براهين شمس عطية
 الحلقة الثانية
 

بقلم : عطية زاهدة


في الحلقةِ السابقةِ تعرضنا إلى تحديدِ أنَّ السماءَ التي يقصدُها القرآنُ المجيـدُ هيَ مجـالُ الأرضِ المغناطيسيُّ ، وسُقنا ما يؤيِّدُ رأيَنا هذا . وفي إقامةِ البراهينِ على أنَّ السماءَ هيَ الماغنيتوسفيرُ يتمثّلُ إثباتٌ يدعمُ "شمس عطية" ؛ لأنَّ وجودَ الأدلّةِ على أنَّ السماءَ هيَ كاملُ الماغنيتوسفيرِ هوَ بحدِّ ذاتِهِ برهانٌ على أنَّ طبقَهُ الأسفلَ المسمّى : "الأيونوسفير" ، هوَ السماءُ الدنيا التي بيّنَ ربُّ العالمينَ سبحانَهُ وتعالى أنَّها محـلُّ المصابيحِ ومنطلقُ الشهبِ : "ولقدْ زيّنا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلْناها رُجوماً للشياطينِ" (الملك : 5) .

حسناً ، ففي السماءِ الدنيا توجدُ المصابيحُ التي تنيرُ الأرضَ ، وتوجدُ الشهبُ التي هيَ حفظٌ ضدَّ محاولاتِ النفاذِ . ولمّا كانتِ المصابيحُ المذكورةُ في الآيةِ الكريمةِ غيرَ مقيّدةٍ بوقتٍ ، لا بالليلِ وحدَه ، ولا بالنهارِ وحـدَهُ ، فإنَّها تكونُ مقصودةً على مدارِ الساعةِ ، أيْ إنَّ الأوْلى بها أنَّها هيَ المصابيحُ التي يصدرُ منها ضياءُ النهارِ ، ولا ريبَ أنَّ سماءَ النهـارِ تكتسي ثوباً منَ الضياءِ البهيجِ تتزيّنُ بهِ وتتجمّلُ للناظرينَ ، ولا ريبَ أنَّ وقتَ النهارِ أفضلُ للنظرِ لأنَّهُ مُسفرُ الضياءِ ، ولأنَّهُ عادةً وقـتُ السعيِ لا النومِ ، وبالتالي ، فإنَّ ضياءَ قرصِ الشمسِ المتجلّي هوَ في أصلِهِ قادمٌ منْ مصابيحَ موجودةٍ في السماءِ الدنيا التي هيَ بنفسِها حيّزُ انطلاقِ الشهبِ .

حسناً ، فاستناداً إلى قولِ اللهِ تعالى : "ولقدْ زيّنا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلْناها رُجوماً للشياطينِ" فإنَّ المصابيحَ تكونُ موجودةً فـي الحيّزِ السماويِّ الذي تنطلقُ فيهِ الشهبُ ، والمقصودُ هنا منَ الشهبِ هوَ : السهامُ الناريّةُ المنقضّةُ التي تظهرُ في صفحةِ السمـاءِ بشكلٍ ثاقبٍ خاطفٍ كأنَّها قذائفُ موجّهةٌ . ولمّا كانَ منَ الثابتِ علميّاً أنَّ هذا النوعَ منَ الشهبِ الثاقبةِ الخاطفةِ لا يظهرُ إلّا في الأيونوسفير ، وخاصّةً دونَ ارتفاعِ 200 كم ، فإنَّ هذا الأيونوسفيرَ هوَ أيضاً محلُّ المصابيحِ التي تولِّدُ ضياءَ النهارِ .

اختصاراً ، تُظهرُ الآيةُ : "ولقدْ زيّنا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعلْناها رجوماً للشياطينِ" أنَّ السماءَ الدنيا هيَ موطنُ المصابيحِ ومسكنُ الشهبِ ، ولمّا كانَ الأيونوسفيرُ هوَ منطلقَ الشهبِ ، فإنَّ المصابيحَ أيضاً لا بدَّ موجودةٌ فيهِ ، أيْ لا بدَّ أنَّ "الأيونوسفيرَ" هوَ مكانُ توليدِ الضياءِ المسفرِ في النهارِ ، والمُغطَشِ في الليلِ ، أيْ هوَ مكانُ "فلقِ الإصباحِ" .. فهلْ يشكِّلُ "الأيونوسفيرُ" مصابيحَ مصدراتٍ للضياءِ على مدارِ الساعةِ ؟ .. سنتحدّثُ عنْ هذهِ القدرةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى في حلقةٍ قادمةٍ ، ولكن دعْنا نتعرّفْ على الماغنيتوسفير باعتبارِهِ السماءَ .

