د. أحمد صبحي منصور
Ahmed Mansour <mas3192003@yahoo.com

السيرة العلمية للدكتور احمد صبحي منصور باللغة الانجليزية
السيرة العلمية للدكتور احمد صبحي منصور باللغة العربية

حريات لا يحميها القانون المصرى
(حرية الفكر والاعتقاد والبحث العلمي)

 

مقدمة
المفترض في أي قانون ان يحمى حرية الفكر والاعتقاد والبحث العلمي .
والقانون السماوي الذي نزل به القرآن يجعل حرية الفكر والاعتقاد و البحث حرية مطلقة بدون تحديد او تقييد،فللإنسان ان يؤمن بعد كفر أو يكفر بعد إيمان ،وان يقول فى الدين ما يشاء طالما ان هناك يوم قيامة أو يوم الدين الذي يؤاخذ الله به الناس على أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم. وهذه هي حكمة خلق الإنسان وحياته وموته وخلق الدنيا و إنزال الدين وبعث الناس يوم الحساب العظيم ..اذا هو اختيار يقوم على أساس الاختبار او الحرية ،أو هى مسؤولية على الفرد على ما وهبه الله تعالى من حرية يحس بها فى سريرته وضميره ،وفى النهاية حسابه عند الله ، وليس لأحد ولا حتى الأنبياء المكرمين حق التدخل فى تلك العلاقة بين الإنسان وربه ،و إنما يكون التدخل فى حقوق البشر والمجتمع، أما حق الله تعالى فهو مؤجل لله تعالى ،يوم القيامة ..وهذه هي الحقيقة الكبرى فى القرآن والإسلام والشريعة الإسلاميةالالهية.
هذا عن القانون السماوي الذي نزل القرآن معبرا عنه ومحفوظا من الله تعالى إلي يوم القيامة ليكون حجة على الناس .
أما القوانين الأرضية فإنها تتقاصر عن هذا السمو الإلهي،حيث تعكس ما في الإنسان من نقص ومحاولات للإصلاح ،ومن هنا يكون القانون خير معبر عن الظروف التي أنتجته , ومن هنا ايضا نجد حريات يتقاصر القانون الوضعى المصرى عن حمايتها ،ومنها حق الإنسان في الاعتقاد والفكر والبحث العلمى .ذلك الحق الذي قرره القرآن الكريم ،ووقف ضده المتاجرون فى الدين طمعا فى حطام دنيوى لن يستمر ولن يغنى ولن ينفع.

وتحاول هذه الورقة البحثية أن تسير مع النضال مع حرية الفكر والاعتقاد والبحث العلمي خلال النصف الثاني من القرن العشرين ،وتضع تصورًا قانونيا إصلاحيا للقرن الحادى والعشرين.
والله تعالى المستعان
د .احمد صبحي منصور


أولا:الإطار القانوني لحرية الفكر والعقيدة والبحث العلمي في عصر عبد الناصر:
فكرة سريعة:

(1)في الدستور والقانون قبل وبعد ثورة 1952:

(1) ليس المقصود هنا تقديم بحث في هذا الموضوع وإنما مجرد إشارات ..

