جمال ابو شادي
خاص بعرب تايمز

abushadijamal@hotmail.com

الايدز الثوري و فقدان المناعة الوطنية
Monday September 20, 2004



قبل أن أستكمل معكم بقية مقالي السابق "نفاق القحبة الشريفة"، إستوقفتني بعض الرسائل التي وصلتني من شوية فتحاويين محسوبين على الخط "النضالي" العرفاتي الفاسد – وحديث الفساد والفاسدين في السلطة وصل في هذه الأيام إلى ذروته -. مثل هؤلاء أصفهم "بفاقدي المناعة الوطنية" من حاملي فيروس الإيدز الثوري، نتيجة لعلاقاتهم غير الشرعية ولواطهم السري والعلني بالقضية، وكمحصلة حتمية لمص دماء الهوية الوطنية.

عندما يُغتصب الوطن ويُزنى بالقضية ويُلاط بالهوية الوطنية، وعندما تُسرق مقدرات الشعوب المظلومة و يُنهب المال العام و يُداس على شرف النضال والمناضلين من قبل هؤلاء المصابين ويكون على رأسهم "رمز" فساد وناقل الفيروس لمن حوله من شلة النفاق والنصب والتدليس، فأن النتيجة والمحصلة النهائية لما نحن فيه الآن لن تكون إلا هكذا. أليس ناقل فيروس الإيدز الثوري "الرمز" هو من "فتح" لهؤلاء أبواب النهب و السلب و الإغتصاب و شجّع على وجود هؤلاء في صفوف المقاومة وعمل على تثبيتهم في قائمة "المُناضلين الشرفاء"، فهل يخرج من عباءة الفاسد إلا فاسد مثله؟

من يحمل فيروس الفساد الثوري لابد من أن ينقله بطريقة أو بأخرى – عن طرق الفم كالمص أو التبويس مثلاً - لمن حوله ممن عندهم قابلية وتربة طالحة مُهيئة لإستقبال هذا الفيروس المُعدي، وبالتالي لن يستطيع جهاز المناعة الوطني عندهم – هذا إذا كان موجود أصلاً - رد هذا الفيروس أو القضاء عليه. وبالنهاية ينتشر مرض "الإيدز الثوري" في كل أجهزة و أعضاء هذا الكائن الوطني وفي كل مكان، ومن ثم يعمل على تفتيت هذا الكيان وتحطيم تلك السلطة وهذه القضية مهما كانت عادلة وشرعية وحق تاريخي لشعب مظلوم ولكن بوجود سُلطة مصابة بذاك الداء الذي لا ينفع معه دواء فلا أمل لنا بالشفاء.

الفاسد لا يمكن أن يعيش أو يترعرع أو ينمو إلا بوجود فاسد مثله، والفاسد لابد تكون بيئته وهوائه ومائه فاسدة مثله و إلا إضمحل وتقلص ومات، ولن يعيش معه أو بجانبه من كان له جهاز مناعة قوي وفعال وبيئته نظيفة و تربته صالحة وضميره حي وروحه الوطنية عالية جداً وإحساسه بمعاناة شعبه عميق وصادق وله إنتماء واضح ومحدد وصريح فقط لهذا الشعب وهذه القضية العادلة وعنده إيمان قوي لا يتزعزع بحق هذا الشعب وحق تقرير مصيره على ترب وطنه وعنده الإستعداد الكامل للتضحية في سبيل هذه القضية والعمل على رفع الظلم عن شعبه في كل الأحوال وكل الظروف. هذا الوصف لكائن وطني – قد لا تجده في الوقت الحاضر – له مناعة وحصانة ذاتيه قوية، لن تقدر معها كل فيروسات العالم حتى لو إجتمعت على التمكن منه أو إفساده.

