* كتب : أسامة فوزي

من هو هذا الشاب الانيق الذي ننشر صورته هنا ؟ بلحية .... وبدون لحية .

وحتى لا أطيل عليكم اقول : هذه صورة صديقي الدكتور أحمد الكبيسي ... نعم هو ذاته الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي الذي اعتدتم على برامجه الدينية من فضائية دبي وفضائية ابو ظبي وفضائية الجزيرة ... وهو ذاته الذي اثار الدنيا ولم يقعدها يوم امس حين ظهر في بغداد والقى كلمة حماسية في جامع الامام ابو حنيفة الهبت الحماس واخرجت عشرات الالوف من العراقيين في مظاهرات صاخبة تطالب المحتل بالخروج من العراق وتدعو الى وحدة اسلامية بين السنة والشيعة .... نعم ... هو ذاته الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي الذي هاجم شيخ قطر ونصحه بأن يخفف من وزنه قليلا بعد ان تضخم الشيخ وأصبح من فصيلة الكركدن ... وتضخمت معه مشيخة قطر فظنت لاول وهلة انها اصبحت امبراطورية كبرى في المنطقة العربية لها " مونة " حتى على العراق وشعبه .

نعم ... هو ذاته الشيخ الدكتور احمد الكبيسي الذي شنت الجزيرة عليه هجوما كاسحا ... وسخر منه فيصل القاسم ... وخصصوا لنقده برامج مفتوحة وفبركوا من اجلها مكالمات هاتفية من هذا او ذاك ممن شككوا بالشيخ احمد ... ورموه تارة بالنفاق ... وتارة بالعمالة لجهات مشبوهة لمجرد انه - كعراقي - عاد الى بغداد ليقف الى جانب شعبه في ازمته ومحنته .

وانهالت المقالات على رأس الشيخ الدكتور احمد ... من قائل ان الشيخ لم تعرف عنه اية اهتمامات سياسية من قبل فلماذا حشر انفه الان في اللعبة السياسية ... الى قائل انه يظهر بزي اماراتي على فضائية دبي ليفتي في قضايا الزواج والطلاق ... الى قائل انه عميل لصدام حسين .... الى مشكك بالرجل وانتمائه الى بلده .

 وكانت جريدة الشرق الاوسط التي يملكها قوادون وتجار اعراض ومليونيرية تافهون الاكثر قسوة على الشيخ ربما تصفية لحسابات قديمة معه يوم سخر من جريدتهم " المسلمون " واعتبرها مؤامرة على الاسلام لان ما كانت تنشره " المسلمون " لا يزيد عن قضايا النكاح والجنس والشياطين وكأن الاسلام هو هذا فقط ... لذا اعتبرت الجريدة عودة الشيخ احمد الى العراق مؤامرة من قبل " قوى سياسية واقتصادية اقليمية تحاول ان يكون لها دور في عراق ما بعد صدام " نظرا لان الشيخ " اقام علاقة بالوسط المالي والاقتصادي في دبي بحكم اقامته فيها " على حد زعم الجريدة .

هكذا اذن ... حولت جريدة اولاد حافظ الشيخ الدكتور احمد الكبيسي الى تاجر ... وجعلته وكيل لشركات دبوية تريد ان يكون لها حصة في العراق ... وهو تفسير منحط يعكس نذالة اصحاب الجريدة ... ولا يمس شعرة في رأس الكبيسي ... وفي قناعة من يعرفون الكبيسي مثلي .... واظن ان اولاد حافظ هم اخر من يحق لهم ان يتكلموا عن الشرف والفضيلة والاوطان .... وقوادهم " بسام " فضحهم في كراسة وزعها على جميع الصحفيين وكشف فيها جانبا من مواهب اولاد حافظ واهتماماتهم الجنسية .( انقر هنا واقرأ مقالي عنهم ).

