ع المكشوف
يكتبها : سمير عبيد
كاتب عراقي مقيم في اوروبا

samiroff@hotmail.com


اتفاقيات المدن في العراق وصفة أسرائلية مخدِّرة يجب فضحها!


تجري في العراق بين الحين والآخر عمليات تصعيد عسكري، ثم هدنه هشة، ثم اتفاقيات بين الطرف المعتدي وأهالي المدينة سين أو صاد، وعندما يحدث الاتفاق لم تكن هناك ديباجة معلومة تدلنا عليه، ولا طرف محايد يراقب الاتفاق، لهذا ترى عملية نقضه واردة وفي أي لحظة يختارها الطرف القوي، والمتمثل بقوات الاحتلال والحكومة التي أختارها الاحتلال، لذا ما يجري من اتفاقيات في العراق بين المدينة سين وصاد وعين من جهة، وقوات الاحتلال والحكومة من جهة أخرى، ما هي إلا طبخات مستعجلة أو معلبة، وجاهزة كسمك التونة السردين، وشاهدناها وتابعناها كثيرا من على المسرح الفلسطيني، حيث عندما تتأزم الأوضاع في المدن الفلسطينية عسكريا، وذلك من قبل حكومة الكيان الصهيوني، نرى مباشرة اللجوء إلى المفاوضات السلمية، ومن ثم تتأزم ثانية ثم مفاوضات جديدة، وتتأزم ثالثة ثم مفاوضات ثانية وثالثة ورابعة وهكذا، ولو فتشنا في الملف الفلسطيني سنجد عشرات الاتفاقيات التي نقضتها إسرائيل بعد توقيعها، ولو تمت المقارنة بينها وبين ما يجري في العراق الآن، سنجدها نفس الطبخات، ومن نفس المطبخ، والفرق فقط باختلاف الصالة، و الوجوه التي تجلس على الطاولات!.

أن ما يجري في العراق من قبل حكومة علاوي اتجاه المقاتلين الذين يقومون بمقاومة الاحتلال، ما هي إلا هدنة هنا وهدنة هناك، وأنها ليست اتفاقيات دولية، أو اتفاقيات مكفولة، سواء كانت من أطراف محليّة معروفة، أو حتى من مظمات غير حكومية معروفة، ولكن ما نراه هو الغياب التام للطرف المحايد، والمحترم من قبل الطرفين، والهدنة ليس بالضرورة محترمة ومصانة، و ليس بالضرورة أن تعمّر طويلا، بل بأمكان رصاصة واحدة من جندي ثمل تجعلها في خبر كان...!.

لذا يجب أن يعرف الجميع، وخصوصا رجال المقاومة، والشعب العراقي، أننا أمام مشهد جسمه أميركي، ورأسه إسرائيلي، ومحمي بعصا الحكومة المؤقتة، والتي هي شرطيا برسم خدمة الاحتلال.

فلسفة أهداف الأطراف المتصارعة

نعرف ويعرف الجميع، أن المقاومة حق مشروع كفلته الديانات السماوية والقوانين ( الدساتير) الوضعية، والاحتلال يجب أن تقابله المقاومة لدى الشعوب الحرة، لذا فهدف المقاتلين العراقيين هو تحرير العراق كله ( نعم كله) من قوات الاحتلال، وليس مدينة هنا أو قصبة هناك، فالقضية لا يحكمها المزاج والبطر، وكذلك هي ليست مسألة كراهية للولايات المتحدة الأميركية والشعب الأميركي، فالكفاح والمقاومة والرفض سيكون بنفس القدر حتى وأن كانت هذه القوات بقيادة الصين أو فرنسا أو تركيا أو غيرها، لأن صُلب الموضوع والهدف هو رفض الاحتلال والهيمنة والأستدمار المبرمج، و بما أن قيادة هذه القوات بيد الأميركان، ومن قرر الحرب هم الأميركان وأصدقائهم، فمن الطبيعي يكونوا في المقدمة عند المقاومة، و الكفاح، وعند الكلام، وعند الكتابة عن المقاومة والاحتلال، وليس بالضرورة هناك عداءا مسبقا لأميركا أو للشعب الأميركي، بل هناك كراهية وحذر للمشاريع الأميركية في العراق والمنطقة ومنذ عشرات السنين، لأنها مشاريع نهب وهيمنه، وسيبقى الهدف الثاني للمقاتلين العراقيين في خلايا المقاومة العراقية والشعب العراقي هو مسألة التعويضات، حيث أن الاحتلال كان ولازال جائرا وظالما ومستهترا، وتقرّر خارج الشرعية الدولية، لذا لابد من التعويض عن كل شيء دون تسويف أو تأجيل، وهي مهمة ليست بالضرورة مقتصرة على العراقيين، بل هي واجب الشرفاء العرب والمسلمين وأصدقاء السلام والحق في العالم أن يساعدوا العراقيين!.

