ع المكشوف
يكتبها : سمير عبيد
كاتب عراقي مقيم في اوروبا

samiroff@hotmail.com


أطنان المتفجرات العراقية المفقودة
 بارود الحرب الأهلية التي تريدها إسرائيل!


تعالت وتتعالى حوارات القلق بين صفوف العراقيين والمتابعين والصحفيين، وفي أروقة الأمم المتحدة، ووكالة الطاقة الدولية، وفي أروقة جميع المنظمات الإنسانية، وكذلك في أروقة بعض الحكومات الأوربية والعربية والإقليمية، وخصوصا الدول المجاورة للعراق، وكذلك تفاعل وسائل الإعلام المختلفة حول الحدث، فلقد خصصت إحدى شبكات التلفزة الأميركية، وضمن برنامج ( ستون دقيقة) الشهير حلقة خاصة تتضمن تحليلا حول اختفاء أربعمائة طن من المتفجرات العراقية وذلك في 4/11/2004.

نعم لقد تم اختفاء (400) طنا من المواد شديدة الانفجار، وتحديدا من موقع (القعقاع) العراقي، والتي اختفت بقدرة قادر، علما أنها تحتاج إلى (40) شاحنة كي تنقلها من مكان تواجدها، وحسب قول مصدر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية!...

ولم نلحظ من الجانب الأميركي ذلك الاهتمام والتحري، بل ما نلاحظه هي تصريحات التسويف والكذب والخداع والهروب من الحقيقة، خصوصا وأن بين المتفجرات المسروقة مادة( HMX) المستخدمة في التصنيع النووي، وهي شبيهة بعجينة الصلصال، ويمكن تشكيلها وتغليف يورانيوم القنبلة النووية بها، ولكن البيت الأبيض يراوغ حيث أعلن المتحدث الخاص بالبيت الأبيض ــ سكوت ماكليلان ــ في 1/11/2004 ( أن المتفجرات المختفية قد تكون دمرت من قبل الجنود أميركيين) وقال ذلك في مؤتمر صحفي في ولاية نيو هامشر، ووزارة الدفاع ( البنتاغون) وحسب سجلها الماكر، فقد أعلن المتحدث باسم الوزارة ــ لورانس ديريتا ــ في مؤتمر صحفي في 1/11/2004 قائلا ( أن القوات الأميركية قامت بالاستيلاء على 250 طنا من المتفجرات في موقع القعقاع ودمرتها في 13/4/2003 ولم يتطرق إلى مادة ( هامكس) الخطيرة والتي تستخدم نوويا، بل تكلم عن مادة ( ردكس) وقال هناك مادة من هذا النوع تم نقلها، وبمراوغة مكشوفة، وتهرب مفضوح، قدم للصحفيين الميجور ــ أوستن بيرسوت ــ الذي ذكر أن وحدته العسكرية قامت بنقل 250 طنا من أل ( تي أن تي) ومتفجرات بالستية ومواد اشعالها، وفسفور أبيض في 13/4/2003، وقال نحن لم نر أختام وكالة الطاقة الذرية) حينها أمتعض الجميع، وعلق المراقبون وقالوا ( أنها محاولة فاشلة وساذجة لإنقاذ ماء الوجه، حيث صور الأقمار الصناعية، تظهر عملية دخول القوات الأميركية لموقع القعقاع، وتظهر أختام الوكالة الدولية واضحة للعيان، وظهور صور القوات الأميركية وهم يقومون بكسر الصناديق وإزالة الأختام )، وكذلك لم نر ذلك الأهتمام من الحكومة العراقية المؤقتة في العراق، وكأن الأمر لا يعنيها، وما خرج منها هي مجرد تصريحات باهته توحي بأنها غير معنية من جهة، وتوحي أنها تغطي على طرف ما له دور في عملية اختفاء تلك الأطنان من المتفجرات من جهة أخرى، وفي جانب آخر من تصريحاتها تتسم بالتناقض مع التصريحات الأميركية، حيث قال وزير التكنلوجيا العراقي ــ رشاد مندان عمرــ الى هيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي) في 17/10/2004 ( أن المرافق النووية العراقية قد تم تأمينها بشكل ملائم منذ وقوع أعمال النهب الواسعة التي أعقبت الغزو)، وهنا نسأل الوزير: إذن أين اختفت المتفجرات يا سيادة الوزير، ومن هي الجهة التي أمنّت حراسة تلك المرافق؟ فأن الشعب العراقي وجميع من يعنيهم الأمر بحاجة لتوجيه السؤال إلى الجهة التي تقول أمنت المرافق العراقية؟.

