من قصة حبيب النسوان


قصَّ علينا القرآنُ الكريمُ أنَّ عزيزَ مصرَ هوَ الذي اشترى يوسفَ منْ رجالِ القافلةِ الذينَ أخرجوهُ منَ الجُبِّ الذي ألقاهُ فيهِ إخوتُهُ . وقدْ أمرَ العزيزُ زوجتَهُ أنْ تحسنَ ليوسُفَ : "وقالَ الذي اشتراهُ منْ مصرَ لامرأتِهِ : أكرمي مثواهُ عسى أنْ ينفعَنا أوْ نتّخذَهُ ولداً" . وعندما أصبحَ يوسفُ شابّاً صارَ لتلكَ المرأةِ نحوَهُ ميلٌ جنسيٌّ ؛ فقدْ تسلَّلَ حبُّهُ وعشقُ جمالِهِ إلى شغافِ قلبِها ؛ إذْ تركَّبَ "يوسفُ" في سويدائِهِ مثلَ "دينامو" يبثُّ في كيانِها كهرباءَ الحبِّ تيّاراً كسيلِ العرِمِ يكادُ لا يوقفُهُ خجلٌ ، ولا الحياءُ يعرفُهُ . وذاتَ يومٍ استغلَّتْ وجودَ زوجِها في الدوامِ الرسميِّ وكانَ بمثابةِ رئيسِ الوزراءِ أوْ بمثابةِ وزيرٍ وصرفتِ الخدمَ منْ البيتِ بحيلةٍ منَ الحيلِ ، وخلتْ بيوسفَ وراودتْهُ عنْ نفسِهِ ، وأحكمتْ إغلاقَ الأبوابِ .. وانتهتْ محاولتُها بالفشلِ ؛ لأنَّ يوسفَ امتنعَ واستعصمَ وحاولَ الهربَ ، ولأنَّ رجوعَ زوجِها تزامنَ معَ محاولةِ يوسفَ للخروجِ ، ويظهرُ أنَّهُ ربّما كانَ قدْ رجعَ فجأةً في وقتٍ غيرِ متوقّعٍ لانصرافِِهِ من الدوامِ الرسميِّ ، وذلكَ منْ خلالِ وشايةِ خادمٍ منْ خدمِ البيتِ الذينَ أبعدتْهم في "إجازةٍ قصيرةٍ عابرةٍ" ؛ إذْ يظهرُ أنَّ هذا الخادمَ كانَ مأموراً بمراقبتِها منْ قبَلِ العزيزِ وهيَ لا تدري .

ومن الهوى ما كوى

وقصَّ القرآنُ الكريمُ علينا كيفَ أثبتَ الشاهدُ منْ أهلِها براءةَ يوسفَ ، عليهِ السلامُ ، حينما وجدَ قميصَهُ قدْ تمزَّقَ منَ الخلفِ لا منَ الأمامِ ، وكيفَ قامتِ امرأةُ العزيزِ فيما بعدُ بإقامةِ حفلةٍ فاخرةٍ ماكرةٍ للنساءِ اللواتي فضحنَ غراميّاتِها الفاشلةَ الطائشةَ ، وكانتْ تلكَ الحفلةُ مكيدةً منْ كيدِها وشَرَكاً محكمَ الإعدادِ ، حيثُ قطّعتْ تلكَ النسوةُ أيديَهنُّ تحزيزاً وتشطيباً بالسكاكينِ لمجرّدِ رؤيتِهِ .. فأيُّ الفريقيْنِ هوَ الأطيشُ والأقربُ للسقوطِ في الغرامِ : هل تلكَ النساءُ المجموعاتُ معاً اللاتي أصابَهنُّ الهوسُ وفقدْنَ الصوابَ لمجرّدِ رؤيةِ يوسفَ ، وهنَّ نساءُ الوزراءِ وكبارِ رجالِ الدولةِ ، أمْ هيَ التي تعيشُ معَهُ منْ سنينَ طوالٍ ، وتكونُ معهُ في البيتِ بمفردِها ، وقدْ أصـابَ الكبرُ زوجَها ، فاعتراهُ ضعفٌ جنسيٌّ ؟.. أما تكونُ بذلكَ قدْ ضربتِ الرقمَ القياسيَّ في الصمودِ أمامَ جاذبيّةِ جمالِ يوسفَ ؟!.. فَمْنْ إذاً أحقُّ أنْ يوصفَ بضلالٍ مبينٍ : هنَّ أمْ هيَ ؟

لا ريبَ ، هنَّ ؛ لأنَّهنَّ !

وبقيَ يوسفُ في بيتِ العزيزِ .. ويظهرُ أنَّ هذا العزيزَ قدْ أصبحَ موضعَ ضغوطٍ كبيرةٍ منْ كبارِ رجالِ الدولةِ للخلاصِ منْ يوسفَ بأيِّ طريقةٍ ممكنةٍ .. إذْ يظهرُ أنَّ نساءَ هؤلاءِ بقينَ يحاولنَ ترتيبَ الزياراتِ لامرأةِ العزيزِ على أملِ أنْ يظهرَ لهنَّ يوسفُ ، أوْ أنْ ينجحنَ في اصطيادِهِ !.. أوْ حتّى في شرائِهِ منَ العزيزِ بحجّةِ إنقاذِهِ وإبعادِهِ عنِ امرأةٍ أصرّتْ أمامَهنَّ علناً أنْ تفترسَهُ وتنفرشَ لهُ : "فذلكَ الذي لُمتُنَّني فيهِ ولئنْ لمْ يفعلْ ما آمرُهُ لَيُسْجَنَنْ ولَيَكونَنْ منَ الصاغرينَ" .. ولكنّهُ لمْ يفعلْ ولمْ يرضخْ . فماذا حصلَ ؟