قبل ثورة 1952 أكدت الدساتير المصرية على حرية الرأي والتعبير (دستور 23:م 14)-(دستور 30 :م14) . ثم أكد ذلك دستور 56(م44).
ثم اشترط دستور 1958ان يكون ذلك في حدود القانون (م10) وتكرر هذا الشرط في دستور 1964(م35) وفى الدستور الأخير ،دستور 71 (ماد47).أي انه بعد ثورة 1952 قيد دستور 1958حرية الرأي والتعبير أن تكون في حدود القانون ، وسار هذا التقليد في الدساتير اللاحقة 1964،1971 ومع أن وظيفة القانون هي الإيضاح والتفصيل للمواد الدستورية ،فإن العادة أن تأتى القوانين اللاحقة لتقيد ما أباحه الدستور وتجعل الإباحة منعا وحظرا..{2}وهذا هو الفارق بين العصر الليبرالي لمصر قبل الثورة وبعدها، ليس فقط في مواد الدستور ولكن في بعض القوانين ايضا..
فقانون المطبوعات رقم 20 لسنة ـ قبل الثورة ـ اى 1936يجعل مصادرة العمل الأدبي أو الفكري حقا لمجلس الوزراء فقط إذا كان فيه مساس بالآداب أو الأمن العام . ثم بعدها توسع القانون 430 لسنة 1955فحظر الترخيص لأي مصنف يتضمن الإلحاد أو الرذيلة أو المشاهد الجنسية أو تشجيع الجريمة أو كراهية نظام الحكم ،ثم تعدى هذا إلي منع الجهر بأغان أو خطب مخالفة للآداب ،أو التحريض على بغض طائفة من الناس ،أو الإساءة إلى سمعة البلاد، أو إهانة رئيس الجمهورية، أو أي ملك أو رئيس دولة أجنبية، أو مجلس الشعب ،أو غيره من الهيئات الحكومية أو المصالح العامة، أو أي موظف عام أو الإخلال بمقام القاضي ،أو التأثير عليه أو نشر أخبار كاذبة أو مصطنعة تخص الأمن العام أو السلم، أو ان يمدح، أو يذم رجل الدين او رجل الحكومة، أو يمدح أو يذم قانونا جمهوريا أو عملا من أعمال الجهة الادارية... وهذه مجرد أمثلة لجرائم ذات صيغة مطاطية يمكن أن يتحول بها أي إنسان إلي مجرم بتهمة من تلك التهم الفضفاضة..وكل ذلك بالقانون..
وخارج نطاق القانون فإن الشرعية الثورية فى عهد عبد الناصر لم تكن تعول على النظام القانوني في ملاحقة من تعتبرهم خصومها السياسيين حتى من داخل المثقفين أصحاب الرأي الحر حتى لو كانوا في خندق الثورة ...ومع هذا فقد كان صدور قانون الأزهر في عهد عبد الناصر نقطة مضيئة إلى حد ما .

(ب)في قانون الأزهر (103لسنة 1961)
(1)ونتوقف مع هذا القانون الخاص بالأزهر، لأن الأزهر تحول منذ الربع الأخير للقرن العشرين إلى عقبة تحول دون حرية الفكر والعقيدة والبحث العلمي، نظرا لظروف تاريخية أثرت في وضعية الأزهر ومن ثـَمَ في بنائه القانوني فيما بعد .


(2) ولعل أروع ما في هذا القانون هو مذكرته التوضيحية، والتي تؤكد بعبارات ديبلوماسية تخلف الأزهر وتخلف خريجيه عن نبض العصر وإحساسهم بالدونية واعتقادهم انهم رجال دين ،مع أن المسلم يجب أن يكون رجل دين ورجل دنيا معا، لأن الله تعالى في عقيدة المسلم اقرب إليه من حبل الوريد ، ولأن المسلم يؤمن بأن الله تعالى يجيب الداعي إذا دعاه فليس في حاجه إلى وسيط أو شفيع يقربه إلى الله ..
أي أن المذكرة التوضيحية التي كتبها وزير الأزهر في ذلك الوقت سنة 1961تنفى عن الأزهر صفة الكهنوتية، حيث لا كهنوت في الإسلام، أي انه مؤسسة مدنية تتبع السلطة التنفيذية ،بل إن المذكرة التوضيحية تصف شيخ الأزهر بأنه (الأستاذ الأكبر)وليس الإمام الأكبر, فتقول المذكرة عن المجلس الأعلى للأزهر إنه الهيئة التي (يرأسها الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر).
وما تؤكده هذه المذكرة التوضيحية يتقاصر عنها قانون الأزهر الذي توضحه ،بل يتقاصر عنها الدور الذي تنامي للأزهر فيما بعد سياسيا ودينيا وشعبيا ،حيث تحول إلى ما يشبه المؤسسة الدينية الكهنوتية التي تقمع الفكر وتصادر حرية الرأي بالقانون وبغير القانون.
ولأننا لازلنا في هذه الورقة البحثية في عصر عبد الناصر فلنقتصر على القانون 103 لسنة 1961 ولنقرأه قراءة نقدية..


