القاسم والمقسوم
" شقلباز " المكتوم
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد رقم 340 الصادر في 19-2-1990

 

منذ أن فتك راشد المكتوم بأولاد عمومته فى"ديرة" عشية زفافه قبل أكثر من نصف قرن وصار حاكم إمارة دبى بلا منازع لم يعد أحمد من شيوخ الساحل المتصالح أمنا على حكمه فالاباء والأبناء وأبناء العمومة يحيكون الدسائس ضد بعضهم البعض ويكيد الواحد منهم للآخر كأنهم أعداء لأقرباء منهم من يسمى ذلك "حركة تصحيحية" كما فعل حاكم قطر الشيخ خليفة بن حمد أل ثاني عندما قلب نظام حكم عمه الشيخ على أو كما فعل السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان عندما انقلب على والده سعيد بن تيمور أو كما فعل الشيخ زايد بن سلطان حاكم أبو ظبى عندما انقلب على شقيقه الشيخ شخبوط والواقع أن ما جرى ويجرى فى تلك الإمارات الخليجية لا تنطبق عليه عبارة "الحركة التصحيحية" ولا تنطبق عليه كلمة "انقلاب" فالكلمة المعبرة عن ذلك هي الكلمة المستعملة فى مصر من أيام المماليك وهي "الشقلباز" أي حركة التقلب أو التشقلب البهلواني وآخر فصل فى هذا الشقلباز الخليجي ما جرى فى إمارة الشارقة أخيرا بن الشقيقين القاسميين سلطان وعبد العزيز.
سلطان بن محمد القاسمى، حاكم الشارقة، حالة خاصة بين شيوخ الإمارات أنه شيخ وحاكم وقبل الحكم كان مهندسا زراعيا وبعد الحكم صار دكتورا إذ نال شهادة الدكتوراه على يد الأستاذ الثعلبان الدكتور شعبان فى جامعة اكستر البريطانية التي أمدها الشيخ المهندس الدكتور بمعونات سخية عرفانا وتقديرا.
ولا ندرى لماذا اختار سلطان القاسمى فى صباه أن يدرس الهندسة الزراعية فى القاهرة، مع أنه ليست فى صحراء إمارته والصحارى المجاورة زراعة أو قابلية للزراعة لكن ذلك جعله وحيدا وفريدا بين الشيوخ الذين لم يكن لهم نصيب من العلم أنه أول شيخ ينال شهادة جامعية عليا.
لكن العلوم الجامعية التي حصلها سلطان القاسمى لم تحصنه ضد الشقلباز الخليجي وذلك لكون إمارته مجاورة لإمارة أل المكتوم الذين يحاولون دفع إمارتهم إلى الصدارة فالفصل الأخير فى هذا الشقلباز أن الشيخ الدكتور سلطان محمد القاسمى أصدر بيانا عزل فيه شقيقه الشيخ عبد العزيز من مناصبه كولى للعهد ونائب للحاكم والأهم من ذلك أن عبد العزيز تم عزله وهو فى حمي الشيخ زايد حيث كان يقيم فى قصر قدمه له رئيس دولة الاتحاد فى مدينة العين ولذا فإن هذا الشقلباز هو فى الواقع جزء من الصراع التاريخي بين دبى وأبو ظبى وهو الصراع الذى دار سابقا بين زايد وراشد ويدور الآن بين خليفة بن زايد ومحمد بن راشد.
هذا الصراع بين الإخوة فى الشارقة كما يقول الخبثاء فى الإمارات المتصالحة هو "البروفة" أو النمط الذى ستسير عليه الأمور فى المستقبل عندما ينقلب محمد المكتوم على شقيقه الأكبر مكتوم المكتوم ولى العهد أو عندما ينقلب سلطان بن زايد على شقيقه خليفة ولى العهد فالشقلباز الخليجي كما يقول هؤلاء مسلسل ليس له نهاية.
ولئن كان قرار الشيخ سلطان القاسمى بعزل الشيخ عبد العزيز الذي حاول بدوره فى حركة شقلبان عزل شقيقه الحاكم فى 16 تموز (يوليو) 1987 وهو خارج البلاد فإن جذور هذه الشقلبان تمتد إلى أبعد من ذلك .
