|
النجف ودبلوماسية المفاتيح!
برع السيد مقتدى الصدر ورفاقه في فن السياسة والدبلوماسية وقيادة المعركة لحد
هذه اللحظة، وهي عملية بديهية لو نظرنا للمعركة من ناحية ميزان الحق والباطل،
وبما أن الحق ينتصر والباطل يُزهق، فكان النصر حليف السيد مقتدى وجيش المهدي
على الأقل سياسيا وتكتيكيا، لأن الحق معهم من الناحية الوطنية والدينية
والسياسية، كون التحرش بدأ من قبل قوات الاحتلال عندما طوقت منزل السيد مقتدى
الصدر دون سابق إنذار، علما أن قوات الاحتلال كانت خارج مركز المدينة وحسب
الاتفاق المبرم بين محافظ مدينة النجف، والبيت الشيعي، والسيد مقتدى الصدر،
وبالتالي من خرق الهدنة هي قوات الاحتلال، وطبيعي أن يرد جيش المهدي ويدافع عن
منزل السيد مقتدى الصدر بحكم هو القائد الأعلى لهذا الجيش، ولكن يبدو القضية
كان مخطّط لها ومبيتّة من قبل قوات الاحتلال والسلطات العراقية المعينة من قبل
هذه القوات في المدينة، بحيث توترت الأمور فسارع محافظ المدينة بطلب النجدة من
قوات الاحتلال دون مبرر يذكر لحد هذه اللحظة، ولكن المبرر معروف لدى المحللين
السياسيين والمتابعين، وهو ضرب وإنهاء التيار الصدري في النجف الأشرف وفي المدن
العراقية الأخرى، فهم أرادوا قطع رأس التيار الصدري من خلال النجف الأشرف، ثم
الرديف القوي له وهي مدينة الصدر في بغداد، وذلك كي تتمكن قوات الاحتلال
وحكومتها المعيّنة بزعامة أياد علاوي، والتيارات العلمانية الممتدة داخل دوائر
الاحتلال وحكومة علاوي، وكذلك التيارات الإسلامية المتأمركة من القضاء على
التيار الصدري، لأن هذا التيار سبّب لقوات الاحتلال وللإدارة الأميركية ولحكومة
علاوي قلقاً ووجعا في الرأس من خلال رفع شعار ( لا للاحتلال.. لا للدخول في
دوائر الاحتلال والحكومة)، خصوصا والانتخابات العراقية قادمة بعد أشهر، فليس
هناك إلا حل من حليّن من وجهة نظر الحكومة والتيارات التي وردت أعلاه، أما
تأجيل الانتخابات وامتداد حكومة علاوي كما حصل مع الرئيس ( كرزاي) في أفغانستان
عندما تأجلت الانتخابات ثلاث مرات، أو تفتيت تيار الصدر في النجف والمدن
العراقية الأخرى، ومن ثم تيارات المعارضة السنيّة في الفلوجة وغيرها، كي لا
يكتسح التيار الصدري وحده، أو من خلال تحالفه مع التيارات السنيّة المعارضة
الشارع العراقي في الانتخابات التي ستجرى في العراق، خصوصاً والتيار الصدري
أصبح يمتد أفقيا يوم بعد آخر داخل المجتمع العراقي، والسيد مقتدى الصدر أصبحت
صوره تُرفع في الموصل وتكريت والفلوجة قبل المدن الشيعيّة، وهذا بحد ذاته رعب
لجميع الأطراف التي تريد الهيمنة على الكعكة العراقية، والتي تريد استمرارية
التهادن والتخادم مع قوات الاحتلال لأنها تعتقد أنها الضامن الوحيد لمصالحها.
والمغزى الآخر من الهجوم على النجف الأشرف هو لكسر شوكة هذه المدينة التي هي
رأس الثورات الوطنية، وخصوصاً الثورات التي هي ضد قوات الاحتلال، ويبدو هي
عملية تشفّي من مدينة النجف الأشرف كونها هي التي قادت ثورة العشرين المجيدة،
وطردت الإنجليز من العراق وأفشلت مخططاتهم، وأسست دولة العراق المستقلة، عندما
هبّت المرجعيّة والحوزة ورجال الدين والقبائل والوجهاء من النجف الأشرف
وساندتها المدن العراقية الأخرة، وكانت النجف في المقدمة في تلك الثورة الثورة
كونها مركز تأجيج وقيادة الثورة، لذا هي ربما عقوبة إنجليزية غربية كانت مؤجله
لسنين!.