العجيب والمدهش ان جميع الذين كتبوا عن الشيخ الدكتور احمد الكبيسي لا يعرفون عنه شيئا على الاطلاق ... ومنهم من ظن انه مجرد شيخ من تلك النوعية التي تظهر على الفضائيات وتمارس " بزنس " الافتاء على طريقة القرضاوي .... ومع اني على ثقة ان الدكتور الشيخ احمد اقدر الناس على الدفاع عن نفسه ... الا اني وجدت أن من حق القراء علي ان اكتب لهم ما اعرفه عن صديقي الدكتور احمد ... جاري السابق في السكن ... وزميلي في العمل يوم التقينا في جامعة الامارات في منتصف السبعينات ... ورفيقي في الحملات الصحافية التي تشاركنا في اثارتها على صدر الصفحات اليومية والاسبوعية للجرائد الاماراتية

الدكتور احمد الكبيسي من مواليد عام 1935 في محافظة الانبار لاسرة سنية محافظة معروفة بتدينها ... تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس العراق وتفاعل وهو على مقاعد الدراسة مع احداث العراق السياسية ... من سقوط الملكية الى ظهور حقبة عبد الكريم قاسم ... ووصول حزب البعث الى السلطة ... اكمل دراساته العليا في الازهر الشريف وحصل على الدكتوراه في القانون والسياسة عام 1970 وعاد الى العراق ليعمل في جامعة بغداد الى عام 1976 حيث اختاره الدكتور عبد العزيز البسام ليشغل منصب رئيس قسم الدراسات الاسلامية في جامعة الامارات الوليدة الناشئة في مدينة العين ... وظل الدكتور الكبيسي على رأس عمله في تلك الجامعة حتى عام 1980 حين اسندت رئاستها الى " مطارزي " للشيخ زايد هو الدكتور عز الدين ابراهيم الذي لا يختلف عن الشيخ يوسف القرضاوي الا في عدد " الباسبورات " التي يحملها وكان من الطبيعي ان يترك الكبيسي الجامعة عائدا الى بغداد التي تركها مرة اخرى الى دبي ليشغل فيها منصا شرفيا اعترافا بفضله على ابناء الامارات ... ويشرف في الوقت نفسه على لجنة صياغة لقانون الاحوال الشخصية في الامارة . 

كان يمكن للدكتور الكبيسي ان يظل خارج دائرة الضؤ لو اكتفى بالوظيفة والمنصب لكن حيوية الشيخ وثقافته الواسعة وسعة علمه ومنطقه ولباقته اوصلته الى قلوب الناس عبر فضائية دبي ومن خلال برامج دينية اراد لها تلفزيون دبي ان تظل محصورة في قضايا الطلاق والزواج والوضؤ وهاروت وماروت ... فأذا بالكبيسي ينفذ من خلالها الى قضايا الساعة ويحولها الى منبر ناقد لانظمة الحكم وساسته في عالمنا العربي الكبير ويعطي لتلفزيون دبي الفضائي دفعة جماهيرية عربية طغت على برامج القرضاوي في الدوحة .

كان الدكتور احمد الكبيسي مع اخيه الذي يكبره بعامين  الدكتور حمد الكبيسي من اوائل المؤسسين لجامعة الامارات حيث شغل في منتصف السبعينات منصب رئيس قسم الدراسات الاسلامية فيها وفي رحاب الجامعة التقينا... كنت انا مسئولا عن قسم الدراسات والمتابعة في دائرة التنسيق التي استحدثت برئاسة صديقنا الدكتور عبدالله عباس " ابو هشام " ... وكان الكبيسي رئيسا لاكثر الاقسام حساسية انذاك .. قسم الدراسات الاسلامية ... ثم تجاورنا في السكن ... ثم تصاحبنا ثم تعاركنا على صفحات الجرائد... وكانت قعداتنا التي يجملها حضور صديقنا واستاذنا الدكتور عبد الكريم الاشتر " ابو محمد " والدكتور حمد الكبيسي وصديقنا الساخر الاديب حسيب كيالي رحمه الله  من اجمل اللحظات التي علقت في ذاكرتي ولعلها الوحيدة التي تعلق في الذاكرة من اقامة طويلة في الامارات زادت عن عشر سنوات تنقلت خلالها بين اكثر من عمل واكثر من وظيفة سواء في تلفزيون دبي او في عدة صحف اماراتية عدا عن ادارة المناهج المدرسية ووزارة التعليم .

