جمال ابو شادي
خاص بعرب تايمز

abushadijamal@hotmail.com

 

مات الرمز .. عاش الشعب
رحل الرمز وترك الفساد كما هو و رموزه
Wednesday November 17, 2004


رحيل الرمز لا يعني بالضرورة رحيل الفساد ورموزه - وعندنا المثل الشعبي العريق يقول: من خلف ما مات - و إقفال ملف المغفور له عرفات على صفحات عرب تايمز أو غيرها لا يعنى ولا يبرر بأي حال من الأحوال إقفال ملفات الفساد العالقة لتلك الرموز الكثيرة الباقية بيننا، والتي لولا جهود عرب تايمز لما ظهرت وطفت على السطح.

رحل الرمز وخلف وراءه الكثير من الملفات و الكثير من الرموز "المتواضعة" التي لن يشفع لها موت الرمز ولا ولن ينساها شعبنا المكلوم المصاب في وطنه وفي رموزه وقوته اليومي وأحواله وظروف حياته الصعبة القاصية، وما حزن ألآلاف من شعبنا على وفاة رمزه إلا تعبيره عن حزنه هو على نفسه وعلى وضعه وعلى مستقبله الغامض المجهول وحسرته على نفسه أشد حسرة وألم من حسرته على رمزه الفقيد.

إننا إذ نبكي الرمز فذلك لأننا نبكي انفسنا أولاً وما آلت إليه ظروفنا وما نحن فيه، فمصابنا في أنفسنا مصابٌ جلل و الحزن شديد والألم عميق، ونوح ألآلاف في رام الله وغيرها في عالمنا العربي والإسلامي على فقدان هذا الرمز - وقبلها بعام سقوط "رمز العروبة" وإحتلال بغداد - ما هو إلا تعبير جماعي عما نحن فيه من عجز وظلم وخوف وفقر وحرمان وإحتلال وشعور عام بالضعف من و في مواجهة المستقبل بدون رمز أو هوية أو مرجعية أو حتى هدف نحيى لأجله ونصبو إليه ونموت دونه.

وهذا ما يفسر حزننا وبكاءنا ونحيبنا الهستيري على تلك الفاجعة وتلك المأساه، وما هو إلا صدى وإنعكاس لما يختلج في نفوسنا من قهر وإحتقان ظهر للعيان بفقدان الرمز، وما دموعنا سوى قطرات ندى نغسل بها حزننا القابع في الأعماق على ما حصل لنا من كل الرموز وعلى مدار السنين والأيام.

من يحزن .. يحزن على نفسه أولاً وعلى ما هو فيه من مرارة العيش وقرفه، وموت الرمز لا يعني موت الشعب وبالمقابل لا يعني موت الفساد وأزلامه ومواطنه وأشكاله، وخاصة أن الإشكالة تبدأ بعد أن نضع الحزن جانباً ونواجه قسوة الحياة كلٌ لوحده بدون رمز ولا معين، لمواجهة ما خلفه الرمز من رموز فساد و شلة من المنافقين و المنتفعين - إقرأ في هذا الخصوص مقال الإيدز الثوري وفقدان المناعة الوطنية - الذين لا هم لهم الآن سوى الحصول على أكبر قطعة من كعكة "العيد" الرمزية - هذا إذا خلت لهم سهى منها شىء يذكر -، وهؤلاء الزمرة التي لا بد من فضحها والتركيز عليها، هي تلك الشلة التي نافقت وسرقت وظلمت وقهرت العباد وعاثت في الأرض وفي القضية الفساد وترجمت بشكل مباشر أو غير مباشر ما كان يعاش في زمن كل رمز من رموز حياتنا.

كيف ومن أين و متى نبدأ حيث إنتهى الرمز؟ ذلك هو السؤال الصعب والذي يجب علينا أن نستعد له ونرتب له ونحسب حسابه، والحزن على عرفات له ما يبرره حالياً ولكن لا تجعلوا من هيمنة الحزن ولا من رهبة الموت حجاباً يطغى على عقولكم و يبعدكم عن واقعكم وما انتم فيه. دعونا نراجع الماضي ونقف منه موقف الناقد الواقعي، لكي نبني للمستقبل بالشكل الصحيح ولكي لا نقع ضحية لرمز آخر يحتل فينا ومنا كل ما نملك وحتى ما لا نملك ولسنين لا يعلم بعددها سوى الله.

لقد كان ولا زال لنا رموز كثيرة وفي كل شيئ ومن كل الأجناس والألوان وفي كل مجالات الحياة، وقد كان لنا في الزمن الغابر أصنام نعبدها ونهينا عن عبادة تلك الأصنام فما كان منا إلا أن إستبدلناها -للأسف- برموز وشعارات أخرى وكأننا مدمنو عبادة أصنام ورموز وشعارات، فهذا رمز الدين "كالقرضاوي وعمرو النجار وغيرهم" لا يحق لنا كرعيه أو رعاع إنتقاد هذا الرمز أو فضح أفعاله أو كشف حقيقته، وهذا رمز الوطنية وذاك رمز القومية وهذه رمز العجرمية وإلى آخر جوقة الرموز والشعارات التي جعلت من حياتنا جحيماُ لا يطاق وشعوباً لا تستحق الحياة وتضيع وتتوه عندما يموت رمزها وصانع حياتها ومستقبلها، والحق يقال أن مثل هذه الشعوب لا تستحق أصلاً الحياة.

لذلك أناشدكم أن لا تتخذوا من بعده رمزاً آخر حتى لا نصبح عبيداً للرمز الجديد وننسى الإنسان القضية وتضيع بعده الأرض والهوية.

لقراءة مقالات اخرى للكاتب انقر هنا