ففي الشارقة التي يحكمها القواسم أخرى تشكل محور وعماد الحكم إلى جانب القواسم منها الناكبيان وبني ياس وبومهير والمرر والمثاويش والنعيم وغيرها الشيخ سلطان بن صقر القاسمى استطاع عام 1803 أن يأخذ الحكم ويستأثر به لعائلته فخلفه الشيخ خالد بن سلطان وتلاه الشيخ سالم بن سلطان الذى تعرض لأول شقلبان قاسمى فحل محله الشيخ صقر بن خالد بن أحمد ثم انتقل الحكم للشيخ سلطان بن صقر الذى حكم طويلا 1924 إلى 1951 ثم خلفه أخوه الشيخ لمدة أسابيع قليلة وحل محله الشيخ صقر بن سلطان.
وهنا لا بد من إلقاء بعض الضوء على الشيخ سلطان الحاكم الحالى فى الشارقة.
الشيخ صقر الذى يعيش الآن فى المنفى مع ابنته ميسون (بين فيينا والقاهرة) عروبى النزعة مثل ابن عمه الشيخ سلطان ومع أن الشيخ صقر لم يتح له الحصول على علوم جامعية مثل الشيخ سلطان إلا إنه شاعر قومي رقيق الحاشية والفارق الآخر بين صقر وسلطان هو كالفارق بين السورى والمصرى فالشيخ صقر كانت قبلته دمشق فيما كانت القاهرة قبلة سلطان كان الشيخ صقر منحازا إلى البعث والبعثيين وكان سلطان منحازا إلى عبد الناصر والناصريين وكانت للشيخ صداقات وعلاقات مع كبار قادة البعث وخاصة مع الراحل صلاح الدين البيطار وعندما كان حاكما للشارقة أعطى جوازات سفر لكبار البعثيين الأردنيين الذين طردهم الملك حسين من مملكته ومنهم الراحل الشاعر كمال ناصر أما الشيخ سلطان فقد فتح الباب للمصريين وقربهم للمشورة والمؤانسة.
ذلك السلوك البعثي للشيخ صقر آثار ضده ضغائن فى دوائر عديدة فنحي عن الحكم عام 1965 فى عز الصراع البعثى الناصرى وجئ بابن عمه الشيخ خالد بن محمد ليحل محله وقد جئ بخالد فى مرحلة حاسمة لأن طبخة الاتحاد كانت تطبخ على نار انجليزية خفيفة فأتيح له أن يوقع على الدستور المؤقت وأن يدخل الشارقة فى اتحاد الإمارات برئاسة الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان حاكم أبو ظبى.
لكن الشيخ صقر لم ينم على الضيم ففي ليلية ليلاء جيش أنصاره وزحف على الشارقة ليستعيد ملكه وفى تلك العملية قتل الحاكم خالد بن محمد ويقال أن ابن عمه المخلوع صقر هو الذى قتله والله أعلم ويقال أيضا أن الشيخ راشد المكتوم حاكم دبى هو الذى أعطي التسهيلات لزحف الشيخ صقر أو غض النظر عنه نكاية بالشيخ زايد الذى ألقى بثقله إلى جانب خالد.
والثابت عمليا أن تدخل الشيخ زايد هو الذى أجهض أل المكتوم شقلباز الشيخ عبد العزيز فى 1987.
قتل خالد ونفى صقر وأصبحت حاكمية الشارقة شاغرة وقد أدي هذا الوضع إلى مداخلات وضغوط عديدة وإلى أخذ ورد بين شيوخ النهيان فى أبو ظبى وشيوخ أل المكتوم فى دبى ونتيجة لهذه الضغوط والمساومات تقرر تنصيب الأخ الأصغر للحاكم القتيل فى 25 كانون الثاني (يناير) 1972.
الأخ الأصغر للشيخ القتيل هو الشيخ سلطان الذى كان يدرس الهندسة الزراعية فى القاهرة أما الأخ الأكبر الذى تجاوزه فهو الشيخ عبد العزيز الذى هو موضوع الشقلباز الأخير.
