حولَ أهلِ الكهفِ
الحلقة الأولى



بسم الله الرحمن الرحيم


يقولُ عالمُ الغيبِ والشـهادةِ ، سبحانَهُ وتعالى : "أَمْ حَسِبْتَ أنَّ أَصْحبَ الكهفِ والرقيمِ كانُوا مِنْ ءايتِنا عَجَباً (9) إذْ أَوَى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا ءاتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أمْرِنا رَشَداً (10) فَضَرَبْنا عَلى ءاذانِـهِمْ في الكهفِ سِنيَن عَدَداً (11) ثُـمَّ بعثْنهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الِحزْبيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (12)"(سورة الكهف).

في سَفَـرٍ عجيبٍ عجيبٍ ، لا مِنْ قُطْرٍ في الأرضِ إلى قُطْرٍ ، وإنَّما مِنْ عصرٍ في الزمانِ إلى عصرٍ آخَرَ بَعيدٍ عنهُ بعيــدٍ ، رحلَ فتيةٌ مؤمنونَ بِجَوازِ سفرٍٍ جماعيٍّ بِاسمِ : "أَصحابِ الكهفِ والرقيمِ". فَأَيْنَ عنوانُ هؤلاءِ ؟

حتماً ، إِلى قمرانَ يأخذُنا البريدُ . فهناكَ في جنوبِ أريحا من فلسطينَ ، في خربةِ "قُمران" Qumran على بعدِ مرمى الحجرِ من شاطئِ البحرِ الميتِ في زاويتِهِ الغربيةِ الشماليةِ ، رَقَدَ أولئكَ الفتيةُ يقيناً .

وستكونُ إنْ شاءِ اللهُ تعالى معَ بضعِ حلقاتٍ ، قدْ تأتيكَ متباعدةً في صفحات "عرب تايمز ؛ إذْ قد يكون بينِها فواصلُ من موضوعاتٍ أخرى، ستنتهي بكَ عبرَ البراهين إلى التعرُّفِ أنَّهُمْ مِنَ : الأسينِـيِّـينَ ، وهمْ أعجبُ طائفةٍ في تاريخِ الأديانِ :

Essenes

ولكثرةِ المحرَّماتِ في ملَّتِهم ، فإنَّهُ يجمُلُ أنْ نُطلِقَ عليهم : طائفةَ الألفِ محرَّمٍ ومحرَّمٍ . فهؤلاءِ الأسينِـيِّـونَ هم - حقّاً - أصحابُ الوثائقِ الشهيرةِ المعروفةِ باسمِ : "مخطوطاتِ البحرِ الميّتِ" :

The Dead Sea Scrolls

وعلى ما أعتقدُ فإنَّ طائفةَ "ناطوري كارتا" حُرّاس المدينةِ - التي يتركزُ أتباعُها الآنَ في حيِّ "مئة شعاريم" مائة بوّابة - في غربِ القدس ، وفي مدينة "بروكلين" الأمريكية ، وهـمْ لا يعترفونَ بدولةِ إسرائيلَ ، ما هيَ إلّا بقيّةٌ من بقاياهم ، ولكن بمرور الزمانِ حصلَ تعديلاتٌ وتغييرات .
حسناً ، إِلى كهوفِ قمرانَ السِّرِّيـةِ كانَ يَأْوي الأَسينِيُّونَ ؛ وبالتحديدِ إلى كهفٍ سَمَّاهُ العلماءُ : "الكهفَ الرابـعَ" ، وما تمَّ العثورُ عليهِ إلّا في عامِ 1952 م ؛ وأمَّا "الكهف الأولُ" فهوَ الذي عثرَ فيهِ رعاةٌ من عربِ التعامرةِ الكرامِ على أولِ مجموعةٍ من مخطوطاتِ الطائفةِ حولَ العامِ 1947 م ؛ وكانتْ محفوظةً في جرارٍ فخّاريّةٍ.