فالجانب الأميركي مثلا كان يصر أن النظام العراقي هو المسئول عن عملية إخفائها، ولكن بعد أن ضغط المرشح الديموقراطي للانتخابات الأميركية السناتور( كيري)، وخصوصا عندما أتهم الرئيس بوش بالخداع والغباء وعدم الاكتراث، اعترفوا وقالوا ربما دمرتها القوات الأميركية أثناء الاجتياح دون علمها، ودون أن تنتبه لأختام الوكالة الدولية، وهذا ما تفنده الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصور الأقمار الصناعية التي أظهرت الجنود الأميركان وهم يفتحون الصناديق وهناك صور أختام الوكالة بادية للعيان بشكل واضح، وحسب التصريحات التي وردت في بداية المقال.

هل ستكون تلك المتفجرات تهمة مؤجلة ضد دول ما.. وهل لها علاقة بمعارك المدن الجارية في العراق؟

تشعر صحيفة ( نيويورك تايمز) الأميركية بالقلق من عملية اختفاء تلك الأطنان من المتفجرات، خصوصا وهي التي كشفت سر اختفاء تلك المتفجرات في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث تقول ( أن كثير من الخبراء الأميركيين يخشون أن تستخدم تلك المتفجرات في هجمات على القوات الأميركية والعراقية قبل الانتخابات)، ورغم تفنيد ذلك من قبل وكالة الطاقة الدولية عندما قالوا ( سيحتاج نقلها إلى أربعين شاحنة وهذا غير ممكن من طرف المقاومة العراقية)، وقال مصدر غربي قريب من وكالة الطاقة الدولية متهكما ( أنه من الصعب فهم سبب عدم قيام الجيش الأميركي بتأمين منشأة القعقاع)، نستطيع أن نمسك طرف الخيط من عبارة( في هجمات على القوات الأميركية والعراقية قبل الانتخابات) ونضع خط أحمر تحت كلمة ( الانتخابات) ونربطها مع تصريحات رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال ــ مايرز ــ عندما قال ( أتوقع حدوث حرب أهلية بعد الانتخابات)، ومع تصريحات الجنرال ــ جون أبي زيد ــ عندما قال أشك في حدوث الانتخابات في موعدها المقرر، وكذلك تصريحات وزير الدفاع العراقي حازم الشعلان الذي شكك هو الآخر، وكذلك قال البريجادير جنرال ــ أرف سيل ــ نائب مدير العمليات في العراق في مقابلة لرويترز ( الأمن لن يكون مثاليا في الانتخابات العراقية)، وطلب الأكراد وبعض الأحزاب العراقية تأجيل الانتخابات هو الأخر مؤشر خطير، وصراع بين من يخطط لحرب أهلية في العراق، كي يتحول العراق إلى كيانات متناحرة، وهذا يصب في المشروع الإسرائيلي المتداخل مع المشروع الأميركي الذي يريد الانتخابات، وفوز جماعة أميركا بها كي يبقى ويستمر بقاء المشروع الأميركي التي تريد الانطلاق به إلى الدول الأخرى في المنطقة، ومن ثم إنقاذ ماء وجه الرئيس الأميركي، وكذلك قد يكون صحيحا أن قسم من المتفجرات وقعت بيد المقاومة العراقية، فيا ترى هل هو سر هذه الحرب الشرسة من قبل القوات الأميركية على مدينة ( الفلوجة) وبعض المناطق السنيّة، والتي كانت امتداد حقيقي للنظام السابق، فيبدو الأمر فيه نوع من الصحة، خصوصا وأن العمليات أخذت طابعا آخر، وهو طابع التفتيش من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، ومن قبو إلى آخر، ومن سطح إلى سطح، ولازال سكان الفلوجة لا يسمح لهم بالدخول للمدينة لحد الآن، والذي تصاحب مع تصريحات الحكومة العراقية التي قالت وجدنا مختبرا لتصنيع الأسلحة الكيماوية والمتفجرات، والتي هزأ منها رئيس المفتشين السيد ــ بليكس ـــ قائلا ( أني مندهش لما يقوله بعض المسئولين العراقيين عن كشف مختبر لتصنيع قنابل كيماوية في منزل بالفلوجة..وقال أني أشكك في صحة المعلومات) وأكد ذلك في مناقشة بجامعة ــ أكسفوردــ بتاريخ 26/11/2004، والطامة الكبرى يصر وزير الأمن العراقي ( قاسم داود) أن هذا المختبر يصنع الجمرة الخبيثة، و دون الإطلاع على المختبر، ودون علم بكيفية أنتاج الجمرة الخبيثة أصلا!.