كان الحاكم الجديد الشيخ سلطان بن محمد عندما تولى الحكم شابا يافعا ومندفعا وفوق ذلك كان متعلما ومثقفا وكان أيضا مصرى الهوي ناصرى النزعة قومي الاتجاه ولذلك حاول ونجح إلى حد ما فى استقطاب الأضواء باستحداث الأشياء ليحول الشارقة إلى كيان فريد ومزدهر فقد سمح للعرب بالتملك متجاوزا التمييز الخليجي ضد الوافدين الذى يشبه نظام "الابارتيد" بل أن الشيخ سلطان اتهم الكويتيين بأنهم هم الذين جلبوا نظام التمييز ضد الوافدين إلى الخليج من بقية بلاد العرب. وكما أن تملك "الوافدين" ممنوع فى الخليج كذلك كانت حريتهم فى العمل والتجارة مقيدة بنظام الوصاية حيث يجب أن يكون لكل وافد وصى محلى من أهل البلد هو بمثابة الشريك المضارب أما الشيخ سلطان والحق يقال فقد أطلق أيدي "الوافدين" فى العمل والتجارة دون أي وصاية أو شراكة ثم جعل الشارقة واحة للمهرجانات الثقافية والفكرية ومنح المقيمين فيها الحرية والأمان عندما حد من نفوذ أجهزة المخابرات ونشاطاتها القمعية التي تمارسها فى دبى وأبو ظبى فصار معروفا أن الشارقة هي ملاذ الهاربين بحريتهم وأفكارهم وأقلامهم من مطاردات الأجهزة التابعة لشيوخ دبى وأبو ظبى.
رائحة النفط فى الإمارات "كما تفاح بلبنان" على قول أبى نواس ورائحة النفط تثير الشهية الشقلبازية.
فقد ظل أل المكتوم يعتقدون بأن المنظمة الحدودية على امتداد خمسة أميال بين دبى والشارقة تقوم على خزان من لنفط مع أن عمليات التنقيب فيها منذ 1964 لم تسفر عن نتيجة وكاد هذا الاحتكاك النفطى بين أل المكتوم والقواسم يتحول إلى نزاع دموي واسع، النفط فى تلك المنطقة لم يظهر فقد ظل النزاع قائما، بل تعمق بعد إعلان الاتحاد وتخلف دبى عن الإسهام فيه من حيث دمج أجهزة الجيش والشرطة والإعلام فى الأجهزة الاتحادية.
إقدام الشيخ سلطان على إلغاء الجيش ودمج إذاعة الشارقة بالأجهزة الاتحادية كان السبب الثاني لنقمة الشيخ عبد العزيز أخيه الأكبر بعدما جرى تجاوزه عند مقتل أخيه الحاكم فقد أدي هذا المنحي الاتحادي للشيخ سلطان إلى خلل فى موازين القوي بين الشارقة ودبى لأن أل المكتوم لم يسيروا فى هذا الاتجاه مما جعل الشارقة تعيش تحت رحمة الجيش المتنامي للشيخ محمد المكتوم وزير دفاع الإمارات الذى حرص على عرض عضلاته بأن أقام إدارة الأمن والشرطة والمخابرات فى منطقة القصيص على بعد عشر دقائق فقط من قصر حاكم الشارقة.
لكن الدهر دولاب كما يقولون وسبحان المغير من حال إلى حال فالعصر الذهبى للشارقة لم يدم طويلا إذ أتي عليه الكساد الاقتصادي والاتجاه القومي للشيخ سلطان لم يدم هو الآخر إذ أتي عليه المد الإسلامي.
ففي بداية عهد سلطان تحولت الشارقة إلى منتج سياحي مرموق حيث قامت فيها الفنادق العامرة والمسابح المغرية والبارات الطليقة حتي أن الشيخ سلطان أراد بإقامة الكورنيش والجسر التاريخي الذى أعطي اسم الحاكم القتيل أن يقلد شارع قصر النيل فى القاهرة و "بون الكسندر" فى باريس بل أن نادي البحر المتوسط (المديترانية) الفرنسى أقام فى الشارقة مستعمرة سياحية كاملة للسواح الذين ينضمون إلى رحلاته فى الشرق فيها فندق فخم ومطاعم ومسارح ومراقص وبارات ومسابح وموانئ للتزلج على الماء أطلق عليها اسم "كورال بيتش" بعد إدراج النادي على اللائحة السوداء بقرار من مكتب مقاطعة "إسرائيل" فكانت القاعدة الذهبية هناك هي القاعدة النواسية فى بغداد العباسيين "إلا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر" فقد كان الشيخ سلطان فى ذلك جهورا وجسورا بأن سقى الناس خمرا وقال لهم هي الخمر.
لكن سلطان الإسلام هو غير سلطان العربى ووسط هذه "الردة" السلطانية أقفلت الإمارات فاقفرت الفنادق واختفي المسابح، وضرب الكساد أطنابه، وهكذا كان الكساد من أسبابه الشقلباز بالإضافة إلى الأسباب السالفة الذكر.
فالشيخ عبد العزيز هو أول من تحسس ذلك الكساد المرير لأنه على تماس مباشر مع الأوضاع الاقتصادية فى الإمارة إذ بعد تجاوزه فى الحكم لصالح شقيقه الأصغر انصرف إلى التجارة وهو وكيل لشركة "جنرال موتورز" الاميركانية فى الشارقة ورئيس غرفة التجارة أيضا فهل يشتكي أهل التجارة لغير شاهبندر التجار؟.
