الشيخ شعراوي
هلْ تطاول على خليل الرحمن ، عليه السلام ؟
الحلقة الرابعة



يقولُ اللهُ تعالى : "وإذْ قالَ إبراهيمُ : ربِّ أرني كيفَ تحيي الموتى . قالَ : أوَلمْ تؤمنْ ؟ قالَ : بلى ، ولكنْ ليطمئنَّ قلبي . قالَ : فخُذْ أربعةً منَ الطيرِ فصُرْهنَّ إليْكَ ثمَّ اجعلْ على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءاً ثمَّ ادعُهُنَّ يأتينَكَ سعياً واعلمْ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ" (البقرة : 260).

يجهّلُ العلماءَ :

أجلْ ، لقدْ كان للشيخِ "شعراويّ" خواطرُهُ حولَ الآيةِ عاليةِ الذكرِ ، فجــاءَ بفهلويّاتٍ منقطعــةِ النظيرِ ! .. فهاكُم ما يقولُهُ :

"فإبراهيمُ حينما قالَ : أرني كيفَ تحيي الموتى ، جاءَ العلماءُ فقالوا : كيفَ يوجدُ هذا التناقضُ الظاهريُّ في القرآنِ ؟.. فما هوَ هذا التناقضُ؟"..

هنا نجدُ أنَّ الشعراويَّ يتهمُ العلماءَ بأنهم قالوا بوجودِ تناقضٍ ظاهريٍّ .. وما هذا إلّا منْ عندِهِ ؛ فهوَ القائلُ بهِ . وأمّا ما يراهُ منْ سببٍ للتناقضِ الظاهريِّ فها هوَ يحدِّثُكَ عنهُ وكلُّ قصدِهِ هوَ التأكيدُ على وجودِ التناقضِ المزعومِ :

"التناقضُ أنَّ اللهَ يقولُ لإبراهيمَ حينما قالَ لهُ : "أرني كيفَ تحيي الموتى" قالَ له - : "أوَ لمْ تؤمنْ" ؟ فأجابَ إبراهيمُ : "بلى" ، ومعنى "بلى" : آمنتُ . ومعنى آمنتُ هوَ اطمئنانُ القلبِ إلى عقيدةٍ ما بحيثُ لا تطفو العقيدةُ مرّةً أخرى إلى الذهنِ لِتُناقَشَ منْ جديدٍ ، فإنْ طفتِ العقيدةُ إلى الذهنِ لِتُناقَشَ منْ جديدٍ لا يكونُ ذلكَ إيماناً ولا تكونُ عقيدة . يبقى فكرة موضوعِ البحثِ لا تزال قائمة . وما دامَ الاطمئنان غيرَ موجود فما كان يصحُّ لإبراهيمَ أنْ يقولَ جواباً للهِ حينَ قالَ لهُ : "أوَلمْ تؤمنْ؟" ما كانَ - يصحُّ له أنْ يقولَ : "بلى" ؛ لأنَّ الاطمئنان لا يزالُ غيرَ موجودٍ" (محمد متولي الشعراوي ، "المنتخب من تفسير القرآنِ الكريمِ" ، دار العودة ، بيروت ، طبعة أولى ، جزء 2، صفحة41) .

اتهاماتٌ للعلماءِ :

اتهم الشعراويُّ العلماءَ بأنهم همُ القائلونَ بوجودِ التناقضِ الظاهريِّ ، والحقيقةُ أنهُ هوَ القائلُ بهِ . وهوَ ما تظهرُهُ خواطرُهُ حولَ سورةِ النبأ في المرجعِ المشارِ إليْهِ أعلاه .

والعجيبُ أنَّ الشعراويَّ يفسِّرُ سببَ التناقضِ الظاهريِّ بأنَّهُ آتٍ منْ أنَّ معنى الإيمانِ هوَ : الاطمئنان .

حسناً ، إنَّ الشعراويَّ لا غيرَهُ منَ المفسرينَ هوَ الذي جعلَ الاطمئنانَ معنىً للإيمان ؛ فما منْ أحدٍ منهم ذهبَ إلى ذلكَ .