كما أنها هجمة استباقية على النجف الأشرف كي تسيطر سواء كانت قوات الاحتلال أو
حكومة علاوي المنصبّة على أموال المرجعيّة وهي التي تقدر بالمليارات، وكذلك على
السياحة الدينية والتي هي بالمليارات أيضا، ومن ثم نهب ما يصل إلى الأضرحة وما
فيها من نفائس ثمينة لا تقدر بثمن، يُعتقد بقي منها الكثير لأن النظام السابق
نهب منها الكثير، وكذلك هناك شوق من اللصوص في قوات الاحتلال والمافيا الدولية
ومن أفراد الحكومة المؤقتة صوب القبب الذهبية والنفائس في مرقد الإمام علي ( ع)
والمراقد الأخرى.
ويعتبرها الأميركان أيضا هي عملية تجفيف استباقية لمصادر الأموال التي تغذي
المرجعيّة والحوزة والتيارات الإسلامية الحرة، وهي خطوة سرّعوها من قوات
الاحتلال والإدارة الأميركية، ناهيك أنها ضربة معنوية للمسلمين عموما والشيعة
خصوصا، لأنهم لو تمكنوا من هذا ستكون عملية كسر الشوكة الإسلامية الأولى وصولا
للمسجد الأقصى ومكة والمدينة!!!.
ويبدو السيد مقتدى الصدر ومستشاريه ونخب من الوطنيين العراقيين عرفوا اللعبة
والأهداف، خصوصا وهناك نفوس شريرة تريد البطش بقيادة جيش المهدي والتي تتمثل
بوزير الدفاع، ووزير الداخلية، ومحافظ النجف، ومدير الشرطة، وكأن جيش المهدي
والسيد مقتدى الصدر جاءوا من المريخ، أو أنهم مجموعة من ( السيخ) سيطرت واعتصمت
في مرقد الإمام علي بن أبي طالب( ع)، علما لو رجعنا للوراء سنجد أن معظم
المعارك الإسلامية كانت إدارتها من المساجد ومراقد الأولياء الصالحين، وحتى
عمليات الالتجاء من النار والموت هي مشروعة عندما تكون وجهتها المساجد ودور
العبادة الأخرى ومراقد الأولياء الصالحين، للحماية ولزيادة المعنويات، فما
الضير أن يكون السيد مقتدى الصدر وجماعته في المرقد و النجف وهم أبناء الشعب
العراقي، وأبناء النجف، والرافضين للاحتلال، فمنذ متى يحارب ويحاصر من يحارب
الاحتلال الأجنبي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.
ومنذ متى وعلى امتداد التاريخ الشيعي يهرب المرجع الأعلى، أو يتمارض، أو يخرج
من أرض المعركة، فما بالك والمعركة هذه المرة هي النجف الأشرف، ومرقد الأمام
علي بن أبي طالب عليه السلام؟
أنه انحراف خطير في سجل وتاريخ المرجعيّة الشيعية العظيمة، والتي أسست تاريخ
العراق وجعلته بلدا حرا بعد نجاح ثورة العشرين المجيدة، أنه العمل الذي لم يكن
حتى في الخيال، لأن كل متابع سواء كان عراقيا أو غيره، ومن خلال القراءة
للثقافة العراقية والشيعية نجد أن المرجع الأعلى يشكر الله كثيرا عندما يكون
طرفا في حرب على الحق، وحرب ضد الكافرين، وضد الغزاة، وضد المحتلين، ومن أجل
الأوطان.. كونه يحس بالاقتراب من الله ومن اللقاء مع رسول الله ( ص) وأئمة أهل
البيت ( ع) والصالحين جميعا ( رض) عندما ينال الشهادة، وعرفنا من خلال هذه
الثقافة وتاريخ المرجعيّة أن المرجع يتشوق إلى قيادة المعارك من خلال البيانات
أو المشاركة أو المتابعة الفعلية، ولكن رأينا العكس تماما هذه الأيام... لذا
أصبحنا نرى و نشعر بالخيبة، و بالحزن، والضيق الذي يلف أحرار العراق عموما،
والأطراف الشيعية الحرة خصوصا.... وأصبحنا نسمع السؤال الذي يُطرح بحرقة:
أيعقل... يتمارض المراجع الكبار الأربعة في آن واحد، أو حتى يمرضوا في آن واحد؟
أيعقل.. يسافروا جميعا ويتركوا أعز وأقدس بقعة في العراق كي تجتاحها قوات
الاحتلال؟
حقاً أنها من علامات الساعة... ولهذا استوقفني قول أحد المثقفين الشيعة عندما
عبّر وهو يخاطب المراجع.. ((نقولها بكل جرأة ودون تردد أنكم أخزيتمونا
وأخجلتمونا بين الناس والشعوب والأمم والمذاهب كلها... ولن تنطلي علينا
الفبركات الإعلامية والعمليات الجراحية وبيانات المكاتب التي انغمست في السياسة
كطفل يقدم على الدراسات العليا!!)).