ومع ذلك فإن الخلاف بين الشقيقين ما كان ليقع بهذه الحدة لولا مداخلات شيوخ دبى وأبو ظبى فإذكاء جذوة الخلاف من قبل أل نهيان وأل مكتوم هو الذى جعل بين القواسم قاسما ومقسوما.
فقد كانت دبى المستفيد الأكبر من الكساد فى الشارقة ذلك أن أل المكتوم كانوا يراقبون تطور الأمور هناك عن كثب ويرصدون الأوضاع بدقة للإفادة من الثغرات فعندما منع الشيخ سلطان الخمور فى إمارته سارع شيوخ دبى إلى فتح خماراتهم وفنادقهم على مصراعيها فازهر القطاع الفندقي والسياحي فى دبى وأفلست فنادق الشارقة وتسارعت حركة النزوج من الشارقة باتجاه دبى وزاد النزوح عندما أطلقت أجهزة الأمن الدبيانية إشاعة مفادها أن حاكم الشارقة قد أمر بجلد مدير مخابراته بعد ضبطه مخمورا وبعدما أصدر أحد قضاة الشارقة حكما بالرجم على أحد الزناه من الهنود عملاء بأحكام الشريعة الإسلامية. 
فكيف حدث هذا الشقلباز القاسمى فى عائلة متميزة بعلاقاتها الأسرية حيث شيوخ هذه العائلة بعيدون عن الشبهات فى حياتهم الخاصة والعامة فالشيخ عبد العزيز مثلا رب أسرة لم يجمع إلى زوجته أم خالد زوجات أو جوارى كما يفعل شيوخ الخليج وله ولد بكر واحد هو " خالد " وهو صديق لي عهد له مؤخرا بإدارة أعماله التجارية وأسرته تعيش فى حدود المعقول وكذلك الحال بالنسبة للشيخ سلطان حاكم الإمارة الذى انشغل على غير عادة شيوخ الخليج بالدراسة والتحصيل ورعاية النشاطات الفكرية والثقافية فى الوقت الذى كان فيه شيوخ دبى ينفقون مئات الملايين على شراء الاسطبلات والخيول فى أوروبة وفى الوقت الذى انشغل فيه شيوخ أبو ظبى بسباقات الهجن. 
القشة التي قصمت ظهر البعير فى الشارقة هي قرار الشيخ سلطان عام 1985 بإنشاء حرس أميري وكان تكليف الشيخ سلطان لأخيه الشيخ عبد العزيز بالإشراف على إنشاء هذا الحرس مثال قلق لشيوخ دبى على وجه التحديد فالشيخ عبد العزيز رجل عسكرى معروف بصلابته (يقال أنه تخرج من كلية ساندهيرست البريطانية) ويبدو أنه تجاوز الخطوط الحمر فى تشكيلة للحرس الأميري عندما أخذ يؤسس سلاحا للطيران وأسلحة للدبابات والمدرعات الأمر الذى اعتبرته دبى تهديدا له.
ويبدو أيضا أن الشيخ عبد العزيز كان يحظي فى مشاريعه العسكرية تلك بموافقة ضمنية من أبو ظبى التي أرادت للشارقة مثل هذا التوجه إحراجا لدبي وضغطا عليها وورقة مساومة يمكن أن يلعب بها شيوخ أبو ظبى فى أي وقت بعد الأزمة الحادي التي وقعت بين ابو ظبى ودبى على أثر قرار الشيخ زايد بتعيين ابنه سلمان نائبا لقائد الجيش.
ولعل هذا يفسر تعاطف أبو ظبى مع شقلباز عبد العزيز فى 16 تموز (يوليو) 1987 عندما سارع تليفزيون ابو ظبى إلى قطع إرساله وإذاعة البيان الانقلابي الأول للشيخ عبد العزيز هو ما لم تفعله دبى التي لاذت أجهزتها بالصمت المطبق عدة ساعات قبل أن يصدر بيانها المشهور برفض الانقلاب والاصرار على إبقاء الشيخ سلطان فى منصبه حاكما للشارقة.