ولكن المشكلة ليست فقط في طبيعة هذا الفاسد وبيئته الفاسدة وليست فقط بمن يغذي شرايين الفساد في محيطه ويزودها بماء الحياة، وإنما أيضاً بمن يقاوم هذا الفاسد وذاك الفساد ويحاربه ويحاول جاهداً القضاء عليه، ولا يستطع إلى ذلك سبيلا، ذلك لأنه يكون أمام خيارين أحلاها مُر، فأما الخيار الأول فهو: عدم القدرة على تحمل الضغط المُمارس عليه من قبل الفاسدين وقوة تأثيرهم عليه وقذارة أساليبهم المختلفة - سواء كانت بالترغيب أو بالترهيب – المُتبعة في الضغط عليه وعلى من يساعده في كفاحه ضدهم، وعمل كل ما يمكن من أجل جر هذا الكيان الصالح إلى مستنقع الرذيلة وحمله على ممارستها وبالتالي يسهل عليهم ترويضه وكسر شوكته ومن ثم إنصياعه الكامل لهم ولمطالبهم مهما كانت حتى لو كانت تخالف مبادئه وما كان يعتقده سابقاً، ومع مرور الزمن تجده يعمل جاهداً على تبرير إعمالهم الفاسدة واللاوطنية ويتحاشى نقدها أو حتى الإشارة من بعيد إليها، وذلك حتى لا يَكشف أولئك ما فعله هو من خلالهم وحتى يبقى في لباس الوطنية الزائف لخداع من كان يعرف عنه الصلاح والعفة في ماضيه.

وأما الخيار الثاني فهو: محاولته المستمية في الدفاع عن أفكاره ومبادئه وتحصنه بجدار المناعة الوطنية الثابية في مواجهة الفساد وأزلامه مهما كانت الضغوطات ومهما عظمت التضحيات، فلا يثنيه عن هدفه كائناً من كان ولا يزعزع إيمانه بقضيته فاسد أو خائن أو عميل أو مسترزق بإسم الوطنية والنضال والعمل الثوري والمقاومة، ومهما وجد في طريقه من صعاب ومشاكل. ولكن وللأسف إن من يختار هذا الخيار تجده مع مرور الزمن ومع كثرة الفساد والفاسدين وكثرة النفاق والمنافقين وفي كل مكان وفي كل حين، فأنه يشعر بالتعب وبعبثية محاولة التغيير والإصلاح وعدم الإستمرارة في تلك المحاولات لعدم القدرة على قهر مَواطن الفساد والمفسدين، فينتكس إنتكاساً لا يعود له معها القدرة على مقارعة ومقاومة هذا التيار الجارف، فينسحب تاركاً ورائه الساحة الوطنية مستباحة لكل أنواع العهر ومن ثم الإيدز الثوري.

ومن يختار هذا الخيار ويبقى عنيداً صلباً في مواجهة تيار الفساد ويعمل كل ما في وسعه على تعريته مهما طال به الزمن، فإن مصيره على الأرجح يكون إما التصفية الجسدية أو الزج به - لإسكاته وتهميشه - في سجون الفاسدين إلى ما شاء الله، وبذلك يُصفى معنوياً وفكرياً وذاتياً، فمن لا تقدر على إفساده تخلص منه، حتى لا يصيبك منه نقاءه.

إن كشف وتعرية الفساد و المفسدين والمنافقين – بالذات من كانوا على وزن نفاق القحبة الشريفة - والمصابين بفيروس "الإيدز الثوري" المزمن، هو واجب وطني مهم جداً في مقاومة المحتل ونقطة جوهرية في تصحيح المسار الثوري وهو مضاد حيوي فعّال في تقوية جهاز المناعة الداخلية والشعور بالمسؤولية لصد أي هجوم فيروسي مهما كان نوعه أو مصدره أو من أي إتجاه. فمثل هذا الفيروس الثوري ليس له هوية واحدة محددة مربوط بها، فقد تجده بكل ألوان الطيف الثوري أو الوطني أو القومي أو الديني، وفي كل مكان وكل زمان له من يحمله وينقله إلى الأجيال التي تليه ممن لهم نفس القابلية الجينية بين أبناء هذه الأمة البائسة.

لقراءة مقالات اخرى للكاتب انقر هنا