ع المكشوف
يكتبها : سمير عبيد
كاتب عراقي مقيم في اوروبا

samiroff@hotmail.com


يا للهول..( مصير العراق بين جهنم السيستاني ومعصية الصميدعي؟)


صُدمنا فعلا عندما سمعنا وقرأنا كلام ممثل سماحة أية الله السيد السيستاني، والمقرب جدا من السيستاني، بل يمكن أن يُقال هو الشخص المخول بالتحدث عن السيستاني في عموم العراق، وهو السيد الصافي الذي يشغل صفة وكيل السيستاني المقرّب، والذي يمتلك علاقات خاصة جدا مع الكويت والطرف البريطاني!.

فلقد قال الرجل ( من لا يشارك في الانتخابات القادمة فمصيره نار جهنم!!) وبذلك نقل كلام سماحة السيد السيستاني للعراقيين، وجاء بعده بيوم واحد آية الله الحائري بالكلام نفسه، فصُدمنا من الرد الذي جاء من الطائفة السنيّة في العراق، وعلى لسان أحد كبار رجال الدين فيها، وهو الشيخ الصميدعي عندما قال ( المشاركة في الانتخابات معصيّة)، نعتقد القضية ليست مبارزة شخصية، وبهذا أصبح العراقي على مفترق طرق من الناحية الشرعية!.

ولكن باعتقادنا، وبعد صدور هذه التوصيات أو الفتاوى عادت المسألة إلى عقل وقلب الفرد العراقي، حيث وجب عليه الآن التفكّر بالعراق، ومصير مستقبل العراق، وشعب العراق، وكيف سيكون مستقبل الأجيال العراقية، ومن ثم يجب على الفرد العراقي أن يقرأ الساحة جيدا، ويراقب عملية أعداد قوائم الانتخابات التي هيمنت عليها المجموعات المدعومة من السيستاني والحكومة والأميركان، ومن ثم عليه أن يتنبأ من سيفوز في هذه الانتخابات، والتي فيها أصبح التنبؤ سهلا جدا، خصوصا عندما نعود ونتذكر نتائج الانتخابات الأفغانية، وفوز الرئيس كرزاي، وتمثيلية انسحاب المرشحين قبيل عمليات الاقتراع بيوم واحد، وكلنا يعرف أن الموضوع الأفغاني مرتبط ارتباطا مباشرا بالموضوع العراقي، فما يحصل هناك سيحصل في العراق، والاثنان تحركهما الأصابع الأميركية، وليست الأصابع الأفغانية أو العراقية.

ونتيجة هذه الأقوال أو الفتاوى المتضاربة، والتي ساقتها المصالح الشخصية والفئوية، وليست المصالح الدينية أو الوطنية على الإطلاق، سيبرز تيارا شعبيا عراقيا كبيرا جدا، وسيقف بين جهنم السيستاني ومعصية الصميدعي، فماذا سيكون جزاءه بنظر السيستاني والصميدعي، أي لن يلتزم هذا التيار بما تقوله مكاتب السيستاني، ولا الذي تقوله مكاتب الصميدعي، فهل سيكون مصير هذا التيار العذاب بالثلج، أم سيكون مصيره المعصيّة المخففة؟