وَأولئكَ الأسينيّونَ هُمْ : شبابٌ قاموا يُقاوِمونَ قَوْمَهُمْ ، بِالنُّصحِ والموعظةِ ؛ حينَما دَنَّسَ هؤلاءِ التوراةَ ، وارْتَدُّوا عَنْ شرعِها ، وعَنْ ملَّةِ التوحيدِ .

حاولَ اليونانُ في القرنِ الثاني قبلَ الميلادِ توثينَ إمْبَراطورِيَّتِهِمْ ، وفي جُمْلَتِها سُكّانُ فَلَسْطينَ . وَهُمْ - يَوْمَئِذٍ - : مِنْ أغلبيةٍ ساحقةٍ مُنْحَدِرَةٍ مِنْ أُصولٍ عربيّةٍ ، ومِنْ أقَلِّـَّيةٍ عبريةٍ معظمُها مُتَهَـوِّدٌ ، وقدْ جرفَـهُ التَّـوَثُنُ ؛ وبَقِيَّتُها مُحافِظٌ على التوراةِ غيرِ المحُـَرَّفَةِ ، فقاومتْ التوثيـنَ ، واعتزلتْ مجتمعَها الكافرَ ، وتَشَكَّلَتْ مِنْ بينِها : "طائفةُ الأسينِيِّينَ" .

أجلْ ، في قمرانَ ، بَدءاً مِنَ العامِ 1946 م ، أوِ الذي يليهِ ، اكتشفَ الرِّعاءُ بدايةً ثمَّ العلماءُ من بعدُ جميعَ الوثائقِ والأوراقِ الثُّبُوتـِيَّةِ التي أُثْبِـتُ مِنْها أنَّ "الهويّةَ الجماعيّةَ" للأسينِيّينَ هِيَ : صورةٌ طِبْقُ الأصلِ عَنْ هويّةِ : "أصحابِ الكهفِ والرقيمِ".

ولا ريبَ أنَّ مكتشفاتِ قمرانَ تتوافقُ تماماً ، وتتطابقُ كَمالاً ، مَعَ المذكوراتِ في قصةِ القرآنِ المجيدِ .. وهلْ بعدَ التطابقِ ، والتوافقِ مِنْ دليلٍ وبرهانٍ ؟ ‍‍

صِدْقاْ ، لا يوجدُ ؛ فالتطابقُ في المقارنةِ ، هوَ فعلاً : سَيِّـدُ الأدِلَّةِ ، والتوافقُ بينَ طرفَيْها هوَ : فَيْصَلُ البراهينِ . وهَذا ما ستجدُ عليهِ الحلقاتِ نَهْجاً وطريقاً .

ونظراً لِأَهميةِ مكتشفاتِ قمرانَ ، فقد زادَتْ المُؤَلَّفاتُ فيها إلى يومِنا - عَنْ خمسةِ آلافِ كتابٍ ؛ وتجاوزتْ المقالاتُ الرصينةُ عَنْها سبعينَ أَلْفاً ؛ ونشأَ عَنْها : "علمُ القُمْرانِيّاتِ" Qumranology، وقدِ اتَّخذَتْهُ كثيرٌ مِنَ الجامعاتِ مَساقاً Course .

أخي الكريمَ ، مأمولٌ مِنْ هذهِ الحلقاتِ أنْ تُظهِرَ أنَّ قصةَ الفتيـةِ الكرامِ ، هيَ : مثلُ "الخَلِّيَّةِ الحَيَّةِ" ، أوِ الكائنِ الحيِّ . فكلُّ ما فيها يرتبطُ وثيقاً بكلِّ ما فيها ، وبكُلِّ القرآنِ المجيدِ ، ويَكْمُنُ الروحُ وراءَ خَوافيها ؛ فالقرآنُ كُلُّهُ روحٌ وحَياةٌ .

ولا ريبَ أنكَ مدركٌ أنَّ عِدَّةِ الفتيةِ ، ومدَّةِ إنامتِهم في الكهفِ المأوِيِّ إليْهِ ، هما أكبرُ أُمورِ القصةِ إثارةُ ؛ فالقصةُ ليْستْ مجردَ خبرٍ عنْ شبابٍ أنامَهمُ اللهُ تعالى مئاتِ السنينَ ، ثمَّ أيقظَهم . وستكونُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى معَ حديثٍ عنِ عددِ الفتيةِ موسّعٍٍ موصلٍ إلى الحقِّ ، ومعَ شروحٍ عن مدةِ النومِ مسعفةٍ بصيدِ الحقيقةِ.