(3)تقول المادة الرابعة من القانون المشار إليه أن شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام ،وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية في الأزهر وهيئاته..
ونقول انه ليس في الإسلام شيخ وكلمة شيخ في المفهوم القرآني تعنى مرحلة سنية عمرية أى الشيخوخة (القصص23،هود82،يوسف78،غافر67) أى أن القانون استعمل لفظ الشيخ ليدل على منصب ديني، وليس في الإسلام منصب ديني ،وإن كان فيه مصطلح عالم،
والعلم قرين بالبحث واحتمال الخطأ و الصواب ،ومصداقية العالم فى رأيه وبحثه ومدى ما فيه من صواب وخطأ،بغض النظر عن مكانته أو وظيفته .
أما الشيخ والإمام فهو منصب دينى عرفته الحضارة العربية الإسلامية فى عصور التقليد عندما أطلقوا هذا اللقب على العلماء السابقين فى قرون الاجتهاد ،وحولتهم من علماء مجتهدين يصيبون ويخطئون ويختلفون فيما بينهم إلي أئمة معصومين من الخطأ، ولا يجوز انتقادهم، وتوسع فى ذلك الشيعة والصوفية، وتكون الكهنوت الديني للائمة والشيوخ , ومن هذه الثقافة استقى القانون لقب شيخ لكبير العلماء والموظفين في الأزهر ،وكان ينبغى إطلاق وصف آخر عليه، مثل عميد الأزهر أو رئيس الأزهر لتأكيد الصفة المدنية على الأزهر والعاملين فيه.
واخطر من ذلك لقب الإمام الأكبر الذي يطلق على رئيس الأزهر، إذ ليس في الإسلام إمام بعد خاتم النبيين عليه وعليهم السلام ،فإذا كان فلان من الناس إماما اكبر.. فماذا يكون النبي محمد عليه السلام ؟..هل يكون إماما اصغر أو إماما أوسط ؟..
إن الواضح في القانون هو تحويل عميد الأزهر الى منصب كهنوتي ،خصوصا حين تقرأ العبارة بأكملها (شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي فى كل ما يتصل بالشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام )والسؤال هنا إذا كان هو وحده صاحب الرأي فى الدين وعلوم الدين الإسلامي فكيف إذا أخطأ ؟ وهل يجوز الاعتراض عليه أم لا ؟وهل هو معصوم من الخطأ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
إن النص القرآني وحده هو النص المعصوم.
والقرآن ينفى عصمة الأنبياء حيث انهم بشر يخطئون ويصيبون، ويجعل عصمتهم بالوحي فقط . وإذا كان النبي بشرا يخطئ ويصيب وينزل الوحى يصحح له ويوجهه وينقده ويؤنبه فكيف بالناس من بعده؟.. ولا شك أن رئيس الأزهر هو أحد الناس ..ولا شك أيضا انه والأزهر وكل مؤسسة دينية ليس عنصرا من عناصر الإيمان فى الإسلام، وبهذا يفترق الإسلام العظيم عن غيره من الأديان، إذ ليس فيه كهنوت أو تقديس لبشر أو حجر أو مؤسسة أو عائلة أو طائفة..
وحيث يوجد الكهنوت تتأكد المتاريس أمام حرية الفكر والاعتقاد والبحث العلمي، وإذا كان الكهنوت الكنسي يفصل بين الشأن الديني ويحصره فى الكنيسة وبين الشأن الدنيوي ويجعله علمانيا، فإن خطورة الكهنوت الديني حين ينبت جذوره في المجتمع المسلم أنه يتعدى بطبيعته للحياة الدنيا ،حيث لا يوجد فاصل في الإسلام بين الدين والدنيا، وحيث تتعرض الشريعة الإسلامية للعقائد والمعاملات والسياسة والاقتصاد والأحوال الاجتماعية. فإذا تأكد الكهنوت الديني في مجتمع إسلامي خلافا للإسلام فإن خطره يكون هائلا على المجتمع وتقدمه، ولا يدانيه إلا خطر هذا الكهنوت على حقائق الإسلام ذاتها..
وهذا ما شهدنا طرفا منه في عصرنا الراهن حيث أدى الاتجار بالدين إلى التطرف و الإرهاب.
ولا يفوتنا هنا أن ننوه إلى الفارق بين استنارة المذكرة الإيضاحية للقانون103 والتي كتبها وزير شؤون الأزهر ،وبين مبادئ الكهنوت فى القانون نفسه . فالمذكرة تصف شيخ الأزهر بأنه الأستاذ الأكبر وتؤكد على أنه لا كهنوت فى الإسلام حيث لا توجد واسطة بين العبد وربه ،وتنفى الشفاعة والولاية ،ثم يأتى القانون ويجعل (بحكم القانون )شيخ الأزهر مرجعية دينية تقترب من مرجعية الإمام أو آية الله وروح الله فى الكهنوت الشيعي .