ولا ريبَ أنّ معنى الإيمانِ هوَ : التصديقُ . وهذا المعنى مدرَكٌ بوضوحٍ في لسانِ الناسِ ويمكنُ الاستدلال عليهِ بسهولةٍٍ بالغةٍ ، ولوْ سألتَ تلميذاً عاديّاً في كتاتيبِ الصعيدِ عنْ معنى "الإيمان" لَقالَ لكَ بلا تلـعثمٍ هوَ : التصديق .

وأما العلماءُ جميعاً فالإيمانُ عندهم هوَ : التصديقُ . وفي هذا يقولُ العلّامةُ "ابنُ منظور" في معجم "لسانِ العربِ" : "الإيمانُ هـوَ التصديقُ ، واتفقَ علماءُ اللغةِ وغيرُهم على أنَّ الإيمانَ معناهُ : التصديق" ..

أجلْ ، الإيمانُ هوَ التصديقُ ، وأمَّا الاطمئنانُ فهوَ الاستقرارُ وعدمُ الاضطرابِ : "ومنَ الناسِ مَنْ يعبدُ اللهَ على حرفٍ فإنْ أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بهِ وإنْ أصابتْهُ فتنةٌ انقلبَ على وجهِهِ خسرَ الدنيا والآخرةَ ذلكَ هوَ الخسرانُ المبينُ" (الحج : 11) .. ومن هنا يجوزُ أنْ نصفَ الإيمانَ بأنَّهُ إمَّا : إيمانٌ مطمئنٌّ ، وإمَّا إيمانٌ غيرُ مطمئنٍّ .. والإيمانُ المطمئنُّ هوَ الذي بدرجةِ اليقينِ ، أيْ هوَ الذي انتفى منهُ الارتيابُ والترددُ ، وانتزعَ منهُ الشكُّ . ومنَ البديهيِّ أنَّ وصفَ الشيءِ ليسَ معناهُ .

تطاولٌ على خليل الرحمنِ :

وبالرجوعِ إلى قولِ الشعراويِّ : "وما دامَ الاطمئنان غيرَ موجود فما كان يصحُّ لإبراهيمَ أنْ يقولَ جواباً للهِ حينَ قالَ لهُ : "أوَلمْ تؤمنْ؟" - ما كانَ - يصحُّ له أنْ يقولَ : "بلى" ؛ لأنَّ الاطمئنان لا يزالُ غيرَ موجودٍ" ..

بهذا القولِ يكونُ الشيخُ شعراوي قدْ وضعَ إبراهيمَ عليهِ السلامُ أمامَ ثلاثةِ أمورٍ هيَ :

1- أنّهُ يكذبُ .. وأينَ يكذبُ ؟ .. أمامَ اللهِ تعالى . وعلى مَنْ يكذبُ ؟ .. على اللهِ سبحاَنهُ .

2- أنّهُ عليْهِ السلامُ لا يفقهُ ما يقولُ ، ولا يستوعبُ ما يخاطَبُ بهِ .

3- أنّهُ لا يعرفُ لنفسِهِ مقصداً ولا يدري ما كانَ يريدُهُ .

وأدهى منْ كلِّ هذهِ الأمورِ فإنَّ الشعراويَّ يتّهمُ سيدَنا خليلَ الرحمنِ عليهِ السلامُ بأنَّهُ كانَ يريدُ أنْ يعرفَ "سرَّ الصنعة" ، يريدُ أنْ يعرفَ سرَّ إحياءِ الموتى ، أيْ كما يقولُ الشعراويُّ : "يريدُ أنْ يعملَ إلهاً" .. وما كلُّ هذا إلّا لأنَّ الشعراويَّ قدِ اعتبرَ أنَّ "أرِني" في الآيةِ هيَ بمعنى : علِّمني" . وتلبيسُ معنى "علِّمْني" لِ "أرني" التي في الآيةِ أوصلَ الشعراويَّ أنْ يتهمَ خليلَ الرحمنِ باركَ اللهُ عليهِ بأنَّهُ يريدُ أنْ يتعلَّمَ إحياءَ الموتى فهوَ الذي يقـولُ على لسانِهِ : "بلى ، أعتقدُ أنَّكَ تحيي الموتى ، ولكنْ أنا أريدُ الكيفيّةَ" (المرجع السابق ، جزء 3 صفحة 32 وصفحة 138) .. وهكذا يجعلُ الشعراويُّ خليلَ الرحمنِ : يصرِّحُ للهِ تعالى بأنَّهُ يريدُ الكيفيّةَ بدلاً منْ أنَّهُ يريدُ مشاهدةَ موتى تُبعثُ بأمرِ اللهِ تعالى إلى الحياةِ منْ جديدٍ .