وأَوَدُّ ، أخي الكريمَ ، أنْ تَتَلَطَّفَ بالصفحِ سَلَفاً عَنْ بعضٍ مِنَ التّكرارِ ، والتطويلاتِ ؛ فنحنُ في قصةِ مِنْ ثلاثِمائةٍ سنينَ ازدادَ الفتيةُ عليها تسعاً ، نوماً على نومٍ . ولا يخفى عليكَ الاضطرارُ أحياناً إلى التكـرارِ والتطويـلِ ؛ فهناكَ ضرورةٌ لذكرِ هذهِ النقطةِ ، أوْ تلكَ منَ النقاطِ على اتساعٍ أو اختصارٍ- في أكثرَ مِنْ حلقةٍ وموضعٍ ، بلْ حتَّى في الحلقةِ الواحدةِِ نفسِهِا. والاتِّساعُ في البيانِ على تزاوُرٍ مِنَ الإمْـلالِ هوَ إقناعٌ ، أو إمتاعٌ بالبُرهانِ . وقدْ ودِدْتُ مِنْ كلِّ حلقةٍ أنْ تكونَ فصلَ الخطابِ ، ولكن!.. ألَمْ تَرَ إلى القرآنِ كيفَ جعلَ لقصةِ الفتيةِ إجمالاً وتفصيلاً ؟

واسْـمَحْ لي أنْ أَنْصَحَكَ فالمؤمنُ يحبُّ الناصحينَ نُصْحاً بِضرورةِ حفظِ آياتِ القصةِ ، والاطِّلاعِ على تفسيرِها عندَ العلماءِ : الطبريِّ ، وابنِ كثيرٍ، والقرطُبِيِّ ، والرازيِّ ، أوْ غيرِهم ؛ فذلِكَ ذو نفعٍ في بَدْءِ الرحلةِ معَ الحلقاتِ ومرافقتِهِا، ولتستطيعَ المقارنةَ بينَ تفسيرِ أولئكِ وتفسير الحلقاتِ المنويِّ نشرُها بعونِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى . ولا أحْسِبُك إلّا تعلمُ أنَّ قصةَ فتيةِ الكهفِ هيَ : القصَّةٌ التي ضَرَبَتْ الرَّقَمَ القياسِيَّ في اختلافِ المفسرينَ . وإنَّ وُلوجَ ميْدانِ هذا الاختلافِ طلباً لِلرَّأْيِ السَليمِ ، هوَ : مِثْلُ تفكيكِ حقلِ ألغامٍ ، معَ الخروجِ بالسلامِ .

وإلى قولِ اللهِ الحميدِ المجيدِ عالِمِ الغيبِ والشهادةِ سبحانَهُ : "قُلْ لَئِنِ اجتمعتْ الإنسُ والجنُّ على أنْ يَأْتوا بِمِثْلِ هذا القرآنِ لا يأْتونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بعضُهم لبعضٍ ظهيراً" ( الإسراء |88 ) .

وإلى لقاءٍ بإذن الله تعالى في الحلقةِ الثانية


عطية زاهدة – الخليل – فلسطين

منْ مؤلفاتهِ المنشورة : "أصحاب الكهف والرقيم" ، "هكذا حدّثني القرآن" ، "مَنْ يصِّدّقُ أنَّ الشمسَ لا تضيءُ ؟" ، "اللهيب الشاوي في تأديب الشيخ الشعراوي" ، "الفرجارُ في نقدِ ابنِ جرّار" ، الفرجار في نقدِ الشيخ زغلول النجار" ، "شمسُ عطيّة" ، "أهلُ الكهفِ بينَ العدّةِ والمُدّةِ" ، و"الخليليّات" .

لقراءة المزيد من مقالات عطية زاهدة انقر هنا