ما هوَ الماغنيتوسفير ؟

هو مجالُ الأرضِِ المغناطيسيُّ ، هوَ الحقلُ والنطاقُ المحيطُ بالأرضِ حيثُ تصلُ آثارُها المغناطيسيةُ. ومنْ أجلِ تبسيطِ الأمورِ والتسهيلِ يمكنُ أنْ نعتبرَ أنّهُ بجميعِ طبقاتِهِ ، بما فيها الأيونوسفيرُ وأحـزمةُ "فان ألن" ، يُسمّى : "الماغنيتوسفير" magnetosphere (المُكَوّرة المغناطيسيّة) . وترتفعُ نهايةُ الماغنيتوسفير في الجهةِ النهاريةِ في المعدّلِ نحوَ 65000 كيلومتر ، قدْ تزدادُ وقدْ تنقصُ وَفْقَ ظروفٍ وعواملَ كثيرةٍ أهمُّها الريحُ الشمسيّةُ والمجالُ المغناطيسيُّ بينَ الكواكبيٍّ :

Interplanetary magnetic field

وجميعُ طباقِ الماغنيتوسفير ، ومنها "أحزمةُ فانْ ألِنْ" ، مبنيّةٌ منْ خطوطِ القوةِ المغناطيسيةِ التي هيَ عندي عَمَـدُ السماءِ ، تلكَ العَمَدُ غيرُ المرئيّةِ التي ترفعُ السماءَ بناءً ذا سَمْكٍ مُسَوّىً بإحكامٍ ونظامٍ عجيبٍ ، وهيَ عَمَدٌ ذاتُ شدّةٍ وانجدالٍ مريرِ الحَبْكِ كأنَّها حبالٌ لولبيةٌ قدْ أُجيدَ فتلُ قُواها strands ، وهيَ عَمَدٌ مؤهلةٌ أيضاً أنْ تُكَوِّنَ أسباباً حِبالاً كأنَّها "الكوابلُ" cables تنتصبُ في نظامٍ محكمٍ تجري فيهِ تيّاراتٌ كهربائيّةٌ عظيمةٌ ذاتُ مساراتٍ تكادُ تكونُ محدّدةً ، وهيَ عمدٌ مؤهلةٌ أيضاً أنْ يتشكلَ منها أنابيبُ tubes كأنَّها المواسيرُ تنتقلُ عَبْـرَها دُفوقٌ منَ البلازما plasma ، والبلازما هنا هيَ غازٌ منَ الجسيماتِ والأيوناتِ المشحونةِ كهربائيّاً .

ومنِ الممكنِ والمفيدِ أنْ نتصوّرَ خطوطَ القوةِ المغناطيسيةِ كأسلاكٍ ، وأنَّها يمكنُ أنْ تنتظمَ أيضاً في صفائحَ . وإنَّ تصوُّرَها كخطوطٍ وهميّةٍ لَهوَ منَ البلاهةِ الكبيرةِ .

وأمَّا الجزءُ الليليُّ مِنَ الماغنيتوسفيرِ فهوَ إجمالاً ذو طبقاتٍ مشابهةٍ للتي في القسمِ النهاريِّ ، ذاتِ خطوطٍ مغناطيسيةٍ منغلقةٍ closed ، ما عدا الخارجيةَ منها ؛ إذْ هيَ ذاتُ ذيلٍ من فصّيْنِ lobes ، أو جديلتيْنِ منْ خيوطِ و"أسلاكِ" خطوطِ القوّةِ المغناطيسيةِ المفتوحةِ open ، أيْ كأنَّ خطَّ القوّةِ فيها قدْ صارَ "مقصوصاً مقطوعاً" منْ وسطِهِ . وهذا الذيلُ المائسُ ذو الجديلتيْنِ يترامى ويمتدُّ في فضاءِ الكـونِ إلى ملايينِ الكيلومترات ، وبسببٍ منْ وجودهِ خلفَ الأرضِ فكأنَّما هيَ بهِ في الفضاءِ منَ المذنّباتِ . وفي هذا الذيلِ كمياتٌ هائلةٌ منَ البلازما، وخاصةً تلكَ التي فـي المخــروطِ المســمَّى : "الصفيحة البلازمية" plasma sheet ، فهوَ مستودعٌ لها هائلُ الضخامةِ ، وكأنَّ هذا المخروطَ بمحتواهُ البلازميِّ ، وبوجودِ صفيحةٍ متعـادلةٍ بينَ نصفيْهِ ، عبارةٌ عنْ مكثّفٍ كهربائيٍّ علويٍّ .