تحت عنوان " كابوي نحيف وخجول سجل هدفا مباشرا في مرماي " كتب الدكتور احمد صفحة كاملة في جريدة الفجر الصادرة في 26 كانون ثاني شباط 1980 وصف فيها  اول لقاء تم بيني وبينه .... كنت يومها لا اعرف الدكتور احمد شخصيا ولا يعرفني وان كنت اقرأ مقالاته ويقرأ مقالاتي .... يومها دخلت في معركة صحافية مع عشرة اساتذة في الجامعة خرجت فيها منتصرا واصبحت مقالاتي حديث الطلبة والاساتذة في الجامعة بخاصة وان خصومي العشرة بعثوا بانذار الى الاستاذ عبيد المزروعي رئيس تحرير جريدة الفجر خيروه بين ان ينشر لهم مجتمعين او ينشر لي .... واختار المزروعي ان ينشر لي الامر الذي فسر على انه " طرد " لهم من الجريدة التي كانت تستكتبهم انذاك .... لقد اعتبر عبيد المزروعي انذار الدكاترة الذين فشلوا في الرد علي او مواجهتي على صفحات الجريدة محاولة ابتزاز كانت سترفضها اية جريدة تحترم نفسها .

يومها اشفقت على الجريدة ان تخسر عشرة من اساتذة الجامعة دفعة واحدة بسببي بخاصة وان الجريدة انذاك كانت توزع على نطاق واسع بين طلبة الجامعة ... فقمت - بتكليف من عبيد المزروعي صاحب الجريدة ورئيس تحريرها - بالبحث عن اساتذة اخرين للكتابة في الجريدة واخترت الدكتور الكبيسي لانه كان انذاك يكتب مقالات لافتة للنظر وذات بعد ثقافي وسياسي جذاب في عدة صحف اماراتية ... ذهبت الى مكتبه .... طرقت الباب وطرحت السلام عليه وجلست مع الجالسين .... كان الدكتور مشغولا مع عدد من طلابه وان كان قد انتبه الى اني لست واحدا منهم ولعله سأل نفسه : من هذا وماذا يريد ؟ كان خلال حديثه مع الطلبة الزائرين ينظر الي ليشركني في الحوار او ليشعرني باهتمامه بدخولي وكانت تلك احدى مزايا الكبيسي التي قربتني منه بعد ذلك فهو يحترم الجميع بغض النظر عن مقاماتهم وهو يحرص على ان  يشعر كل فرد على حدة بأنه الاهم بين الحاضرين .

بعد ان شيع الكبيسي طلبته الى الباب وبقينا وحدنا في المكتب بادرني بالسؤال : اهلا وسهلا .. يا مرحبا .... بأيش ممكن اخدمك ؟ انا لم اتشرف بمعرفة اسمك ؟

قلت له : انا موظف في الجامعة ولكني هنا في مهمة خاصة فقد كلفني الاستاذ عبيد المزروعي رئيس تحرير جريدة الفجر ان استكتبك للجريدة .

نظر الكبيسي الي شاكا ... اذ يبدو اني لم اكن مقنعا في عرضي ... وتنبهت متأخرا  الى اني جئته بقميص وبنطلون كابوي وشحاطة وهي ليست هندام مندوب رئيس تحرير جاء ليعرض على رئيس قسم الدراسات الاسلامية في الجامعة الكتابة في جريدته .

سألني وعلامات الشك لا زالت بادية على وجهه : ايش اسمك ؟

قلت : أسامة

قال : اسامة ايش ؟

قلت : اسامة فوزي

قفز الدكتور من مقعده وهو يصيح : انت اسامة فوزي .... مش معقول .... انت بعبع الجامعة .... مش معقول .... انت اسامة فوزي اللي بتكتب في جريدة الفجر .... مش معقول .... من يقرأ مقالاتك يتخيلك عملاق الجثة ومفتول العضلات ومسلح بساطور او مدفع رشاش .... انت اسامة فوزي .... لا يمكن .