أما لو ذهبنا إلى مثلث حكومة علاوي وقوات الاحتلال، فيبدو الطرفان يلعبان على الحالة النفسية للعراقيين، ويبدو يرفعان شعار المقايضة الفجّة، أي نوقف النار عليكم، ونوقف التخريب، ونوقف القتل والرعب، ونوقف المداهمات والإهانات، مقابل توقف المقاتلين والشعب العراقي عن المطالب الوطنية وبجميع أنواعها....لذا هم قررّوا أتباع أسلوب الخطط الوقتية، والتي تتحرك من منطقة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، ويبدو أنها قائمة على دراسات إسرائيلية تنفذها حكومة علاوي وقوات الاحتلال، مع العلم سمتها خطط وقتية و متخبطة وغير ثابتة، وليس لها أي استراتيجية واضحة المعالم، بل إستراتيجيتها أن تصب في خطة التراجع اليومي والخاص بالخطة الأصلية قبل الحرب على العراق، ونستطيع أن نطلق عليها ( إدارة الأزمات اليومية) وأنها ليست خطط متكاملة وواضحة المعالم، والهدف هي التخدير والترقيع لحين بلوغ الانتخابات الأميركية، والقضية تشبه قضية شخص معدم وفقير، وعدوه بثوب جديد، فتراه يُرقّع ويخيط بثوبه القديم يوميا، كي يقيه من البرد ولو بنسبة ضئيلة، لحين وصول الثوب الجديد، علما ليس هناك تاريخا أو ميعادا لوصول الثوب الجديد!.

ما العمل أذن؟

يجب على الشعب العراقي عامة، والمقاتلين الذين في صفوف المقاومة العراقية والمناصرين لها، أن لا ينسوا حقيقة مهمة، وهي أن رجال المقاومة العراقية قدموا أنفسهم قربانا للوطن ومستقبل العراق الحر، وهناك الأبرياء الذين استشهدوا في البيوت والطرقات وغيرها من الأماكن، وللهدف المقدس وهو إخراج قوات الاحتلال من العراق كله، وليس إخراجها من المدن فقط!!!!.

كما يجب على هذه الأطراف أعلاه معرفة حقيقة أخرى، وهي أن حكومة علاوي لازالت عاجزة عن تنفيذ أي وعد، وما هي إلا وعود في الهواء، والتي نسمعها وكأنها على شريط تسجيل، وفي جميع الاجتماعات سواء في النجف أو مدينة الصدر أو البصرة أو الفلوجة وغيرها.. وهي (سنعمّر، وسنعوّض، وسنبني، وسنخصص، وسنحصي الأضرار، وسنجد فرص عمل جديدة، وسنفتح مشاريع عملاقة)... وكلها وعود لا قيمة لها، ولو نظرنا لمدن عراقية كثيرة سنرى أن حكومة علاوي والاحتلال دمرتها وحطمت بنيتها التحتية بعد توقف سقوط النظام في العراق، فأن هذه المدن لم تتضرّر من الحرب على العراق، بقدر ما تضرّرت من نزوات وبطش حكومة علاوي وقوات الاحتلال.

لذا نتعجب ويتعجب معنا كل شرفاء العالم فكيف تعوّض حكومة( علاوي) الأرواح التي زُهقت وهي بريئة نتيجة عنجهية وأخطاء هذه الحكومة، ومنها استدعاء قوات الاحتلال من قبل الحكومة لتقاتل في المدن، وإعطاء الضوء الأخضر لقوات الاحتلال بالتدخل في المدن وقصفها ( إن كانت فعلا قوات الاحتلال تنتظر الضوء الأخضر من هكذا حكومة من صنع الاحتلال نفسه).. وحتى وأن عوضت حكومة علاوي الضحايا، فعلى أي نظام و طريقة سيتم التعويض؟

هل سيتم التعويض حسب تسعيرة (بول بريمر)، عندما قرّر تعويض العراقي القتيل بمبلغ قدره ( 2500) دولارا... أم سيتم التعويض على طريقة صدام حسين وهي قطعة أرض وسيارة نوع برازيلي؟

يجب استنهاض الهمم، وتحريك الشعب العراقي، والعمل على نشر ثقافة أن الإنسان غال وله كرامة وقدسية، ويجب محاربة من يريد أن يجعلها موضة، أو مسألة عادية، فيجب العمل على نبذ البلادة أمام الجرائم البشعة التي قامت وتقوم بها قوات الاحتلال، والتي ساعدتها أخيرا الحكومة المؤقتة، ونكرر يجب عدم البلادة أمام التضحيات الجِسام التي يقدمها الشعب العراقي، لذا يجب إحياء المنظمات التي تكون عين الحقيقة، والعمل على نسج العلاقات مع المنظمات الدولية غير الحكومية، والخاصة بحقوق الإنسان، ونبذ الحروب، وجرائم الحرب، والمدافعة عن المرأة والطفولة، وكذلك المدافعة عن البيئة وغيرها.