ويتعرَّضُ الماغنيتوسفيرُ منْ فوقِهِ إلى الطرقِ بالصـدماتِ منْ فعــلِ اصطـدامِ "الريح الشمسية" بـهِ . وهذهِ الريحُ الشمسيةُ solar wind هيَ عبارةٌ عنْ موجٍ مغناطيسيٍّ مكهربٍ يحملُ جسيماتٍ مشحونةً ، وهوَ موجٌ متتابعٌ مستمرٌ محمولٌ في المجالِ المغناطيسيِّ الشمسيِّ دائمِ التغيُّرِ والاضطرابِ . وتصدمُ الريحُ الشمسيةُ ظَهْرَ الماغنيتوسفيرِ بسرعةٍ عظيمةٍ تتجاوزُ الستمائةَ كيلومترٍ في الثانيةِ صدماً منْ بعدِ صدمٍ ، وقدْ تشتدُّ سرعتُها وتزيدُ على ألفَيْ كيلومتر في الثانيةِ . وتحتَ تأثيرِ الريحِ الشمسيةِ وطَرْقِها الصادمِ ، فإنَّ الماغنيتوسفيرَ يعملُ مثلَ مشكاةِ المخضِ فهوَ في مثلِ حركاتِ التنفسِ منْ شهيقٍ وزفيرٍ ، فهوَ يتمددُ وينكمشُ على الدوامِ ، كأنّما يتنـفَّـسُ ، أوْ كأنَّما هوَ مثلُ "الأوكورديون" تحتَ العزفِ .

وبالنسبةِ لطباقِ الماغنيتوسفيرِ ، ومنْ ضمنِها الأيونوسفيرُ وأحزمةُ "فانْ ألِنْ" ، فإنَّها بمجموعِها تمثِّلُ نظاماً ضــوئيّاً كهربائيّاً يوجدُ فيـهِ : دينامـــــــــو توليـدٍ كهربــائيٍّ ، ومكثّفٌ مـُوســِعٌ capacitor ، ومِحَثٌّ inductor وأنبــوبٌ لاصــفٌ ، .. و... الخ ؛ فلكلِّ طبقٍ أمرُهُ ودورُهُ : "فقضاهُنَّ سبعَ سماواتٍ في يوميْنِ وأوحى في كلِّ سماءٍ أمرَها وزيّنا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وحفظاً ذلكَ تقديرُ العزيزِ العليمِ" (فصِّلت : 12). أجلْ ، فكلُّ طبقٍ منْ طباقِ الماغنيتوسفيرِ لهُ وظيفةٌ ، أوْ مجموعةُ وظائفَ ، هيَ أمرُهُ ودورُهُ .

ويكفي هنا أنْْ نشيرَ إلى أنَّ الأيونوسفيرَ يمثّلُ مصباحاً منْ نوعِ الأنبوبِ اللاصفِ fluorescent على شاكلةِ الذي يسمّيهِ الناسُ "أنبوب النيون" ، أو : "مصباح النيون" .. وهوَ في العادةِ الغالبةِ أسطوانيُّ الشكلِ ، وأنْ نشيرَ أيضاً إلى أنَّ أحزمةَ "فان ألن" يمكنُ أن تقومَ بدورِ المكثِّفِ capacitor.

أجلْ ، فالسماءُ الدنيا ، الأيونوسفيرُ ، هيَ أمُّ المصابيحِ والشهبِ ؛ إذْ هيَ التي تقومُ بتوليدِ الضوءِ ، مُسفراً مبْصِراً في النهارِ ومُغطَشاً في الليلِ كأنَّهُ نورُ "النَّواسةِ السّهارةِ" ، ومنَ السماءِ الدنيا نفسِها تنطلقُ الشهبُ ثاقبةً خاطفةً محتذيةً بخطوطِ القوةِ المغناطيسيّةِ :

. field-aligned

وفي توصيفِ طباقِ الماغنيتوسفيرِ لا بدَّ أنْ تُنشِّطَ وتشغِّلَ التصوًّراتِ والتشبيهاتِ حتّى تستطيعَ أنْ تكوِّنَ عنها في ذهنكِ نموذجاً مجسَّماً مُعيناً للفهمِ ، فالحديثُ عنها ليسَ تفرُّجاً ولا مشاهدةً لبنيانٍ ذي طبقاتٍ تنظُرُها العينُ . ونصيحتي لكَ أنْ تجتهدَ للفهمِ والتخيّلِ بعقلٍ هوَ لكَ ، فها هيَ المعلوماتُ الضروريّةُ بينَ يديْكَ كما هيَ في ذاكرةِ أهلِ الاختصاصِ ، ومـا حكَّ عقلَكَ مثـلُ فكرِكَ ، فتولَّ أنتَ جميعَ فهمِكَ ، ولا تنتظِرْ فهماً مستورَداً منْ غيرِكَ ، فذلكَ هوَ العجزُ المبين ، فدَعْكَ منَ الفهمِ المستعارِ . واعلمْ أنَّ مرورَ المعلوماتِ بكَ لأولِ مرّةٍ لا يعني بالضرورةِ أنَّ مَنْ علمَها مـِنْ قبلِكَ هوَ أفهمُ لها ، ومنَ العارِ أنْ لا تكونَ للفهمِ المستقلِّ محاولاً .

لقراءة المزيد من مقالات عطية زاهدة انقر هنا