كان اللقاء مثيرا للدهشة ... وكانت ردة فعل الكبيسي غير متوقعة فقد خرج الرجل الى الممر ونادى عددا من اساتذة الجامعة ممن يعملون معه في القسم  بصوت مرتفع : تعالوا شوفوا اسامة فوزي .... اسامة فوزي عندي ....

مقاله الاول في جريدة الفجر كان عني .... جعل له العنوان المذكور اعلاه " كاوبوي نحيف وخجول سجل هدفا في مرماي " سرد فيه بعضا من القضايا التي اثرتها في مقالاتي واثرها على بعض اساتذة الجامعة ثم وصف اللقاء الاول بيننا وعرج على اسلوبي في الكتابة فمدحني ونوه بأسلوبي الساخر ... كان مقاله عني رائعا  جر عليه الكثير من وجع الرأس بخاصة من قبل خصومي من اساتذة الجامعة ( زملائه ).

كانت عودة الكبيسي الى بغداد خسارة كبيرة لجامعة الامارات ولما زارني الدكتور محمد نوري شفيق مدير الجامعة الجديد في بيتي قبل سفري الى امريكا  اثرت امامه موضوع الدكتور الكبيسي وحالة الانهيار في مستوى الجامعة بعد تولي عز الدين ابراهيم ادارتها وتحولها الى دكان لمنح الامتيازات لطلبة بعضهم تخرج منها وهو لا يحسن فك الخط .

كان الدكتور احمد الكبيسي يومها شابا في الخامسة والاربعين من العمر ... شديد الاناقة والعناية بهندامه ... يفضل البدلات الايطالية وربطات العنق الداكنة  ... كان وسيما ... لا يتستر وراء لحية او شارب رغم انه كان يشغل منصبا يتطلب مثل هذه " الادوات " ... كان شديد اليقظة ... يكتب الشعر في السر  ... والاهم من كل هذا كان الدكتور احمد مشغولا وملغوما بالهم السياسي ... يتعاطاه في كل كتاباته وجلساته ومحاضراته ... والذين كتبوا يهاجمونه منكرين عليه الاهتمام بالشأن السياسي في بلده ظانين انه شيخ  "من بتوع هذه الايام " ان يعلموا ان الرجل تعاطى السياسة منذ كان طالبا في بغداد ... ومارسها في اوج الغليان الناصري ... وواكب ما وقع بالعراق ولم يكن قبوله بالعمل في مشيخة ابو ظبي الا هروبا من واقع سياسي مر فرضه صدام حسين على العراقيين بشكل عام ... وعلى المثقفين منهم بوجه خاص . 

كانت كل مقالات الدكتور احمد الكبيسي في صحافة الامارات انذاك وبعضها كان ينشر من خلالي سواء في جريدة الفجر او في جريدة الوحدة تتعاطى مع الهم السياسي ... واحيانا مع الجانب القانوني من هذا الهم ... ولم يكن هذا بغريب عليه ... فالكبيسي استاذ في " القانون والسياسة " وهذا هو تخصصه العلمي ... وحكايته مع فتاوى الطلاق والزواج ويبرود ونمرود ومبطلات الوضؤ وهاروت وماروت جاءت متأخرة بعد استضافته في برامج لمحطة دبي الفضائية هذا هو محورها ... فظنه الجهلة ممن لا يعرفونه انه لا يبحر الا في هكذا مواضيع ... وان تطاوله على الشأن السياسي " بطر " من ذلك النوع الذي يمارسه ارزقي مثل يوسف القرضاوي . 

