هذه صورة سيدة فلسطينية حسناء قضت ست سنوات كاملة في أحد سجون أوسلو بسبب مقال كتبه زوجها في عرب تايمز تناول فيه قصة زواج ياسر عرفات من سهى الطويل وروى فيه بعض القصص عن الجواسيس الذين عملوا في مكاتب وبيوت عرفات خلال فترة جمهورية الفاكهاني .... وهي مقالات سنعيد نشرها قريبا .

في مطلع التسعينات نشرنا عرضا لكتاب " أبو نضال بندقية للإيجار " الذي وضعه الصحافي الإنجليزي المعروف باتريك سيل وتضمن الكتاب معلومات عن صحافي فلسطيني معروف هو الدكتور احمد أبو مطر ... وتلقينا بعد النشر رسالة من الدكتور أبو مطر بعث بها من أوسلو حيث يقيم ويعمل في إحدى جامعاتها ... وقد فند في مقاله ما ورد عنه في الكتاب المذكور وقال إن المؤلف وتجنبا لمعركة قضائية معه وعد أن يصوب المعلومات عنه في الطبعة الثانية من الكتاب .

وعلى هامش الرد عرض أبو مطر أن يكتب إلينا مقالات أسبوعية يتناول فيها العديد من القضايا التي شغلت الساحة الفلسطينية آنذاك بخاصة وانه كان من الصحفيين الفاعلين خلال الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان كما انه كان يتولى مناصب قيادية في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ... وذكر الدكتور أبو مطر انه يقيم في النرويج مع زوجته سهيلة اندراوس وابنته .

وافقنا على العرض لعدة أسباب ... فالدكتور لم يطلب أجرا على مقالاته ... ثم أن حجم المعلومات التي يعرفها تغري أية صحيفة باستقطابه وضمه إلى كتابها ... والاهم من هذا انه كان آنذاك يقيم في أوسلو حيث كانت اتفاقات أبو عمار السرية مع الإسرائيليين تطبخ على نار هادئة .

بعث إلينا الدكتور بمقال كعينة وكان المقال بعنوان " فضائح جمهورية الفاكهاني " ويقصد بها الجمهورية التي أقامها عرفات في بيروت ... وبعد نشرنا للمقال بعث إلينا الدكتور يقول : " أود أولا أن أشكرك على نشرك لمقالي حول فضائح الفاكهاني ... وثانيا أخبرك بأن الزعران عندكم في هيوستون يبرقون بالفاكس أولا بأول للزعران في قبرص وربما أماكن أخرى بتقارير عما تنشره عرب تايمز فما أن وصلت قبرص حتى اتصلت بموظف في مكتب المنظمة كنت اعتبره صديقا فإذا به يبادرني بالعتاب القاسي والجارح معتبرا أن ما كتبته في عرب تايمز يضعني في خندق معاد لمنظمة التحرير وهذا – حسب قوله – ما لا يرضاه لكاتب وصحفي مثلي . حاولت أن أوضح له الغرض من هذه الكتابات وهو " ليت الختيار يقرأ هذه المقالات " كي نستفيد من سلبيات تجاربنا لدعم إيجابياتها ولكنه رفض أي توضيح واوجز الموقف كالتالي : " يا أبو حميد ... أنت معنا ولا ضدنا ؟ "

.. يضيف الدكتور احمد أبو مطر في رسالته : " إن دافعي لهذه الكتابة النقدية الحادة هو وضع اليد على الجرح الذي طال نزفه فلماذا قادت كل الثورات شعوبها من انتصار إلى انتصار إلا هذه القيادة فهي تقودنا من نكسة إلى نكسة .. كل القيادات تحقق النصر خطوة خطوة إلا قيادتنا فهي تسير نحو الهزيمة خطوتين خطوتين " .... ثم يقول : " هل تتذكر القيادة القائمة التي نشرتها المخابرات العراقية أثناء احتلالها الكويت حول أرصدة العديد من أعضاء هذه القيادة في بنوك الكويت والتي انتزعتها من كومبيوترات البنوك الكويتية ؟ من أين جاءوا بهذه الملايين من الدولارات ونحن نعرفهم بالاسم والصورة فاغلبهم لم يعملوا في وظيفة مهما كانت سوى وظيفة " قيادي " في المنظمة وأنا اعرف بعضهم عندما كنا نعمل معا في الكويت عام 1967 ... لماذا حطت عليهم هذه الملايين دون غيرهم ؟ وهل تعتقد يا أسامة أن الختيار نفسه لا يعرف ذلك ؟ أنا أؤكد انه يعرف ذلك وبكل التفاصيل الدقيقة ولكنه يسكت " .

.. ويضيف الدكتور في رسالته : " إنني اعرف كيف خربوا ذمة شعبنا واخلاقة في لبنان ... عزيزي أسامة ... أنا اكتب ... وسأظل اكتب وسأنبش كل الماضي بالأسماء والصور والتفاصيل والأرقام كي يستقيم الحاضر .... وكان الله في عوننا وعون عرب تايمز ويا خفي الألطاف نجنا مما نخاف خاصة الأستاذ " كاتم الصوت " كامل الأوصاف . " . 

انتهت الرسالة .

