ع المكشوف
يكتبها : سمير عبيد
كاتب عراقي مقيم في اوروبا

samiroff@hotmail.com



أتفاق النجف ولد ميتا ولم يلامس لب المشكلة الرئيسية!!


ثبت من خلال التاريخ والبحوث والمتابعة للنزاعات في العالم، أن أي أتفاق بين فريقين متصارعين سيكون مصيره الفشل، عندما تُلا مَس القشور وتُترك أسباب و جوهر ولب المشكلة الرئيسية، وهذا ما حدث في أتفاق النجف الأشرف بين آية الله السيد علي السيستاني و السيد مقتدى الصدر، حيث لن يصمد ولن يعمّر هذا الاتفاق طويلا، لأنه كان أتفاق ( تبويس اللحى) فقط، وناقش المسائل التي تخص المصالح الفئوية والخاصة، وليس المصالح الوطنية والسياسية وهنا تكمن بذور الفشل، مع تقديرنا للاتفاق في زاوية إيقاف نزيف الدم، وإيقاف استمرار الإهانة من قبل قوات الاحتلال، عندما كانت هذه القوات في طريقها لتدنيس الحرم العلوي الشريف.


وقبل الاتفاق.. كان المفروض أن يُقدم السيد مقتدى الصدر، وشيعة العراق طلب استفسار وتوضيح حول عملية خروج السيد آية الله علي السيستاني السريّة، والمراجع الكبار الآخرين وهم ( آية الله إسحاق فياض/ باكستاني، آية الله بشير النجفي/ أفغاني، آية الله محمد سعيد الأصفهاني) خارج العراق، وكذلك الاستفسار لماذا كان الإصرار أن تكون عودة آية الله السيد السيستاني علنية وليس سرية مثلما خرج من النجف، ولماذا المسيرات ضخمة تحرسها الطائرات الأميركية من الجنوب حتى النجف الأشرف، ومعرفة السر الحقيقي لعملية الخروج.. وهل السيد السيستاني خُطف، أم تم استدراجه، وهل له علم بمسرحية الخروج والعودة؟

يقال جلس السيد علي السيستاني والسيد مقتدى الصدر ( 5 ساعات) ولكن دون أن يرُى مقتدى أو السيستاني في هذه المباحثات، وهنا تبرز علامات الاستفهام!.

جلس في هذه المفاوضات الطرف المعتدى عليه وهو السيد مقتدى الصدر ونخبة من القياديين في تيار الصدر، والوسيط الذي هو السيد السيستاني، دون حضور الطرف المعتدي وهي الحكومة، والسلطات المدنية في المدينة وقوات الاحتلال، وهذا بحد ذاته فشلا سيخرج للسطح بعد حين، حيث أن الاتفاق جاء على طريقة ( تبويس اللحى) وإنقاذ المصالح الفئوية والشخصية لا غير، ولم تُناقش في هذه المحادثات أسباب المشكلة الرئيسية، خصوصا عندما نعود للبنود الخمسة التي خرجت على لسان مدير مكتب السيد السيستاني في بيروت والذي كان مع وفد السيستاني وهو السيد ( الخفاف).

شاع و يشاع أن المرجعيّة الشيعية لا تقترب من السياسة، وأن السيد علي السيستاني لن يقترب من السياسة بل هو مراقب محايد، ولكن لو عدنا إلى عملية خروج السيد السيستاني من العراق والتي كانت سرية، وبسيناريو لم يقنع طفلا في قرية عراقية، نجد أن السيستاني أقحم في السياسة وذلك من خلال طموح الرجال الذين يعملون في مكاتبه، وهؤلاء يجب التحقيق معهم فورا من قبل قيادة مرجعيّة منتخبه، لأنهم ينفذون أوامر قائد المرجعيّة في النجف، والرجل القوي والخفي، والذي بحوزتة جميع أسرار المرجعية، وأرقام الحسابات السرية هو صهر وأبن شقيقة السيد السيستاني المدعو ( جواد الشهرستاني) الذي يدير مؤسسة ( آل البيت في قم / أيران) دون غيره، وهو المشرف على عمليات تنسيب مدراء مكاتب السيستاني في العالم، ويعتبر قائد الصقور في المرجعيّة بطرفها الفارسي، وهؤلاء الصقور يمقتون التيار العربي في المرجعيّة والذي يناضل من أجل عودته وأحياءه السيد مقتدى الصدر، فعملية خروج السيستاني وحسب اعتقادنا رُتبت من وراء ظهره و لأجل القضاء على السيد مقتدى الصدر، والتيار الصدري، لأن هذا الرجل عراقيا وعربيا وهو الابن الشرعي للذين يجب أن يجلسوا على كرسي المرجعيّة الشيعية، والسبب الثاني هو لتفتيت التيار الصدري العربي الذي ينتشر في جميع المدن العراقية، ولهذا تم خروج السيستاني مباشرة بعد الشروع بالعمليات العسكرية من قبل قوات الاحتلال، والحكومة المعيّنة من قبلها، والسلطات المحلية في المدينة والتي طلبت تدخل قوات الاحتلال، وكان يظن الجميع أن التيار الصدري، والسيد مقتدى الصدر لن يصمد إلا سويعات ومن ثم يعيدوا السيستاني، وتعود مجاميع الصقور الفارسية سواء في المرجعية أو في الحكومة وتهيمن على المرجعية والنجف والحوزة والقرار الشيعي إلى أبد الآبدين، ولكن أنقلب السحر على الساحر وذلك بصمود التيار الصدري، ومقتدى الصدر، وجيش المهدي، ويبقى السؤال: هل كان السيستاني على علم بهذه المسرحيات؟.