فيا ترى هل هو مجرد إيحاء بأنهم جادون في عمليات التفتيش المبطنة تحت الهجوم على المسلحين والمقاومين؟

أم أن القضية فيها صحة، وورطة مصحوبة بالخوف والهلع من قبل القوات الأميركية من القسم الذي وقع بيد المقاومين من هذه المواد المتفجرة؟

ولكن يبقى الظن في محله والذي يقول أن هناك دورا إسرائيليا في قضية اختفاء المواد المتفجرة، وهذا ما لمحت به وكالة الطاقة الذرية إلى صحيفة الخليج الإماراتية في 2/11/2004 عندما سربت معلومات( أن هناك دورا إسرائيليا في نقل المتفجرات، وتؤكد الوكالة أن وجود 342 طن من المتفجرات كانت موجوده في موقع القعقاع لدى دخول القوات الأميركية) وأردف مصدر من وكالة الطاقة الذرية بتصريح خطير يدمغ المراوغة الأميركية عندما قال ( أن وكالة الطاقة الذرية ومجلس الأمن والجانب الأميركي لديهم تقارير واضحة وتفصيلية تثبت وجود المتفجرات في موقع القعقاع)... ورغم هذه الشهادات المثبتة بشكل رسمي وقانوني من جهة، ورغم الطروحات والفرضيات المنطقية حول مسألة اختفاء المتفجرات من جهة أخرى، تبقى أطراف الإدارة الأميركية تراوغ من جهة، وتصّدر التهم من جهة أخرى، حيث قالت وزارة الدفاع الأميركية ( البنتاغون) وبكل صلافة، ودون تقديم الدليل ( أن المتفجرات تسربت إلى سوريا أو إيران أو لبنان) وهنا تريد الولايات المتحدة الأميركية وضع تهمة خطيرة وجاهزة على الرف ستستعملها ضد الأطراف المشار اليها بشكل جماعي، أو كل طرف على حدة، وحسب معرفة وسخونة الجبهة التي يراد تسخينها، فيا ترى هل قضية الباخرة التي ترفع العلم اللبناني، والتي كانت تنقل مئة طن من المتفجرات، والتي توزعت في 20 مستودعا( حسب ما نشر في صحيفة الحياة ليوم 26/11/204) والتي حجزتها سلطات ( هندوراس) ستصب في هذا الملف، أو ستجيّر لصالح التهرب من الحقيقة العراقية، خصوصا عندما قرأنا أن القبطان ( فتحي يوسف) مصريا، ومساعداه سوري وسوداني، فهل هذه الخطوات عملية إحياء لسفينة الأسلحة التي قبطانها كان مصريا، والتي تم القبض عليها في عرض البحر قبل سنوات، واتهموا في حينها حزب الله بتهريب الأسلحة للفلسطينيين؟.. كل شيء جائز حيث نحن نعيش في عالم القطب الأميركي الذي لا يقبل أن يُرد كلامه، أو يُرد اتهامه للآخرين، حيث كلامه منزّل وتهمته قرينه ثابتة!!.

ولكن هناك مصادر عراقية وغير عراقية تؤكد أن هناك دورا كرديا في عملية نقل المتفجرات نحو إسرائيل، وأن كاتب المقال كان في العراق بُعيد سقوط النظام، وشاهد عملية تفكيك المنشآت العراقية بشكل كامل وبأوامر من الجنرال ــ جي غارنر ــ وبعض قادة الأحزاب الكردية، وتم شحنها بشاحنات كبيرة صوب البصرة حيث ترسوا البواخر هناك، وكذلك نحو شمال العراق بشاحنات عملاقة، وكان أسلوب حمل المواد كالآتي ( يأتي سائق الشاحنة العراقي أو العربي الى باب المنشأة العسكرية، فيتم تبديله بسائق من القوات الأميركية، كي يتم قيادة الشاحنة داخل المنشأة مع حجز سائقها الأصلي في باب المنشأة، وعند حمولتها بصناديق عملاقة ومقفلة تسلـّم عند باب المنشأة للسائق العراقي أو العربي الأصلي ثم يقودها، وهناك السيارات والعربات الأميركية أمامه وخلفه حيث التوجه صوب البصرة أو شمال العراق ومنها توجهت صوب الأردن، وهذا ما حدث أيضا اتجاه مستودعات الأسلحة والأعتدة والمطارات والمخازن العراقية، حيث شاهدنا الطائرات الحربية وهي تُسحب لمنطقة كردستان، وقسم منها تم تحميله على شاحنات ذهبت صوب الأردن، والمياه الإقليمية في جنوب العراق، حيث السفن الراسية هناك، ولم تسلم من تلك القرصنة حتى أسلاك الكهرباء والهاتف وأعمدتها، والتي تم شحنها صوب كردستان وإيران) فيا ترى هل هو هذا التفاهم الذي كان جاريا بين اميركا وإيران، والذي قال عنه مرشد الجمهورية الإسلامية ــ خامنئي ــ إن أميركا نقضت الاتفاق يصب في هذا الملف مثلا؟، وجاء التصريح قبل أيام قليلة من الآن!.