ومن لا يعرف نقول له وليزعل من يزعل، لقد تعلمنا من خلال متابعتنا عن قرب
للثقافة الشيعية والتي هي فخر للعراقيين جميعا، وعرفنا عن قرّب ثقافة المرجعيّة
وطريقة تعاملها مع الأحداث الكبرى وعلى مر التاريخ وهي: أن المرجع عندما يقرّر
فتوى تكون بتوقيعه المتعارف عليه، والذي يكون على شكل ( خاتم) موجود في إصبع
المرجع، ومن ثم تكون الفتوى بخط يده ومعظم الأحيان يكون( الخط الكوفي في أغلب
الأحيان)، وتكون مختصرة ومركزه، وليس للمكاتب علاقة بهذه الفتوى إطلاقا....
ولكن ما نراه الآن هناك فتاوى خرجت عن المرجع ولكنها بتوقيع المكاتب، وبأختام
حديثة (مودرن) مستطيلة ومربعه ودائرية أحيانا، و وهذه الفتاوى طويلة في
ديباجتها وسهلة اللغة والنحو و كأنها افتتاحية جريدة عربية... لهذا نصرخ بكل
قوة ونقول (( كفى مهزلة.... كفى مهزلة... لن نسمح لهذه المكاتب أن تشوه تاريخنا
العراقي المنغمس بالتاريخ الشيعي، وتشوه تاريخ المرجعيّة المشرّف على مرور
التاريخ العراقي)) ونطالب المراجع والمرجعيات كافة، بالتحقيق الفوري حول هذه
التجاوزات التي أصبحت تهدد كيان العراق، والمرجعيّة الشيعية كافة، وتقدم من
الجانب الآخر بساطا أحمر للاحتلال والغرباء، خصوصاً عندما تخدّر هذه الفتاوى
السواد الأعظم الشيعي، وتجعله يتقاعس عن أداء مهمته الوطنية والشرعية والدينة!.
بأي حق يكون التآمر على النجف الأشرف، ومرقد الأمام علي بن أبي طالب(ع)، وعلى
التيار الصدري العراقي، وعلى السيد مقتدى الصدر، وعلى جيش المهدي الذي هو من
العائلات العراقية الفقيرة والمسحوقة؟
فتباً للذين يرون مرقد الأمام علي بن أبي طالب (ع) على أنه مجرد بنكا للملايين،
و والذين انحسرت مهمتهم فقط في هذا الاتجاه، والذين أصبحوا يزيدوا النار حطبا
كي يُقتل مقتدى الصدر وجيش المهدي وجميع الأحرار... ولكن الله تعالى وقف مع
الحق، و مع هؤلاء الفتيه ونصرهم كي يكشفوا معدن جميع الأطراف التي ارتضت
التهادن والتقاعس.
ويبقى السؤال السياسي تردده الشفاه العراقية:لماذا مليشيات جيش المهدي حرام...
ومليشيات البيشمركَة، والدعوة، وبدر، والوفاق، والمؤتمر الوطني، وغيرها
حلال!!!!؟
دبلوماسية المفاتيح ومغزاها...!
لازال كثير من العراقيين يرون الفهم والذكاء والفطنة يأتي مصاحبا لعدد كمية
الشيب في الرأس، أو بكبر حجم الكروش التي يدفعونها أمامهم وهي مثقلة بأطعمة
الآخرين ( كما يقول الشاعر عدنان الصائغ).. لهذا تراهم يقذفون السيد مقتدى
الصدر بتهم وألقاب منها ( الطفل، والمغرور، والمتغطرس، والصبي، والفاشل، والغض)
وغير ذلك، ومرت الأيام وإذا بمقتدى الصدر يوقع قوات الاحتلال، وحكومة علاوي،
وأحزابا أسلامية وعلمانية، وأطرافا في المرجعية في لعبة الدبلوماسية الذكية، بل
أفرغ يد وزير الدفاع حازم الشعلان، و مدير الشرطة غالب الجزائري، ومحافظ
المدينة عدنان الزرفي، والمنفلت الجديد الوزير قاسم داود، ووزير الداخلية فلاح
النقيب من جميع الأوراق، ومن السكاكين التي كانت بحوزتهم والتي أرادوا من
خلالها نحر السيد مقتدى الصدر وأفراد جيش المهدي!.