باعتقادنا والذي يشاركنا فيه ملايين الناس أن هؤلاء أساءوا إلى أنفسهم أولا، ومن ثم أساءوا إلى الطائفة الشيعية والسنية معا، وبالتالي أساؤوا إلى الدين الإسلامي، وأغضبوا ملايين المسلمين وخصوصا في هذا الشهر الفضيل، فالقضية ليست مبارزة بين خصمين، وليست القضية اختلاف على صحن من الرز واللحمة، فهل اللحمة حرام أم حلال، القضية قضية وطن محتل احتلالا كولونياليا، وشعب يُذبح يوميا من قبل قوات الاحتلال، والحكومة التي نصبها الاحتلال، وضياع تام لكيان الدولة العراقية، وضياع تام لمستقبل الأجيال العراقية، لذا ففتوى السيستاني تكرّس وتخدم الاحتلال، وستسلط نفس المجموعات على رقاب الشعب العراقي لأبد الآبدين، بل قدم السيد السيستاني بهذه الفتوى خدمة عظيمة جدا لقوات الاحتلال، وللولايات المتحدة الأميركية، وللمجاميع العراقية التي رعتها وترعاها الولايات المتحدة الأميركية، ومن الجانب الآخر فالصميدعي قال أنها معصية، ولكنه لم يقدم البديل أو البرنامج الذي يفيد الشعب العراقي، أو قدم قائمة عراقية مشتركة، ومن جميع المذاهب والطوائف العراقية لتكون بديلا، أو كشف برنامجا عملاقا سيوقف من خلاله عملية الانتخابات المهزلة، أو يجعل نتائجها غير التي تريدها أميركا، خصوصا والانتخابات العراقية عُرفت نتائجها قبل حدوثها من الآن، لذا فالطرف الأول والثاني لا يمتلك الحق الشرعي، ولا الوطني من سوق المواطن العراقي إلى مستقبل مجهول بالحالتين، فما يحدث انتقاص فضيع في قضية حقوق الإنسان، وانتقاص فضيع من فكر وعقل المواطن العراقي، أي بفتوى الطرفين سيتحول العراقيين إلى قطيع لا عقل لهم ولا فكر لهم يساقون إلى مصير مجهول، وحسب رغبات فئة معينة، أو فئات تحالفت من أجل مصالحها الشخصية والحزبية والفئوية والبويتية.

فيجب الوقوف بوجه هذه الفتاوى، فالشعب العراقي شعب حر، وليس قطيعا يساق حسب رغبات من يمتلك العصا، فالذين يتكلمون عن الدين والإسلام عليهم احترام اختيار الناس والبشر، وعليهم احترام أرادة الجماهير الإسلامية والعربية في العراق، ويحتم عليهم الدين والوطن الخروج للناس في الشارع والمزرعة والمعمل والمدرسة والجامعة، كي يسمع هؤلاء رغبات وأفكار الناس وعن قرب، ولا يجوز لهؤلاء الجلوس في الغرف المظلمة والهروب من الناس والتعامل معهم عبر المجسات أو ثقوب المفاتيح، ومن ثم يقرر هؤلاء نيابة عن الملايين… لذا فالذي يحدث باطل شرعا وقانونا، ولا يجوز حدوث هذا، ونحن في القرن الواحد والعشرين!.

فلم يفعلها الرسول (ص)، ولا الأئمة (ع)، ولا الأولياء الصالحين (رض)، ولا أي رجل دين في العالم، وحتى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تصدر فتوى تجبر المواطن الإيراني أن ينتخب القائمة الفلانية، أو الشخص الفلاني، أو قالوا من لا ينتخب يدخل جهنم، فهل أصبح العراق مختبرا إلى الأمور والأفعال اللامعقوله في الدين والسياسة والعسكرية والحياة؟

فالكارثة الحقيقية على الشعوب والأوطان عندما تتكسّر الأقلام بفتوى، وتتعطل العقول وتتجمد بفتوى، وتتدفق الإرهاصات والخزعبلات وتكون نهجا بفتوى، وعندما يكتّف ويُخنق ويصادر حق المواطن بالفتوى، فما الفرق أذن بين صكوك الغفران التي كانت توزعها الكنيسة في العهود الغابرة، وبين فتاوى اليوم التي تُدخل العمليات الانتخابية في التشريعات الدينية، وفي الحلال والحرام وفي الجنة والنار، وما الفرق بين المفاتيح ( مفاتيح الجنة) التي كانت توزع على البسطاء الإيرانيين طيلة الحرب العراقية الإيرانية التي كانت نيابة عن أميركا، ففتاوى اليوم حول الانتخابات العراقية ما هي إلا خدمة مفضوحة للولايات المتحدة الأميركية، ومشاركة فعلية بالمشروع الأميركي للعراق والمنطقة ؟.