بدأنا إذن نتلقى مقالات الدكتور احمد أبو مطر تارة بالفاكس ... ومرات كثيرة بالبريد ... وكانت – للحق – مقالات ساخنة ومثيرة ... لعل أهمها ما كتبه عن عرفات وزواجه من سهى ثم حديثه المطول عن الجواسيس في مكاتب وبيوت أبو عمار ومن بينهم عدنان ياسين مدير مكتب المنظمة بالوكالة في تونس والذي تبين انه كان عميلا للموساد ... ويبدو أن مقالات أبو مطر ضد عرفات وزمرته قد تجاوزت الخط الأحمر فتقرر إسكاته ليس عن طريق الاغتيال كما فعلوا مع ناجي العلي ... وميشيل النمري ... وحنا مقبل وكما كان يتوقع الدكتور نفسه " بكاتم الصوت " ... وانما عن طريق الزج بزوجته سهيلة اندراوس في السجن.

فجأة تم الإعلان في أوسلو عن إلقاء القبض على الفدائية الفلسطينية ثريا الانصاري التي تعيش مع زوجها الدكتور احمد أبو مطر تحت اسم مستعار هو سهيلة اندراوس ... وجاء في الإعلان أن المخابرات النرويجية تلقت إخبارية من جهات صديقة – تبين فيما بعد أنها مخابرات ياسر عرفات – تفيد بأن السيدة سهيلة اندراوس زوجة الدكتور أبو مطر وأم ابنته ليست إلا الفدائية الفلسطينية ثريا الانصاري التي قادت عملية اختطاف طائرة المانية إلى عدن والصومال وأصيبت في مطار مقاديشو بعشر رصاصات بعد قيام قوة ألمانية إنجليزية خاصة باقتحام الطائرة وقتل الخاطفين الثلاثة واصابة زعيمتهم قائدة العملية ... وتم الحكم على ثريا الانصاري بالسجن في الصومال لمدة عشرين عاما حيث قضت عامين قبل أن يتم الإفراج عنها لاسباب صحية .

حدث هذا أكتوبر من عام 1977 ... وقيل يومها أن رئيس الصومال محمد زياد بري قبض مائة مليون دولار نظير السماح لقوة ألمانية إنجليزية خاصة باقتحام الطائرة .

عادت سهيلة إلى بيروت حيث ولدت في أحد المخيمات الفلسطينية لاسرة فلسطينية مسيحية هاجرت من حيفا ... التحقت بالجامعة اللبنانية لدراسة اللغة الإنجليزية ... وعندما كانت في سنتها الثالثة اقتحمت مجموعة كوماندوس إسرائيلية برئاسة ايهودا بارك الذي تخفى بشكل امرأة العاصمة اللبنانية بيروت لتقتل ثلاثة من قادة المقاومة هم كمال ناصر ويوسف النجار وكمال عدوان ... كانت العملية الإسرائيلية تمثل تحديا للفلسطينيين وقررت سهيلة اندراوس الطالبة الجامعية أن تكون من ضمن المجموعات الفدائية التي سترد على هذه العملية ... فالتحقت بمعسكر تدريبي في بغداد وتم اختيارها لتقود عملية اختطاف طائرة لوفتهانزا .... وشاركت في العملية بالاسم الحركي ثريا الأنصاري ولم يكن يعرف حقيقة هويتها إلا عدد قليل من القيادات الفلسطينية على رأسهم طبعا ياسر عرفات , 

لم يكن الهدف من خطف الطائرات آنذاك قتل ركابها ... وانما كان الهدف ووفقا لما تقوله قيادات فلسطينية خططت لهذه العمليات هو لفت أنظار العالم إلى أن إسرائيل خطفت شعبا بأكمله ... ويقول الذين يؤرخون للفصائل الفلسطينية هذه الأيام أن عمليات الخطف التي بدأت عام 1968 هي التي ذكرت العالم بوجود الشعب الفلسطيني ومأساته .

خرجت سهيلة مع الذين خرجوا من بيروت بعد الحصار الإسرائيلي فمرت في دمشق ومنها إلى قبرص قبل أن تلجأ مع أسرتها إلى النرويج فتطلب فيها حق اللجؤ السياسي وتحصل عليه وتقيم مع زوجها وابنتها في اوسلو وتنصرف كلية لرعاية ابنتها الطفلة وزوجها الأستاذ في الجامعات النرويجية .

مقالات الدكتور أبو مطر في عرب تايمز أغضبت عرفات ومخابراته التي دست على زوجة الدكتور للمخابرات النرويجية والألمانية حيث تم إبلاغها أن السيدة سهيلة اندراوس ليست إلا الفدائية الفلسطينية ثريا الأنصاري بطلة عملية مقاديشو فتم اعتقالها في عام 1994 ومع أن محاميها بين للمحكمة أن موكلته حوكمت على مشاركتها في خطف الطائرة وحكمت بالسجن عشرين عاما في الصومال قضت منها عامين وخرجت لاسباب صحية والقانون الدولي لا يسمح ولا يجيز بمحاكمة الإنسان مرتين على جرم واحد إلا أن الحكومة النرويجية التي لعبت دور العراب في الاتصالات الفلسطينية الإسرائيلية وتحت ضغط مباشر من عرفات قررت تسليم سهيلة اندراوس إلى ألمانيا ...التي حكمت عليها بالسجن 12 عاما على أن تقضي مدة العقوبة في سجن نرويجي بحكم كونها تحمل الجنسية النرويجية ... وفي الثلاثين من نوفمبر عام 1999 افرج عنها بعد أن قضت نصف المدة أي ست سنوات في السجن .