الا ان الاذكياء ممن تابعوا برامج الشيخ على فضائية دبي وابو ظبي وبعض مشاركاته في برامج الجزيرة ادركوا ان الرجل وان كان يظهر بعباءة ولحية ... وان كان يتحدث عن هاروت وماروت الا انه في الواقع يسقط الشأن الديني على الشأن السياسي وينفذ عبر ما هو ممكن الى ما هو غير ممكن بخاصة وان مشيخة دبي وافقها السياسي لا يتسع لمواقف الكبيسي ان هو اعلنها على الملأ ... وقد رأينا عينة منها ... فكلمته في جامع الكاظمية اخرجت بغداد كلها في مظاهرة ضد المحتل ... وجعلت بغلا مثل شيخ قطر ينتفض ... ويأمر محطته الفضائية واذنابه من الكتاب بفتح النار على الدكتور الشيخ ...ولم يوفروا ... فنالوه ونقدوه حتى بلباسه وعباءته بعد ان زعموا كذبا انها عباءة اماراتية ... وما هي بذلك ... فالعباءات للعراقيين ... واحمد الكبيسي اولى من غيره بها فهو ابن شيخ قبيلة عراقية معروفة ... وهو استاذ جامعي متخصص في القانون والسياسة ... وهو شاعر ومثقف وسياسي ووطني لا يطال الاقزام من أولاد حافظ  كعب حذاءه . 

لماذا كل هذه الضجة التي اثيرت بعد ظهور الدكتور احمد الكبيسي في بغداد خطيبا مفوها في اكبر جامع للمسلمين السنة في عاصمة الرشيد ... ولماذا يستكثر عليه شيوخ قطر ان يعود الى بلده بعد سقوط النظام البعثي فيه ... ولماذا لم يثيروا مثل هذه الضجة ضد من عاد الى بغداد في دبابة امريكية ومن قطر تحديدا ... وما اكثرهم... لماذا لم يوجهوا نقداتهم الى مطارزي وسكرتير للشيخ زايد يحمل جنسية الامارات اسمه عدنان الباجه جي يسعى و بدعم من مخابرات زايد لان يصبح رئيسا للعراق وكأن العراق امحل من الرجال ولم يعد فيه من يصلح للرئاسة الا خادم الشيخ زايد  .... وهل ظن بغل الدوحة ان الكبيسي العملاق هو من ذات الفصيلة التي اعتادوا عليها  والتي تعمل بالمراسيم والاوامر الاميرية من طراز فصيلة يوسف القرضاوي الذي اوقف برنامجه في الجزيرة ارضاء لامريكا !! 

الدكتور احمد الكبيسي ابن بغداد ... عاد اليها حرا ليدعو الى وحدة اسلامية بين السنة والشيعة ... وليطالب بزوال الاحتلال ... وليفضح الدور الخياني التامري الذي لعبه الحكام العرب وعلى راسهم " بغل الدوحة " و " خنزير عمان " و " جرذ الكويت " عداك عن الادوار التي لعبها " الديوث " و " الممحون " و " المسطول " و " الاخضر " و " الزول " و " تاجر القات " و" ابو ضحكة جنان " وغيرهم من حكام اخر الزمان .

الذي يفلقني في كتاب الاعمدة الصحفية هذه الايام من فلسطينيين وسوريين ومصريين واماراتيين واردنيين الخ انهم يحترفون " المزايدة " على المواطن العراقي ... وكلهم يمارسون " الاستاذية " عليه ... ويدكونه ليل نهار بنصائح " وطنجية "  ويحاولون اقناعه بأن نظام صدام حسين البائد كان خيرا على العراق والعراقيين ... مع انه لا توجد اسرة عراقية واحدة سنية كانت ام كردية ام شيعية ام تركمانية ام مسيحية الا وانتزع صدام حسين منها فردا غاب في حروب صدام الكثيرة ... او ضاع في زنازين صدام الرهيبة ... او تشرد في معسكرات اللاجئين في اربع انحاء الارض ... او تلاشى في حملة من حملات الاعتقالات ... او ذاب بالاسيد في سجون عدي ... او تحول الى حقل تجارب لاسلحة صدام الكيماوية التي لم تستعمل الا ضد المسلمين في ايران ثم ضد العراقيين الاكراد .