فما أحلى وما أشرف الفتوى عندما تكون ( من يساعد قوات الاحتلال الكافرة، أو يعمل مع قوات الاحتلال الكافرة، أو يقدم خدمة لقوات الاحتلال الكافرة، أو يشارك في قتل أخيه المسلم في العراق نيابة عن الاحتلال يكون مصيره جهنم، أو يكون عمله معصيّة!!)، هذه هي الفتاوى التي تفخر بها الأجيال الإسلامية، وهذه الفتاوى التي تجعلنا نقدس من يقولها، لأنه سيكون رمزا في الشجاعة وحب الدين، ومعرفة الله والبشر والأوطان، فهكذا فتاوى جعلتنا نتغنى بها ولا زلنا وسنستمر، ونفخر برجال الدين الذين وقفوا وقفة الأبطال بأقوالهم وأجسادهم وفتاواهم في ثورة العشرين التي حررت العراق من الاستعمار الإنجليزي، فالدين هو الدين لم يتغير، والشعب العراقي لازال مسلما ولم يتهود، فما الذي تغير حتى يتخادم رجل الدين مع الاحتلال والمصالح الدنيوية، والطامة الكبرى عندما يصبغها بالوطنية والحرص على الشعب والمسلمين، نجيب فالذي تغير هو الأيمان والقلوب التي أصبحت صدأة، والعقول التي تجمدت وقبل أصحابها أن يفكر نيابة عنهم سين وصاد من رجال الدين، أو من السياسيين، والذين أصبح الدين و الوطن والشعب في أخر تسلسل في قوائمهم، وأستحوذ على النقاط الأولى في قوائمهم حب الدنيا، والاستحواذ، والنفوذ، والتغلغل في كيان الدولة، وحب السلطة، وكيفية الاستمرار في الكرسي سواء كان كان كرسي الدين أو الدولة.

فلا ندري كيف يساند رجال الدين وفي مقدمتهم السيستاني، والحائري، والصافي، وكذلك قسم من رجال الدين السنة الحكومة المؤقتة، والتي يقودها شخصا أعترف بعظمة لسانه أنه عميلا إلى ( 15) جهازا أستخباريا عالميا، ناهيك أن هناك عددا كبيرا من العملاء أصبحوا في مراكز مهمة في الدولة العراقية، وكيف يساند هؤلاء حكومة عراقية تأتمر بالأوامر الأجنبية، أي بأوامر الولايات المتحدة الأميركية، وكيف يساند هؤلاء حكومة رئيسها الفعلي هو السفير الأميركي في بغداد، ومؤسس العصابات القاتلة في هندرواس هو السفير ( نغروبونتي) الذي زار النجف في الأول من رمضان، وألتقي مع شخصيات دينية وعشائرية واجتماعية… هل ذهب هناك كي يقدم الكفارة بمناسبة شهر رمضان، أم ذهب ليعرض قضية إسلامه، أم ذهب ليقدم الخُمس كي يغيض الطرف السني، أم ذهب للتفاوض حول فتوى جهنم؟

بصراحة… لن نقبل استمرار المهزلة، ومن حقنا أن ندافع عن تشيعنا الحقيقي، وعن ديننا الإسلامي، وعن توجهنا الوطني، والذي خطه الأمام الشيرازي والسيد الحبوبي والشيخ الحفيد أبطال ثورة العشرين، والأبطال الشجعان السيد علوان الياسري، وشعلان أبو الجون، والشيخ ضاري وغيرهم، فمثلما جاء أحفاد العملاء وأصبحوا في المقدمة بدعم بريطاني وأمريكي، نريد أحفاد الأبطال أن يكونوا في المقدمة وبدعم الجماهير، ونريد الفتوى التي تخرج من أماكن أخرى، غير الأماكن التي خدمت ولازالت تخدم الاحتلال على حساب الوطن والشعب والدين، والتي هربت من أرض المعركة تاركة ورائها المسلمين يُذبحون بالقنابل العنقودية أخيرا!!!!!!!!!!!.

فمصير العراق تحدده العقول و النخب العراقية، ومراكز البحوث العلمية والإستراتيجية، ومنظمات المجتمع المدني، ولا يجوز أن تحدده الفتاوى لأننا في القرن الواحد والعشرين، ولا نريد أن نكون أضحوكة بين الشعوب والأمم، فكارثة عندما يكون عراق حمورابي تسيره الفتوى المنقولة بعشرات العنعنات!!!.

أوقفوا المهزلة… أوقفوا الاستخفاف بعقول الناس… أوقفوا المؤامرات التي غلفوها بالدين والوطنية.

27/10/2004

لقراءة المقالات السابقة لسمير عبيد انقر هنا