(4) ومن أخطر ما جاء في القانون 103لسنة 1961 هو التناقض بين بعض عباراته المستنيرة وبعض عباراته الكهنوتية وما يسببه هذا التناقض من قمع فكري ،فالعبارات المستنيرة جاءت في المادة 2 عن دور الأزهر فى حفظ التراث الإسلامي "ودراسته وتجليته ونشره " وتعنى الاجتهاد العلمي . وتقول عن هيئة الأزهر "وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره فى تقدم البشر ورقى الحضارة ..وتعمل على رقى الآداب وتقدم العلوم والفنون.."وكل ذلك يدفع الى الاجتهاد في إظهار حقائق الإسلام وكونه مما يدفع إلى التقدم..
وفى المادة 15 تجعل مهمة مجمع البحوث مجرد الدراسة وتجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وإثارة التعصب السياسي والمذهبي وتجليتها في جوهرها الأصيل الخالص ..وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ..وكل ذلك يعنى الاجتهاد .
وفى المادة 33 تجعل مهمة جامعة الأزهر "حفظ التراث الإسلامي وتجليته ونشره،وتؤدى رسالة الإسلام إلى الناس وتعمل على إظهار حقيقته .."وكل ذلك يعنى الاجتهاد .


أي أن واجب الأزهري فى مجمع البحوث أو في جامعة الأزهر هو الإجتهاد في تجلية حقائق الإسلام من خلال القرآن الكريم والتراث . وهذا يعنى أن من حقائق الإسلام ما يحتاج الى تجلية وتوضيح وان في الثقافة الإسلامية شوائب وفضول وتعصب يحتاج إلى تنقيه وتجليه ليعود للإسلام فكره وجوهره الخالص الأصيل ...هذا هو الاجتهاد الذي يفرضه قانون الأزهر.. فماذا يعنى الاجتهاد؟ يعنى الخروج عن المألوف والإتيان برأي جديد من خلال المصادر الإسلامية ذاتها يخالف ما وجدنا عليه آباءنا .


هذا ما يفرضه قانون الأزهر ،أو بالأدق هذا ما تفرضه العبارات المستنيرة في قانون الأزهر ..لأن القانون احتوى على الغام أخرى تتيح إجهاض الاجتهاد تحت مسميات مؤثرة وعبارات غامضة مثل إنكار حقائق الإسلام! ..
تقول المادة 30 من القانون أن عضوية مجمع البحوث الإسلامية تسقط إذا ما وقع من العضو ما يلائم صفة العضوية كالطعن في الإسلام أو إنكار ما علم منه بالضرورة أو سلك سلوكا ينقص من قدره كعالم مسلم ،وتقول المادة 72"كل فعل يزري بشرف عضو هيئة التدريس (في جامعة الأزهر )أو لا يلائم صفته كعالم مسلم ،أو يتعارض مع حقائق الإسلام أو يمس دينه أو نزاهته يكون جزاؤه العزل .."
وحين قمت بالاجتهاد في تجلية حقائق الإسلام اتهموني بإنكار حقائق الإسلام مع ان كل كتاباتي التي حاكموني بسببها فى الفترة من 1985 :1987 كانت إما آية قرآنية أو تعليقا على آية قرآنية بآية قرآنية أخرى، ومع أن كل كتبي كانت توضيحا لحقائق الإسلام وتبرئة له وفقا لما يأمر به القانون .
ولكن القانون نفسه أعطى سلاحا للشيوخ القاعدين عن الاجتهاد لكي يستخدموا نفوذهم ومناصبهم في معاقبة المجتهد الذى يطبق القانون .
وهنا يقع التناقض فى قانون 1961 بين الأمر بالاجتهاد وعزل الذي يطيع القانون فيجتهد ..وهنا أيضا تقبع المتاريس التي تعوق حرية البحث والاجتهاد في الإسلام الذي هو دين العقل وحرية الفكر .ولا سبيل لدفع هذا التناقض إلا بحذف تلك العبارات والمواد الكهنوتية التي تعوق حرية الفكر .