وهكذا جاءَ الشعراويُّ "يتشاطرُ" فانشطرَ !.. قامَ "يتعبقرُ" فانقعرَ !.. ولوْ دقّقتَ في حديثِهِ لَوجدتَ أنّهُ كانَ قدْ طربَ على استعمالِهِ كلمةَ "تطفو" ، وكلمةَ "طفتْ" ، فاسترسلَ واستذكرَ الشعرَ المرسلَ ، وكأنّهُ باستعمالِ هاتيْنِ الكلمتيْنِ قدْ قامِ باكتشافِ "سرِّ الصنعةِ في إحياءِ شعرِ الصلْعةِ" ! .. أليسَ منْ أرادَ التداويَ منْ صلَعٍ يبحثُ عنْ شعراويٍّ مُشَعْرِنٍ !؟

ولا ريبَ أنَّ كلَّ ما في الآيةِ الكريمةِ وَفْقَ ما فهمَهُ المفسرونَ هوَ أنَّ خليلَ الرحمنِ عليْهِ السلامُ قدْ أرادَ أنْ يشاهدَ بعينيْهِ بعضاً منَ الموتى وهم يعودونَ إلى الحياةِ بأمـرِ اللهِ تعالى ، وليسَ فيهِ أنَّهُ كانَ يريدُ أنْ يتعلَّمَ كيفَ يحيي الموتى . وأقربُ وأبسـطُ الأدلّـةِ علــى ذلكَ :

1- هوَ أنَّ اللهَ تعالى قدْ بيّنَ مرادَ إبراهيمَ منْ خلالِ ما أمرَهُ أنْ يفعلَهُ .

2- واستجابةُ إبراهيمَ للقيامِ بفعلِ أمرِ اللهِ تعالى لهُ .

أمْ إنَّ إبراهيمَ لمْ يقمْ بتقطيعِ أربعةٍ منَ الطيرِ ولا بتوزيعِها ثمَّ دعوتِها بسببِ أنَّ هذا لمْ يكنْ مطلوبَهُ منَ الرؤيةِ ، أيْ لأنَّهُ كانَ هوَ يريدُ أنْ يحييَ المـوتى ؟..

تطاولٌ على المفسرينَ واتهاماتٌ وتجهيلاتٌ :

ولمْ يُعفِ الشعراويُّ المفسرينَ منْ تطاولِهِ فهوَ يقولُ فيهم :

(1) " قلنا : إنَّهُ فاتَ المفسرينَ أنَّ الجملةَ جاءتْ على صيغةِ السؤالِ .. صيغة السؤالِ لم تكن : أتُحيي الموتى ؟ ، ولكنْ قالَ : كيف تحيي الموت؟" .. وهنا أسألُ : هلْ قالَ إبراهيمُ : كيف تحيي الموت؟.. أمْ قالَ : "أرني كيفَ تحيي الموتى" ؟.. فما أغربَ هذا الشيخَ في اتهامِهِ للعلماءِ أنّهم فاتَهم أنَّ في الآيةِ سؤالاً ؛ فقولُ إبراهيمَ هوَ طلبٌ ، إبراهيمُ عليه السلامُ طلبَ منْ اللهِ تعالى أنْ يريَهُ موتى يعودونَ للحياةِ ، وليسَ قولُ إبراهيمَ وارداً على صيغةِ السؤالِ والاستفهامِ ، هوَ لمْ يستفهمْ منْ ربِّهِ عنْ كيفيّةِ إحياءِ الموتى ، وإنما طلبَ أنْ يريَهُ إحياءً للموتى . فكيفَ يكونُ قدْ فاتَ المفسرينَ أنَّ قولَ إبراهيمَ قدْ جاءَ على صيغةِ السؤالِ ؟.. فأينَ هوَ السؤالُ الذي فاتَهم ؟..