أعلن عن أتفاق النجف فتصوره وزير حكومة علاوي ( قاسم داود) نصرا مبينا، وكذلك تصوره الناطق باسم السيد السيستاني نصرا مبينا هو الآخر، ولا ندري عن أي نصر يتكلم هؤلاء، وهل أعادوا للعراقيين جزيرة بوبيان والمطلاع، أم طردوا قوات الاحتلال خارج العراق، أم اسقطوا الحصانة القضائية من جنود الاحتلال؟..

نقول إلى هؤلاء وعن شهود عيان، ومن أهلنا في النجف الأشرف، أن الدبابات الأميركية لازالت مرابطة على بعد( 100 م) فقط من الجهة الجنوبية للصحن الحيدري وتحديدا من جهة شارع الرسول، وكذلك من جهة شارع الطوسي والمقبرة شمالا، ومن جهة بحر النجف الجاف غربا، ولم يُفتح إلا ممرا من جهة الشرق أي الميدان وذلك كي يتم مرور الناس نحو الصحن الحيدري، والدبابات الأميركية تحيط بجموع، ومعهم قوات الشرطة والجيش، وقوات البشمركة الكردية، وقوات بدر الإسلامية وغيرها.

فتشوا جيدا بفحوى الاتفاق فستجدون الغاية منه استعراض القوة التي تتمتع بها المرجعية، والتأييد الذي يحظى به السيد علي السيستاني على المستوى الشعبي، ونجزم أنها ترتيبات من صنع مدراء مكاتب السيستاني، وورائهم قائدهم جواد الشهرستاني، وكذلك مستشار الأمن القومي موفق الربيعي، وليس للسيستاني علما بهذا، وربما قالوا له أنها مسيرات عفوية، ولكن نقول وبألم ( يا حسافة) على شيعة يخرجهم كلام موظف في مكتب، ورسالة بتوقيع موظف لم يرى الشمس ولم يعطش ولم يجوع يوما، وهنا من حقنا نكرر ما قلناه في مقالات سابقة وبين قوسين(( أن الفتوى أو التوجيه يجب أن يخرج بلغة خاصة و مختصرة، وبتوقيع المرجع وختمه الذي يكون على شكل خاتم يضعه في إصبعه، لهذا لا يمكن تزويره إلا إذا كان المرجع نائما أو مخدرا.. ولم نسمع من قبل أن هناك أختاما بيضوية أو مستطيلة أو مربعة تُذيل بها الفتاوي والتعليمات، ولم نسمع أن المكاتب تتدخل في شؤون التوصيات والفتاوى والتعليمات، بل هم مجرد حلقة وصل بين الناس والمرجع)) لذا ما نراه هو المهزلة بعينها، ويجب أيقافها فورا، لأنها تسيء للمرجع السيستاني، وللشيعة عموما، وتربك الوضع الديني والإسلامي وهذا ما تريده قوات الاحتلال، والذين كلفوا ببسط المشروع الأميركي الصهيوني على العراق والمنطقة، لذا ما حصل من دعوى لمسيرات شعبية نحو النجف ما هي إلا مزايدات سياسية من قبل جواد الشهرستاني وموظفيه، وذلك لتخويف السيد مقتدى الصدر والتيار الصدري، ومن ثم كي ترى قوات الاحتلال حجم التأييد الذي يحظى به السيد السيستاني، كي يكسب من وراء ذلك ومن وراء السيستاني بعض الموظفين الهبات والهدايا والمناصب والتوصيات والتسهيلات وتعيينات الأصدقاء والمعارف وغير ذلك.

تم الاتفاق ودخلت الناس إلى الصحن الحيدري..وماذا بعد؟

هل المشكلة هي كيف يدخل الناس إلى الروضة الحيدرية؟

وهل كان السيد مقتدى الصدر قاطع طريق أو يقود عصابة تمنع الناس من زيارة المرقد؟

أتفاق النجف أعاد المشكلة إلى بدايتها ولم يقدم الحلول الناجعة والوطنية... وسوف ينتهي هذا الاتفاق عند أول تخلخل في مواقف المرجعية، وكذلك سيموت الاتفاق عند أول رصاصة من جندي أميركي، أو شرطي وحينها سيسقط الاتفاق ومعه هيبة السيد علي السيستاني!.