ولكن تبقى للقانون ميزته، وهى انه لم يتحدث مطلقا عن السنة ،فتحدث عن القرآن وعلوم الإسلام والثقافة الإسلامية ،أي التراث الإسلامي أو الفكر البشري ،وطالب بتجريده من الشوائب والتعصب ..ثم أتى حين من الدهر حوكم فيه كاتب السطور ودخل السجن لأنه صدق هذا الكلام واجتهد في فكر المسلمين في عصر فرض تقديس هذا الفكر واعتبره سنة نبوية ، فكان جزاؤه الاتهام بإنكار السنة . كان هذا فى عصر ثقافة النفط البدوية الوهابية والتي لا تزال مسيطرة ولم يكن لها وجود فى عصر عبد الناصر لأن أربابها كانوا إما فى السجون و إما في بلاد النفط ..ثم عادوا لمصر في عصر السادات .

ثانيا:الإطار القانوني لحرية البحث والعقيدة والبحث العلمي في عصر السادات :

(ا)الدستور:

(1)على خلاف العهد الناصري تميز الإطار القانوني فى عهد السادات بالتناقض ،بين بداية مبشرة بتحول ديمقراطي فوقى تفضل به نظام الحكم الى نهاية مأساوية ظهرت فيها أنياب الديموقراطية وانتهت بمهزلة 5 سبتمبر التي جعلوها ثورة ، ثم كان مصرع السادات .


(2)فى البداية المبشرة صدر دستور 1971،والذي لا يزال معمولا به حتى الآن .ومع أن عصرنا تجاوز بعض مواده عن الاشتراكية و تحالف قوى الشعب .. الخ إلا انه احتوى على بعض المواد المستنيرة فى حرية الفكر والاعتقاد ، خصوصا تلك التى تقرر الحرية بدون تقييد ،مثل المادة 46 القائلة"تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية" ومثل المادة 49التي تقول "تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والابداع الأدبي والثقافي ،وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك..."
وكأن واضع الدستور عز عليه وضع تلك النصوص المطلقة بدون تقييد فوضع قيودا قانونية فى المادة 47القائلة (حرية الرأي مكفولة،ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو النشر أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون ) وجاء فى المادة 48 أن حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة ،والرقابة على الصحف محظورة ..ثم تجيز المادة فرض رقابة محدودة بصورة استثنائية كحالات الطوارئ.

(3)ثم ما لبث أن عصف السادات بهذه البشائر الديموقراطية وكشر عن أنيابه الديموقراطية بعدة قوانين كان أبرزها قانون حماية الجبهة الداخلية رقم 33 لسنة 78والذي حظرت مادته الأولى أى دعوة مناهضة لمبادئ ثورة23 يوليو وثورة 15 مايو 1971والنظام الاشتراكي الديموقراطي .أى حظر أى معارضة بالقول والرأي . وفى المادة الثانية منع خصومه المحالين للمدعى الاشتراكي من تولى الوظائف العليا والتوجيه والقيادة والتأثير على الرأى العام .ووصفهم القانون بإنكار الشرائع السماوية .
ثم قانون العيب الذي صدر فى سنة 1980 برقم95 .
وفى تحالف السادات مع التيار الديني الوهابى كان يجري فى مجلس الشعب الإعداد لقوانين الشريعة وعلى رأسها حد الردة المقصود به خصومه المتهمون بإنكار الشرائع السماوية .

