتية " الانترنيت " كان اسم " امل دنقل " على رأس الاسماء التي سننشر ابداعاتها على الموقع ... وقبل ايام وفي اطار تطوير وتحديث الموقع طلبت من المهندس المسئول عن الموقع ان يفرد مساحة خاصة لامل دنقل نجمع بين طياتها كل ما كتبه امل ... او ما كتب عنه ... وهذا اقل ما يمكن ان اقدمه لصديق لا يمكن ان انساه .

* يوم امس ... كدت انسى ذكرى وفاة امل دنقل لولا ان اديبا اردنيا ذكرني به من خلال مقال جميل كتبه عن دنقل في جريدة العرب اللندنية ... العجيب اني عرفت الكاتب الاردني كاتب المقال ( بسام السواحري ) يوم كان كاتبا يافعا في مطلع السبعينات في الاردن وكان ينشر مقالاته باسم ( بسام السواحري ) نسبه الى بلدة السواحرة قرب القدس ... ولسبب اجهله غير اسمه الى ( بسام الهلسة ) ... وعرفت بعد ذلك ان خليل السواحري كان وراء اجبار بسام على تغيير كنيته ... وهذه حكاية قد اعود اليها في مناسبة قادمة

* كنت في السبعينات معروفا  في الاردن كناقد ادبي وكتبت مئات المقالات في هذا المجال وكان يشيد بها استاذي الدكتور محمود السمرة وهو استاذ متخصص في النقد الادبي وكان اول نائب لرئيس تحرير مجلة العربي الكويتية منذ اصدارها في مطلع الستينات .. ثم اصبح عميدا لكلية الاداب في الاردن ثم وزيرا للثقافة ... لكني لم اعمل بنصيحته ولم احافظ على خطي النقدي لاني دخلت عالم الكتابة الصحفية  بمعناه الحرفي على يدي  الصحف المصري الكبير المرحوم محمود السعدني فطلقت الادب  والادباء

* لهذا لم اكتب عن ادب امل دنقل من قبل ... مع اني كنت اقرب الناس اليه ... ربما لاني كنت ولا ازال اخشى ان اغمط الرجل حقه او ان تغلبني العاطفة فاكيل له المدائح فتغضب روحه مني لان امل كان يكره المديح ... ولا يحسن المجاملة ... ويصيبه النفاق بالغثيان ... امل الذي رحل صغيرا ( كان في الثالثة والاربعين ) كان وحده هرما ادبيا وشعريا ليس في مصر وانما في العالم العربي ... وقصيدته  ( لا تصالح ) التي كتبها بعد توقيع السادات اتفاقية كامب ديفيد هي واحده من اهم معلقات القرن العشرين ... في الادب العربي 

* رحم الله امل دنقل ..... لقد كان صديقي !

مقال بسام الهلسة عن امل دنقل يمكن العودة اليه على هذا الرابط ... فشكرا لبسام ... وشكرا للجريدة التي نشرت المقال

http://www.alarab.co.uk/index.asp?fname=\2011\05\05-20\439.htm&dismode=x&ts=20-5-2011%2017:30:51