قلق دولي حول اختفاء المتفجرات!!

لازال القلق الدولي مستمرا، وعلى مستوى الدول والمنظمات والأفراد، فالإتحاد الروسي مثلا طالب مجلس الأمن أن يتحرك كي تُطرح قضية اختفاء 400 طن من المتفجرات التابعة للتصنيع العسكري في العراق للمناقشة والتداول، حيث طالب السيد ــ أندريه دينيسوف ــ مندوب روسيا الأتحاية لدى الأمم المتحدة مجلس الأمن أن يناقش مسألة المتفجرات المفقودة.

ومن جانبه صرح مساعد وزير الخارجية الأميركي ــ أرميتاج ــ وقال ( أن المتفجرات المفقودة خلقت وضعا خطيرا) وجاء ذلك قبل العمليات ضد مدينة الفلوجة، فيا ترى هل كانت أحداث الفلوجة جزء من ملف المتفجرات المفقودة؟

ولكن الولايات المتحدة الأميركية كعادتها في تطبيق العصا دون اللجوء للجزرة، وكعادتها في أسلوبها المتغطرس والمتفرّد في الوضع العراقي، جاء تصريح مندوبها في الأمم المتحدة، ولكي يقطع الطريق على الأمم المتحدة، ووكالة الطاقة الذرية، والإتحاد الروسي، والأطراف الأخرى، عندما قال ( يجب أن تكلف قوة مسح بقيادة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ( سي أي أيه) وهنا مؤشر آخر أن هناك ملفا يراد صياغته كي يتهم طرف دولي أو محلي بعملية اختفاء المتفجرات العراقية، أو اتهام طرف سياسي عراقي يراد التخلص منه.

وتستمر اللعبة التي تدار على حساب العراق والعراقيين، ويستمر مسلسل تفكيك واضمحلال الدولة العراقية، لتحل محلها الدولة المريضة، والتي تشكو المرض في جميع أوصالها، و يريدون من خلال ذلك إجبار ذوي المريض على التوقيع الذي يقر ببتر أعضاء هذا الجسد المريض بحجة المحافظة على الجزء السليم أو الطرف الصاحي... وفي الجانب الآخر يريدون استمرار حكومة الحمل السابع بالاستمرار، بل يريدونها نهجا وقالبا قابل للتصدير، فعلا ولدت في لبنان حكومة الحمل السابع أيضا، والتي لا يُعرف ماذا يجري بعدها هناك، وربما ستولد حكومة حمل سابع في فلسطين!.

إلى متى تبقى دولنا وشعوبنا مختبر تجارب للسياسات والصرعات الأميركية؟

ومتى نتمكن من قول ــ لا ــ لأميركا، أو نفاجىء الولايات المتحدة الأميركية بولادة تجارب سياسية من وحي أفكارنا ،وتلائم بيئاتنا ومجتمعاتنا؟

ونعود لصلب موضوعنا... لنقول:

يا ترى هل للمتفجرات المختفية علاقة بما نلاحظه من عمليات تفجيرية مخيفة لا تنم عن أخلاق العراقيين ودينهم، بل حتى المقاومة العراقية تبرأت منها، لأنها تستهدف المدنيين والـأطفال والتجمعات السكانية، وهذا ينافي مبادىء رجال المقاومة الحقيقيين، ويقينا هي من فعل الخلايا الوافدة من مخابرات دول الجوار، ومن الخلايا المرتزقة التي جلبتها قوات الاحتلال والموساد للعراق، ومن بعض خلايا الأحزاب العراقية التي أصبح نهجها التدمير والقتل والتفجير، وحسب أملاءات خارجية، ولكسب مكاسب شخصية وحزبية...!.

وهل ستقتل تلك المتفجرات الشعب العراقي قبيل الانتخابات المزمع إجراءها وبعدها للوصول إلى الحرب الأهلية التي يبشرون بها؟

لا ينجي الشعب العراقي إلا الشروع فورا ببرنامج وطني وتثقيفي، وكذلك ديني من قبل النخب الوطنية الشريفة، والتي لم تقبل الاحتلال، ومن شيعة وسنة ومسيحيين وصابئة ويزيديين وغيرهم، وكذلك من قبل شرفاء العرب والأكراد والتركمان، كي يتنور المواطن العراقي ولا يقع في الحرب الأهلية والطائفية التي يبشرون بها، فالوقت من ذهب!.

ونسأل الله إنقاذ العراق والعراقيين من المخططات التي يريد هؤلاء تطبيقها في هذا البلد العظيم!.

لقراءة المقالات السابقة لسمير عبيد انقر هنا