(4)على ان اكثر مادة مثيرة للجدل فى دستور 1971هى المادة الثانية القائلة (الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) . وهذا الجدل المحتدم بين تلك المادة بين العلمانيين والسلفيين تركز على قراءة مغلوطة للمادة تقول " الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع " . وهذا مالم تقله المادة فهي تؤكد على مبادئ الشريعة، وهى غير تفصيلات و أحكام الشريعة الإسلامية، فمبادئ الشريعة الإسلامية هو ما يعرف لدى الفقهاء بمقاصد الشرع ،وقال الفقهاء انها حفظ النفس والعرض والمال ..الخ . أى أنها كليات أساسية في التشريع ،ومبادئ الشريعة أو مقاصدها لا تختلف عن هدف اى قانون دولي أو محلى،وهو تحقيق العدل والموازنة بين العدل الاجتماعي والحرية و تحقيق السعادة للمواطنين .. الخ..
وعليه فلا فرق بين قول دستور 1971 مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وقول بعضهم مبادئ حقوق الإنسان العالمية هي المصدر الرئيسي إذ لا يوجد فارق حقيقي بين حقوق الإنسان فى المواثيق الدولية وحقوق الإنسان التي يقرها القرآن بشرط أن نقرأ القرآن بمصطلحاته ومفاهيمه بعيدا عن مصطلحات التراث ومفاهيم الفقه المنتمى للعصور الوسطى.
على أن المادة 2 التى تجعل مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع تتعارض مع عشرات المواد من الدستور ذاته، تلك المواد التى تجعل الرئيس متحكما في السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ورئيسا أعلى للقضاء والشرطة وقائدا أعلى للقوات المسلحة ، يملك ويحكم وليس مسؤولا أمام اى جهة ،فى نفس الوقت الذي يملك فيه إقالة الحكومة أو إقالة مجلس الشعب ..وهذا يتعارض مع مبادئ الشريعة القائمة على العدل والقسط وحرية الرأى والفكر وحقوق الإنسان , ويعارض عقيدة الأسلام فى الألوهية, فالله تعالى وحده لا يسأل عما يفعل, وما عداه يتعرض للمساءلة على قدر مسئوليتة.

ومن المؤكد أن هذه المادة قد جئ بها كعربون الصداقة بين السادات والتيار الديني وعقيدتة فى " الحاكمية" أى الحاكم المتألة وسلطتة المستمدة من الله، ولكي تؤسس وتمهد لدولة دينية قادمة تقوم على أسس الكهنوت الديني السياسي الذي يتناقض مع الإسلام بقدر مع يتطابق مع الخلافة العثمانية أو العباسية أو الفاطمية ، حين كان يملك الخليفة الأرض ومن عليها ،ومن حقه طبقا لفتوى الفقهاء أن يقتل ثلث الأمة لإصلاح حال الثلثين، وحين كانت الأمة مجرد رعايا أو رعية يملكها الخليفة كما يمتلك قطيع الأنعام .. يذبح منه ما يشاء ويستبقى ويستثمر منه ما يشاء.
ومن هنا كان جزع المناهضين للسادات بقدر ما كان فرح الطامعين فى وراثته من المتحالفين معه العاملين لدولة دينية قادمة ،والذين أتيح لهم فى عصر السادات أن يتغلغلوا فى اجهزة الدولة بدلا ممن اتهمهم السادات بإنكار الشرائع السماوية .
فى هذه الظروف صدرت اللائحة التنفيذية للقانون 103 لسنة 1961 ،أى قانون الأزهر, وصدرت اللائحة بقرار جمهوري رقم 250 لسنة 1975 .

(ب)اللائحة التنفيذية لقانون الأزهر

(1)كررت هذه اللائحة ما جاء في القانون عن شيخ الأزهر ودوره وتوصيفه ، وعن واجبات عضو هيئة التدريس في جامعة الأزهر . و غير ذلك.. إلا انه ما يهمنا هو ما أضافته اللائحة من جديد يؤثر على حرية الفكر والبحث ،وهذا الجديد يتمشى مع ما أعطاه السادات للأزهر والتيار السلفي ، وبنفس القدر يخالف القانون الأصلي التي جاءت اللائحة لتفسيره وليس للتناقض معه.