فعلاوي يطالب بالتحقيق حول ( 25) قتيلا يُقال أنهم وجدوا في قبو المحكمة الشرعية التابعة لجيش المهدي ( حسب زعم الحكومة دون غيرها) ومن الطبيعي ليس هناك طرفا محايدا ينفي أو يقر هذه التهمة التي يبدو ملفقة، وبالمقابل لا يطالب بالتحقيق عن جرائم سجن أبو غريب، ولا عن المجازر التي تقوم بها طائرات قوات الاحتلال في الفلوجة والرمادي، ولم يطالب بالتحقيق حول استخدام الأسلحة المحرمة دوليا في مدينة النجف الأشرف، والكوت، والعمارة، والبصرة، ولم يطالب بالتحقيق عن الإفراط باستعمال القوة من قبل قوات الاحتلال وأفواج الشرطة والجيش التابع لحكومة علاوي في النجف الأشرف والكوت تحديدا، كذلك لم يطالب علاوي بالتحقيق حول استعمال الرصاص الحي ضد المظاهرات السلمية وضد أفراد الشعب العراقي عندما لُبيت دعوة السيستاني لكسر حصار النجف، والذي راح ضحية هذا العمل اللاوطني واللامسؤول من قبل الشرطة والجيش عشرات القتلى ومئات الجرحى من الأبرياء العزّل، ولم يطالب علاوي بالتحقيق في جريمة قصف المصلين والمجتمعين في مسجد الكوفة عندما سبح الأبرياء ببرك الدم الزكي، ووووووو وتستمر الجرائم ويستمر الهروب والسكوت والقفز عليها!.

يجب أن يعرف الشعب العراقي والمقاتلين في خلايا المقاومة العراقية أن الإعلام الأميركي يعمل يشكل مدروس، والغاية هي اللعب على نفسية المقاتلين في المقاومة، وعلى نفسية الشعب العراقي، وذلك من خلال تضخيم الأرقام الخاصة بعدد الشهداء والجرحى والسبب:

كي يعوّدوا المواطن العراقي، والأذن العراقية والعربية والعالمية على هذه الأرقام، كي تقبل بجرائمهم أكثر وأكثر، وكذلك بالنسبة للدمار الذي يلحق بالبيوت والمنشآت والجسور والطرق وغيرها.

لذا فالعمل هو عدم المغفرة حتى وأن كان هناك عراقيا واحدا جُرح أو استشهد في مكان ما في العراق، أو كان هناك حائطاً أو شباكاً هُدّم أو سقط في مكان ما، فالعمل على عدم قبول جرائمهم، يجب أن يتحرك رجال الدين الذين فيهم النخوة، ومعهم الرجال الذين فيهم الحميّة على نبذ البلادة في هكذا مواضيع، والتدريب على التظاهر والاعتصام على أقل التضحيات، وكذلك يجب العودة للصحف والمجلات والتقارير كي تُحصي تضحيات الشعب العراقي، خصوصا وأن الرئيس ( بوش) أعلن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، وذلك في 1/5/2003، دون أن يعلن انتهاء الحرب كي يتهرب من الاستحقاقات القانونية، وما نراه الكذب بعينه، فلا العمليات العسكرية انتهت، ولا الحرب انتهت هي الأخرى.... فالعمل فورا على إعداد ملف يُطلق عليه ( ملف جرائم أميركا وحكومة علاوي في العراق).. ويجب أن يحتوي على جميع الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العراقي، كبشر، ومنشآت، ومقدسات، وتراث، وبنى تحتية، ومستقبل أجيال، وغيرها، والمطالبة بتقديم المجرمين من هاتين الحكومتين إلى محكمة مجرمي الحرب، نتيجة أفعالهم التي يبدو لن تنتهي، ولازال في أجندت هؤلاء المزيد من القمع، والقتل والتشريد وانتهاك حقوق الإنسان في العراق.

31/8/2004

لقراءة المقالات السابقة لسمير عبيد انقر هنا