وأمَّا قولُ اللهِ تعالى : "أوَ لمْ تؤمنْ؟" فهوَ الذي يحملُ سؤالاً استنكاريّاً ، وهذا يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى عالمٌ بإيمانِ إبراهيمَ وعالمٌ بما كانَ يريدُهُ منْ أنْ يطمئنَّ قلبُهُ .

حسناً ، رأى الشعراويُّ أنَّه "فاتَ المفسرينَ - أنْ يعرفوا - أنَّ الجملةَ جاءتْ على صيغةِ السؤالِ" ؛ لأنَّ الثعلبَ "فات فات وفي ذيلِهِ سبعُ لفّات" !

(2) واتهمَ الشعراويُّ العلمـاءَ بأنهم قدْ فهموا الآيةَ هكذا : أرني أتحيي الموتى ؟.. عجيبةٌ !.. مذهِلة !.. آراءٌ مُثْوِمـةٌ مُبْصِلـةٌ !.. يجعلُ إبراهيمَ كأنهُ يستبعدُ قدرةَ اللهِ تعالى على إحياءِ الموتى .

(3) وعندَهُ أنَّ المفسرينَ لا يميزونَ بينَ "الهمزة" وبينَ "كيفَ" .

(4) وعندَهُ أنَّ المفسرينَ لمْ يلحظوا أنَّ "كيفَ" قدْ جاءتْ في الآيةِ .

أجلْ ، هذهِ شعراويّاتٌ عجيبةٌ مذهلةٌ ، فهلْ يقبلُ المسلمونَ أنْ تستمرَّ في تلويثِ عقولِ الأجيالِ ؟ إلى متى يسمحونَ لتهريجاتِ هذا المثرثرِ أنْ تُعتبرَ "عبقرياتٍ وفهلويّاتٍ" ؟.. أما آنَ لهم أنْ يفهموا أنَّ نبشَ كلامِهِ ليسَ نبشاً لعظامِهِ ؟!.. أما آنَ لهم أنْ تطمئنَّ قلوبُهم إلى أنَّهم يروْنَ كيفَ إنَّ آراءَهُ "موتى" ؟.. فأنّى يحيي الأزهرُ هذهِ الآراءَ بعدَ موتِها ؟! .. اللهمَّ اهدِهم ليقولوا : نعلمُ أنَّ الشعراويَّ كانَ على خطاٍ كبيرٍ . وإلّا ، فعليهم كما عليْهِ أوزارُ منِ اعتقدَها حتّى يبدِّلَ اللهُ "الأزهرَ" غيرَ الأزهرِ .. أمْ هلْ تعهّدَ "الأزهرُ" أنْ يكونَ مقاوِلاً مشكّلاً "فقّاسةَ" منافقينَ ؟

عطية زاهدة الخليل فلسطين

منْ مؤلفاتهِ المنشورة : "أصحاب الكهف والرقيم" ، "هكذا حدّثني القرآن" ، "مَنْ يصِّدّقُ أنَّ الشمسَ لا تضيءُ ؟" ، "اللهيب الشاوي في تأديب الشيخ الشعراوي" ، "الفرجارُ في نقدِ ابنِ جرّار" ، الفرجار في نقدِ الشيخ زغلول النجار" ، "شمسُ عطيّة" ، "أهلُ الكهفِ بينَ العدّةِ والمُدّةِ" ، و"الخليليّات" .

لقراءة المزيد من مقالات عطية زاهدة انقر هنا