ناور ونجح، وفاوض وكسب، وصبر وظفر، وكتب وأبدع، وقرر القتال وصدق، وعاهد رفاقه
وصمد..
هذا هو السيد مقتدى الصدر ورفاقه، ومن حق أي عراقي غيور و مسلم شريف أن يفخر
بهذا الرجل الغيور والشجاع.
كلنا نعرف أن السيد مقتدى الصدر قال لا للاحتلال، ومن يقول لا معنى ذلك يتحدى
أقوى قوة في الأرض والعالم، وهي زعيمة الإمبراطورية الجديدة والتي تريد السيطرة
على العراق والمنطقة والعالم، والتي جبنت أمامها دول وشعوب ومنظمات وأحزاب، هي
الولايات المتحدة الأميركية، ولكن السيد مقتدى ورفاقه الأبطال جعلوها نمرا من
ورق، ومرغوا أنفها في تراب النجف مثلما مُرغت من قبل في تراب الفلوجة، لذا
سيبقى هذا الفعل مفخرة للعراقيين والمسلمين جميعا، لهذا جاءت ردت فعل هذه القوة
الظالمة باستعمال الأسلحة المحرمة دوليا، وبنظام العقاب الجماعي، فهنيئا لك يا
مقتدى ويا جيش المهدي ويا تيار الصدر، لأنكم حجزتم وعن جداره أوراقا منيرة في
التاريخ العراقي والإسلامي الحديث.
يقولون ما هذا؟
مفاتيح، مفاتيح... هل نحن عدنا للمفاتيح التي كانت توزع على الجيش الإيراني
وبأوامر من القيادة الإيرانية طيلة الحرب العراقية الإيرانية ( 1980ـ1988) كي
ينالوا الجنة... ويستمر التهكم على مقتدى الصدر وجماعته حول مفاتيح الروضة
الحيدرية في النجف الأشرف.
نقول إلى هؤلاء الذين يجهلون قيمة ورمزية هذه المفاتيح... أن مفاتيح أبواب مرقد
الأمام علي بن أبي طالب(ع) أمانة تاريخية، وأمانة أسلامية، وأمانة وطنية،
ومسألة قيمية وعقائدية ( أما مسألة النظرة لها فهذه خاضعة للشخص كيف ينظر
للمسألة) ولكن لدى الشرفاء جميعا، والسيد مقتدى الصدر أنها شرف العراق، وشرف
حضرة الأمام علي بن أبي طالب( ع) لذا هو أصر أن لا يعطي هذه المفاتيح إلى
الحكومة العراقية وهي إهانة تاريخية في غاية الذكاء كون هذه الحكومة غير مؤهله
وغير عراقية وليس شيعية ( حقيقية) حسب وجهة نظر السيد مقتدى الصدر، كما أنه قرر
أن لا يعطي المفاتيح إلى قوات الاحتلال لأنها ستبقى عارا في السجل الشيعي، وسجل
عائلة آل صدر تلك العائلة العظيمة والعريقة، وسجل الشرفاء وجيش المهدي وتيار
الصدر، لذا هو قرّر أن يسلّم المفاتيح إلى المرجعيّة وتحديدا إلى مكتب السيد
آية الله علي السيستاني ( شافاه الله) كونه المرجع الأعلى، كي يقول لهم لن
تبتعدوا عن المعركة، كونوا في لندن ولكن أنتم جزء من المعركة في النجف الأشرف،
أخرجوا من دائرة المعركة ولكني أعرف كيف أدخلكم معي فيها، ومن ثم جعل المرجعية
طرفا في المعركة رغما على بعض الأطراف التي لا تريد الخير لمقتدى الصدر والتيار
الصدري داخل المرجعيّة كونه عربيا، وهذا بحد ذاته نجاح مذهل للدبلوماسية
الصدرية، وللحنكة الصدرية، والى هؤلاء الذين يسميهم أياد علاوي ووزرائه أنهم
حفنه من اللصوص والمجرمين... والآن أنظروا من الذي كسب الشارع العراقي، ومن
الذي كسب رضا الله، ومن الذين أصبحت بيده أوراق أضافية، الحكومة أم التيار
الصدري؟...
فالشكر لله... وهذه هي دبلوماسية المفاتيح يا معشرالمهرجين و الشّتامين للسيد
النجيب.
والأيام في رحمها الكثير.... الدعاء الدعاء الدعاء لنصرة الحق والنجف الأشرف
والعراق.
وسأردد ومعي الشرفاء (( تسمع بالمُعيّدي خير من أن تراه)) رداً على الذين
ينظرون لمقتدى الصدر بنظرة السخرية والاستهزاء!!!.
|