يظهرُ أنَّ العزيزَ كانَ مطمئناً إلى حصانةِ يوسفَ أمامَ إغراءِ النساءِ ، وأنَّهُ كانَ في الوقتِ نفسِهِ محرجاً منْ محاولةِ سجنِهِ .. فلوْ سجنَهُ فإنَّ نساءَ كبارِ رجالِ الدولةِ سيعلمنَ بذلكَ ، وسيصلُ الأمرُ في النهايةِ إلى الملكِ عنْ طريقِ بعضِهنَّ ليعلمَ أنَّ "يوسفَ" مسجونٌ بدونِ وجهٍ قانونيٍّ ، وكذلكَ فسجنُهُ في تهمةٍ منْ نوعِ التحرُّشِ الجنسيِّ بالنساءِ لا تمنعُ عنهُ زيارةَ الزائراتِ مدبّراتِ المكائدِ والاحتيالاتِ ، وهنَّ زوجاتُ ذوي النفوذِ .. أجلْ ، كانَ العزيزُ يخشى منْ سجنِ يوسفَ في ظروفٍ عاديّةٍ مخافةَ أنْ تصلَ الدسائسُ والمكائدُ إلى كشفِ تورُّطِهِ في سجنِهِ بدونِ غطاءٍ قانونيٍّ ، فقدْ كانتْ مصرُ يومئذٍ دولةً تجري فيها المساءلةُ القانونيّةُ ؛ ومخافةَ اتساعِ ميدانِ الفضيحةِ ، ولأنَّ هكذا سَجْنةً لنْ تطولَ ولنْ تغلقَ الطريقَ أمامَ الساعياتِ نحوَهُ حثيثاً .

ضربةُ معلم

وبعدَ حينٍ جاءتِ الفرصةُ المناسبةُ !.. فقدْ حصلتْ مؤامرةٌ لقتلِ الملكِ ، ويظهرُ أنَّ الأحكامَ العرفيّةَ العسكريّةَ قدْ فُرضَتْ .. وفي ظلِّ أحكامِ الطوارئِ ، والتعميمِ بمرسومٍ ملكيٍّ بملاحقةِ كلِّ المشبوهينَ ، فقدْ سنحتِ الفرصةُ للزّجِ بيوسفَ في السجنِ بدونِ الخشيةِ منَ المساءلةِ القانونيّةِ ، وبدونِ الخشيةِ منْ مطاردةِ النساءِ وراءَهُ ؛ فمنِ التّي ستحاولُ الاسترحامَ لمنْ تهمتُهُ التآمرُ لقتلِ الملكِ ، أوْ تقبلُ أنْ تدبِّرَ حيلةً لزيارتِهِ !؟ .. فضرَبَ العزيزُ ومنْ يضغطُ عليهِ ضربتَهم ، ضربةَ معلّمٍ ، فأودِعَ يوسفُ السجنَ معَ المعتقلينِ بتهمةِ التآمرِ على الملكِِ ، تآمرٍ وراءَهُ عناصرُ داخليّةٌ وعناصرُ خارجيّةٌ كيوسفَ !.. "ثمَّ بدا لهم منْ بعدِ ما رأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُّنَّهُ حتّى حينٍ" .. سجناً غيرَ محدِّدِ المدّةِ كالذي يتمُّ بالأحكامِ الإداريّةِ العسكريّةِ .

ويمكنُ أنْ نفهمَ منْ تأويلِ آياتِ قصةِ يوسفَ أنَّهُ دخلَ السجنَ في زمرةِ المعتقلين ، ومنهمْ ساقي الملكِ وخبّازُ الملكِ : "ودخلَ معهُ السِّجنَ فتيانِ قالَ أحدُهما إنّي أراني أعصرُ خمراً وقالَ الآخرُ إنّي أراني أحملُ فوقَ رأسي خبزاً تأكلُ الطيرُ منهُ نبِّئْنا بتأويلِهِ إنَّا نراكَ منَ المحسنينَ" . ويظهرُ أنَّ التهمةَ بدسِّ السمِّ للملكِ قدْ ثبتتْ ضدَّ الخبّازِ فصُلبَ وبقيّةُ الخبزِ المسمومِ فوقَ رأسِهِ ؛ وأمَّا الساقي فقدْ عادَ يسقي الملكَ كؤوسَ الخمرِ . وكانَ يوسفُ قدْ أوصى الساقيَ أنْ يذكرَ أمرَهُ للملكِ ، وأنْ يحدِّثَهُ بأنَّهُ غيرُ متآمرٍ ضدَّهُ ، وأنَّ سجنَهُ كانَ منْ ظلمِ النساءِ اللاتي قطّعنَ أيديَهنَّ فيما ليسَ لهُ فيهِ أيُّ طرفٍ منْ ذنبٍ . ولكنَّها الخمرُ كانتْ رفيقةَ الساقي فأنستْهُ أنْ يقومَ بوصيّةِ يوسفَ صاحبِهِ في السجنِ بضعَ سنينَ .

وإلى مَعلمٍ آخرَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .

عطية زاهدة – الخليل – فلسطين

منْ مؤلفاتهِ المنشورة : "أصحاب الكهف والرقيم" ، "هكذا حدّثني القرآن" ، "مَنْ يصِّدّقُ أنَّ الشمسَ لا تضيءُ ؟" ، "اللهيب الشاوي في تأديب الشيخ الشعراوي" ، "الفرجارُ في نقدِ ابنِ جرّار" ، الفرجار في نقدِ الشيخ زغلول النجار" ، "شمسُ عطيّة" ، "أهلُ الكهفِ بينَ العدّةِ والمُدّةِ" ، و"الخليليّات" .

لقراءة المزيد من مقالات عطية زاهدة انقر هنا