الذين حملوا الدكتور احمد الكبيسي على الاعناق في الكاظمية ... وخرجوا في واحدة من اكبر المظاهرات التي شهدها العراق ضد الاحتلال هم قطعا اصدق من كتاب الاعمدة الذين يقبضون بالدولار والذين قبضوا من قبل بالدينار العراقي من نظام صدام ... والذين لن يمانعوا القبض بالشيكل طالما ان الهدف هو ممارسة القوادة والدجل على الشعب العربي .

كنت امل قبل ان يسخر فيصل القاسم من الدكتور احمد الكبيسي لمجرد انه كعراقي وجد ان مكانه الطبيعي هذه الايام بين ابناء شعبه ... ان يقول لنا القاسم رأيه في بغل الدوحة الذي اديرت من عاصمته الحرب على العراق ... كنت اتمنى ان يفبرك القاسم في " منبر الجزيرة " مكالمة تسأل وزير خارجية قطر عن الحسابات السرية التي فتحها في بنوك جيرزي سيتي لتلقي الرشاوى ... وغسل الاموال ... وبيع الاوطان بدل التذاكي والتشكيك بموقف الدكتور احمد الكبيسي الذي طالب من على منبر مسجد الكاظمية بمحاسبة الحكام العرب الخونة ... وعلى رأسهم بغل الدوحة الذي طالبه الشيخ ان يخفف من وزنه قليلا ... ان لم يكن من اجل صحته ... فعلى الاقل ... من اجل " موزة " .... واللبيب من الاشارة يفهم .

حتى اعطي فكرة عن روح الدكتور الكبيسي الحلوة .... وصداقته التي لا تعوض انشر هنا رسالتين بعث بهما الي .... الاولى مؤرخة في 12 كانون ثاني شباط 1981 وقد بعث بها من السعودية وتسلمتها في الشارقة حيث كنت اقيم واعمل .... والثانية مؤرخة في 26 مايو ايار عام 1986 وقد تسلمتها في امريكا بعد ثلاثة اشهر من وصولي الى ولاية تكساس مهاجرا ... في رسالته الاولى اراد الدكتور ان يفرحني بخبر تقريض كتابي " اراء نقدية " الذي كان قد صدر حديثا ويبدو ان التلفزيون العراقي قدم عرضا له في برنامج ثقافي شاهده الكبيسي بحكم اقامته وعمله انذاك في جامعة بغداد ... وقد كانت لفتة الكبيسي مغلفة كعادته بروح الفكاهة والسخرية حيث يشير الى انتقالي من عملي في جامعة الامارات الكائنة في مدينة العين الاماراتية الى العمل في دائرة المناهج المدرسية الكائنة في دبي مع الاستاذ عبدالله عباس الذي عين مديرا لها انذاك .

اخر عهدي بالدكتور احمد الكبيسي - بعد ان هاجرت الى امريكا - يعود الى 26 مايو ايار عام 1986 .... يومها تلقيت منه رسالة بعث بها الي من بغداد بعد ان علم من صديقنا المشترك الدكتور عبد الكريم الاشتر اني هاجرت الى امريكا ... وزوده الاشتر بعنواني في تكساس ... ومن يومها لم ار الدكتور احمد الكبيسي الا على شاشات التلفزيون ... لم اره من قبل بالعباءة كما يظهر على الشاشة هذه الايام ... عرفته دائما رجلا انيقا ببدلة افرنجية على اخر طراز وربطة عنق كان يحرص الكبيسي ان تكون باريسية ... صحيح ان مظهره قد اختلف والشيب غزا شعره والعباءة كبرت سنه وحجمه .... لكن شخصيته وروحه المرحة ظلت كما هي وكما عرفتها متوقدة وشابة ومرحة .... وفيها الكثير من الرجولة والفروسية والتواضع وهي من اهم صفات العراقيين الذين جار عليهم الزمن وسلم رقابهم لرجل جاهل مثل صدام حسين والعصابة التي حكمت معه العراق وزرعت البلاد طولا وعرضا بالمقابر الجماعية .... انقر على رسالة الكبيسي لتكبيرها و لتعرف جانبا من شخصيته المرحة المتوقدة التي احسده عليها .