ولم تكتف دبى بالرفض الإعلامي لانقلاب عبد العزيز على أخيه سلطان، بل استنفرت قواتها العسكرية وهددت باقتحام قصر الشيخ عبد العزيز ، بل استنفرت قواتها العسكرية وهددت باقتحام سلطان من لندن وضغطت على شيوخ أبو ظبى باتجاه رفض الحركة الانقلابية والعمل على عودة الشيخ سلطان إلى الحكم وهكذا وللمرة الثانية يتم تنصيب سلطان بفعل الأخذ والرد بين أل نهيان وال مكتوم.
لكن ماذا يقول العارفون بهذا الشقلباز فى الشارقة؟ أنهم يقولون أن مناصرة شيوخ دبى للشيخ سلطان ليس مرده حبهم أو تعلقهم به، بل لأنه لم يكن أمامهم من خيار أخر فبقاء سلطان فى الحكم يظل بالنسبة لهم أهون شرا من تولى عبد العزيز السلطة فالشيخ عبد العزيز معروف بعدائه لشيوخ دبى كما هو معروف بطموحاته العسكرية وبرؤيته الاقتصادية المتحررة، وأهم من ذلك ارتباطاته مع شيوخ أبو ظبى.
ويقول هؤلاء العارفون أن تحرك شيوخ دبى لاسقاط الانقلاب فى الشارقة لم يكن يهدف إلى المحافظة على مبادئ الحكم وأساليب انتقال السلطة وإنما كان تحركهم أساساً من منطلق الدفاع عن النفس والحفاظ على موازين القوي لصالحهم والأهم من ذلك لكسب جولة فى المعركة الصامتة التي يخوضونها مع شيوخ أبو ظبى.
والدليل على ذلك أن شيوخ دبى لم يكتفوا باسقاط انقلاب عبد العزيز فى الجولة الأولى، بل أصروا فى الجولة الأولى، بل أصروا فى الجولة الأخيرة على إلغاء الاتفاق المعلن برعاية الشيخ زايد والقاضى بتعيين عبد العزيز وليا للعهد ونائبا للحاكم وهكذا بسط شيوخ دبى هيمنتهم على الشارقة بطريقة مذلة ليس أخرها قيام شيوخ دبى بتسليم جائزة للشيخ سلطان بمناسبة حصوله على الدكتوراه فى حفل ضم عشرات الفائزين بهذه المكرمات المكتومية وكأن الشيخ سلطان بات واحدا من رعايا مكتوم وحمدان ومحمد أولاد راشد.
ما ليس معروفا بعد هو ردة فعل أبو ظبى على هذا الشقلباز القاسمى بإلغاء ولاية العهد فى الشارقة على هذا النحو ولا سيما أن الاتفاق الخاص بولاية العهد قد تم برعاية الشيخ زايد وبضمانته الشخصية.
مصادر أبو ظبى تقول أن الشيخ زايد قد فوجئ بقرار الشارقة إلغاء ولاية العهد بالرغم من أن بيان حاكم الشارقة قد نص على أن "هذا القرار قد جاء تتويجا للجهود المباركة والخيرة للأخ الكبير الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة".
أليس ملفتا للنظر أن يظهر الشيخ زايد مثل الأطرش في الزفة التي يقودها محمد المكتوم، فى الوقت الذى لم ينسحب فيه الشيخ عبد العزيز من الحياة السياسية وإنما ظل يظهر على السطح مطلا من أجهزة إعلام أبو ظبى كولى للعهد بالإضافة إلى أنه يقيم مع حاشية كبيرة فى أحد قصور الشيخ زايد بمدينة العين ؟.
فمما لا شك فيه، حسب قول مصادر فى الشارقة لـ "سوراقيا" أن قرار حاكم الشارقة إلغاء ولاية العهد على هذا النحو قد اتخذ بالتنسيق مع دبى.
الأيام المقبلة ستكشف المدي الذى بلغه صراع حكام دبى وأبو ظبى، وهو الصراع الذى فصلنا له موضوعنا المعنون "صراع الديوك" المنشور فى العدد 329 من "سوراقيا" الصادر يوم الاثنين 4 كانون الأول (ديسمبر) 1989. ذلك أن أموراً كثيرة تطرح نفسها على بساط البحث فى هذه المرحلة الحرجة التي تدخل فيها التجربة الاتحادية مرحلة جديدة وسط متغيرات دولية حول مسألة الديمقراطية وتحرك الكويتيين للمطالبة ببرلمان منتخب وظهور أصوات معارضة فى الإمارات تدعو إلى شئ من هذا القبيل بدلا من المجلس الوطني الاتحادي المعين الذى يمثل مصالح الشيوخ وكبار التجار أكثر من كونه مجلسا يمثل الشعب.