{2)إن المادة 15 من القانون الأصلي 103 لسنة60 تجعل مهمة مجمع البحوث الأسلامية تجلية و تنقية الثقافة الأسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسي والمذهبي وتجليتها فى جوهرها الأصيل ، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وكل بيئة ، وبيان الرأي فبما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل الدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة
وكان مفترضا أن تأتي اللائحة لتوضح كيفية قيام مجمع البحوث بهذه المهمة العلمية البحثية في مصر والعالم الإسلامي، إلا أن اللائحة تجاهلت ذلك كله وحولت المجمع الى جهة تصادر الكتب وتقف لحرية الفكر بالمرصاد.
فالمادة 17من اللائحة تجعل من واجبات المجمع تتبع ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامى من بحوث ودراسات فى الداخل والخارج والانتفاع بما فيها من رأى صحيح أو مواجهتها بالتصحيح والرد . وهذا كلام قد يبدو في ظاهره لا غبار عليه ، ولكنه عند التنفيذ يملؤه الغبار . فالذين يفترضون في انفسهم احتكار الشأن الديني ليس منتظرا منهم إن يعترفوا برأي صحيح يقوله غيرهم ممن ليسوا شيوخا ،وإذا كان الفكر الديني مبنيا على الخلاف في الرأي فإنهم لن يجدوا في الرأي الأخر إلا خطأ محضا ، وبالتالي فإن السلطة التي في أيديهم ستحول هذا الخلاف إلي أكثر من خطأ ..تحوله إلى كفر. .لأنه وقر في قلوبهم انهم وحدهم أصحاب الحقيقة المطلقة ، ومن يخالفهم فقد خالف الإسلام .. والقانون ( اقصد اللائحة ) تعطيهم هذا الحق .

(3) وجاءت المادة 25 من القانون بأن يختص مجمع البحوث الإسلامية في نطاق الأزهر بكل ما يختص بالنشر والترجمة والتأليف ..أى قصرت دوره على الأزهر ومؤسساته ، ولا يتعدى هذا الدور حوائط الأزهر .
وبدلا من أن تأتى اللائحة في العصر الساداتي توضح وتفصل عمل هذه المادة داخل الأزهر نجدها قد حولت مجمع البحوث الى إدارة للمصادرة خارج الأزهر.
فى المادة 40 من اللائحة تجعل إدارة البحوث والنشر والنشر بالمجمع مختصة ب:


(1)بمراجعة المصحف الشريف والتصريح بطبعة وتداوله ،وهذه هى الحسنة الوحيدة لتلك اللائحة ، ثم تقول

 (2)فحص المؤلفات والمصنفات الإسلامية أو التى تتعرض للإسلام وإبداء رأيها فيما يتعلق بنشرها أو تداولها ، وهنا يتحول مجمع البحوث الى محكمة تفتيش لكل كتاب يتعرض للشأن الإسلامي ولو فى بضعة أسطر .وهنا فيكون قانونا من حق المجمع أن يسمح بتداوله ونشره وعرضه أو أن يمنع نشره وتداوله وعرضه .ثم تقول

 (3)تتبع كل ما يكتب عن الإسلام فى الداخل والخارج والرد على كل ما يمس الإسلام فيها. وهل إذا فحص المجمع كل المؤلفات التي تتعرض للإسلام وأبدي رأيه فيها بالسماح والمصادرة هل إذا فعل ذلك سيكون لديه وقت لتتبع " كل ما يكتب عن الإسلام في الداخل والخارج" والرد على ما يمس الإسلام فيها .."هل سيجد الوقت لمتابعة كل ما يكتب عن الإسلام فى كل العالم وبكل اللغات ؟ واين لشيوخ المجمع بهذه المقدرة ؟أو ليس من الأجدى الرجوع الى اصل المادة 25 من قانون الأزهر بأن يختص المجمع بالنشر والتأليف وفى نطاق الأزهر على أن لا يتعدى دوره التوجيه دون المصادرة ؟.


(4) على أية حال فإن عصر السادات زرع ألغاما أمام العقل المصري ،أضيفت إلي الألغام السابقة التي زرعت في العصر الناصري ،إلا أن الغام السادات تغلفت بالدين،ووضعت إطارا دينيا للتيار السلفي الطامح للحكم كي يتهم خصومة السياسيين بالكفر بحجة إنكار تطبيق الشريعة وقدر لهذه الألغام أن تنفجر ..وانفجر أولها في وجه السادات نفسه حين أتهمه التيار السلفي بالكفر , ثم انفجرت باقي الألغام في عصر حسنى مبارك .. ولازالت تنفجر.