نعم لقد أعاد السيد السيستاني الكرة إلى خط البداية دون حلول ودون توصيات، ودون المرور على المشاكل الرئيسية التي سببت الصراع لمرتين متتاليتين مع السيد الصدر وتياره وكانت نتيجتها نزيف الدم العراقي، فلم يبادر السيستاني في إدانة قوات الاحتلال، ولا الحكومة، ولا السلطات المحلية، ولم يبادر إلى استنكار المجزرة التي حدثت في مسجد الكوفة، كما لم يستنكر القصف الشديد وحتى بالسلاح المحرم دوليا على مدينة النجف، ومدينة الصدر والكوت، والعمارة، والبصرة، والفلوجة بل اكتفى باستنكار خجول خرج عن مكتب واحد من مكاتبه بعد شعوره بالحرج، لأن كثير من المراجع السنيّة والشيعية في العراق والدول الأخرى استنكرت العملية العسكرية ضد النجف، وكذلك عندما أستنكرها بابا الفاتيكان وكثير من الشخصيات العالمية، ولازال السيد السيستاني لم تُعرف مواقفه اتجاه قوات الاحتلال، لذا لا داعي للمجاملة والانقياد الأعمى، ويجب أن نفتش عن بدائل تحل المشاكل في العراق ومع تيار الصدر.

يجب كذلك أن تعرف جميع الأطراف العراقية أن هناك أطرافا في المرجعيّة، وخصوصا طرفها الفارسي ينظر إلى المرقد العلوي على أنه بنكا يدر ملايين الدولارات، أما مسألة القدسية فتأتي عند هؤلاء بالدرجة الثانية وربما الثالثة، لأن المرجعيّة في النجف هيمن عليها الطرف الفارسي منذ عقود لذا لم يستفد السواد الأعظم الشيعي من الملايين بل المليارات التي تأتي للمرجعية، بل تذهب إلى بنوك سرية، واستثمارات شخصية وعائلية، وتكوين لوبيات ضاغطة على المجتمع و الدول وأصحاب القرار..... لذا يجب العمل على منع احتكار الروضة الحيدرية من قبل البويتات والشخصيات العراقية التي يحركها التيار الفارسي، ومن ثم العمل على منع تدويل النجف وكربلاء لأنه مشروع أميركي صهيوني موجود على طاولة السفير الأميركي في بغداد، ويجب على هذه الأطراف أن لا تسمح بتكرار سيناريو تدويل مؤسسة الخوئي الشيعية والعملاقة في لندن، وكندا، وأميركا وفي مدن أفريقية، عندما أستفرد بها السيد مجدي الخوئي ودولها و سجلها باسمه الشخصي مع العلم هي وقفا لجميع الشيعة في العالم.

ثم يجب أن تعترف جميع الأطراف العراقية السياسية منها والاجتماعية أن المشكلة في العراق سياسية وليس أمنية، ويجب أن تعترف الحكومة المؤقتة، وقوات الاحتلال بتيار الصدر وبالسيد مقتدى الصدر زعيما لهذا التيار، كذلك يجب الاعتراف بالفشل حيث لا يمكن قلع هذا التيار من التركيبات السياسية، ولا يمكن قلع هذا التيار قبيل الانتخابات القادمة، وهذا ما تريده قوات الاحتلال، وحكومة علاوي، والتيارات العراقية التي تسبح في فلك الاحتلال، ويجب على من يتوسط لحل المشكلة أن يلامس المشكلة، ومن ثم يصار إلى استقالة محافظ المدينة، ومدير شرطتها على أقل تقدير، وكذلك تقديم الاعتذار إلى السيد مقتدى الصدر وتيار الصدر وأهالي المدينة، وترك للسيد مقتدى حرية العمل السياسي من عدمه، ومن ثم يعوض جميع المتضررين ماديا ومعنويا في النجف والمدن الأخرى دون تسويف وتأجيل، ويصار إلى حل جميع المليشيات الحزبية وغيرها، وليس جيش المهدي فقط وهذه خطوة ملحة و إستراتيجية يجب تطبيقها فورا، ومن ثم نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من المدن المقدسة، والإبقاء عليها في مشاجبها، وترك المدينة تحت حمايات متفرقة وبعيدة عن الاحتكاك بالناس، وتكون حصة أبناء المدن فيها تفوق النصف.

ونحذر من تطبيق المصالحات القبلية والدينية، لأنها وقتية وغير إستراتيجية وتدل على ضعف الدولة، كما نحذر من طريقة تبويس اللحى وتطبيقها كنظريات سياسية وكحلول سياسية، وترك جوهر المشاكل بلا حلول وبلا معالجة.

فالذي حدث في النجف وسمي اتفاقا هو كمريض يتألم ويصرخ من الحصى في كليته فيعطونه دواء للبواسير!!!.

لقراءة المقالات السابقة لسمير عبيد انقر هنا