ثالثا: الإطار القانوني لحرية الفكر والعقيدة والبحث العلمي في عصر مبارك:

(ا)الإطار العام

(1)يتميز عهد مبارك بأن التغيير لم يعد يأتي فوقيا ومن السلطة فحسب، وإنما اصبح التغيير ثوبا يتجاذبه العلمانيون والسلفيون، ليس فقط بين الحكومة والمعارضة ، ولكن أنصار العلمانية و أنصار السلفية فى داخل الحكومة وخارجها وذلك طبقا للمثل الشعبي القائل (اللى تغلب به العب به ) ومن هنا سار وساد الصراع والاستقطاب بين التيار العلماني والتيار السلفي في داخل وخارج أجهزة الحكومة ، وكل فريق يسعي لاستقطاب الأنصار ، والنظام سعيد بذلك لأن قليلا من التطرف يجعل أعتي المعارضين يقول مقالة خالد محمد خالد (تمتعوا بالسئ فإن الأسوأ قادم ) أى أن التطرف الذى زرع السادات جذوره فى مصر قد أضحي يهدد مستقبل مصر المادي والبشري ويهون الي جانبه استبداد النظام .

(2) وزاد من خطورة الأمر انفجار الألغام بتحول التطرف الفكري وفتاوى القتل الى حركة إرهاب وصلت الى المفكرين والمسالمين والى الأقباط والسياح ، بل وصلت محاولات الاغتيال إلى رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الداخلية والإعلام .
وكان هذا الإرهاب إرهاصا واضحا بالمستقبل الذي تدخره الدولة الدينية لمصر حيث يكون الأمر غاية فى البساطة ، فتوي تستحل الدماء يقولها أي أمير وبعدها تسيل دماء الأبرياء. وزاد فى الخطورة مأساة الجزائر وقيام الشباب السلفي فيها بذبح أهالي القري الأبرياء لمجرد استعراض القوة وتصفية حسابات مع السلطة.

(3) ومن الطبيعي أن هذا الإرهاب الدموي قد حجم من مصداقية التيار السلفي وعرقل من خطواته المتسارعة نحو السيطرة على أفئدة الشعب وأجهزة الحكم ..إلا ان ذلك لا يحجب الدور المستنير الذي لعبته الأقلام المخلصة لدينها ووطنها والمؤسسات الأهلية للمجتمع المدني خصوصا مراكز حقوق الإنسان ومركز ابن خلدون . وعلى قدر بلاء هذه المؤسسات فى مواجهة القوى السلفية انهالت عليها التهم بالعمالة للغرب وتلقى التمويل الأجنبي . وتناسى الجميع أن التيار السلفي متهم بالعمالة لدول النفط ،وأن التمويل النفطي أسفر عن تغييب العقل وسفك الدم ، وان التيار السلفي قبل ذلك أضاع الثروة المصرية فيما يعرف بتوظيف الأموال ثم أن هذا التمويل الأجنبي ـ وأغلبه من دول أجنبية مثل هولندة والمانيا ودول اسكندنافيا هى ليست صاحبة مصلحة او مطامع فى مصر أو غيرها ـ قد أثمر عن حركة يقظة أوقفت المد السلفي الذي يهدد الوطن ويسئ للدين .

(ب)الصراع بين التيار المستنير والتيار السلفي في إطار حرية الفكر والعقيدة والبحث والإبداع :

(1)كانت وزارة الثقافة ممثلة فى المجلس الأعلي للثقافة والهيئة العامة للكتاب تتزعم المواجهة مع التيار السلفي، ودار الصراع بينهما عبر اجهزة الإعلام وساحات التشريع والقضاء.
وقد أصدرت الوزارة سلسلة المواجهة وسلاسل القراءة للجميع وأصدر المجلس الأعلى للثقافة سلاسل التراجم وعيون الثقافة الرفيعة، وتعرض المسؤولون عن هذا التنوير خصوصا د. سمير سرحان و د. جابر عصفور الى الكثير من حملات التشويه والهجوم ، ويقول د. سمير سرحان فى ندوة حرية الإبداع وحقوق المبدعين التى عقدت فى ديسمبر 95 (لقد تعرضت كرئيس لهيئة الكتاب وتعرض معى المثقفون المصريو