صراع الديوك
الأبناء يضرسون بحصرم الآباء
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا رقم 329 الصادرة في 4 ديسمبر 1989

 

عندما يأكل الآباء الحصرم لابد أن يضرس الأبناء وقد أكل شيوخ أبو ظبى ودبى حصرم التنافس والخلاف طويلا، قبل أن ينضووا تحت لواء الإمارات العربية المتحدة التي كرست رسميا فى الثاني من كانون الأول (ديسمبر) عام1971 وجمعت مع أبى ظبى باقى مشيخات ساحل عمان، وهي رأس الخيمة وعجمان والشارقة وأم القوين والفجيرة، غير أن هذا الانضواء لم ينجح فى إزالة التنافس والخلافات بين الإمارتين اللتين تريد كل منهما قيادة الاتحاد وقد ضرس أبناء أل نهيان وأبناء أل مكتوم بحصرم الوالدين.وانتقل التنافس والصراع إليهم فإذا كان خليفة بن زايد هو ولى عهد الشيخ زايد فإن مكتوم هو ولى عهد الشيخ راشد وإذا كان محمد بن راشد هو وزير الدفاع فى الدولة الاتحادية فإن محمد بن زايد يجب أن يكون مارشال الجو والبر والبحر فيها وهكذا دواليك بل أن شيوخ دبى الكبار والصغار لا يعترفون بكثير من حقوق دولة الاتحاد على إمارتهم وهم يتصرفون مع أل نهيان وكأن غنم أبي ظبى والاتحاد للاثنين معا وغنم دبى لشيوخ دبى وحدها، مع أن الشيخ راشد هو نائب لرئيس اتحاد الشيخ زايد، بل أن هذا الصراع بلغ حدا أبعد من ذلك فالنهيانيون يقيمون المهرجانات والاحتفالات فى عيد الاتحاد بينما يتصرف المكتومون وكأن العيد لا يعنيهم فى دبى ومع ذلك يتعايش الشركاء الخصوم فى دولة لا يزال دستورها مؤقتا مع أنها تبلغ هذا العام سن الرشد.
إذا أردت أن تعرف شيئا عن الصداقة اللدودة التي تربط بين الشيخين زايد بن سلطان أل نهيان وراشد بن سعيد المكتوم، وكلاهما ينحدران من قبيلة (أبو فلاسة) يكفى أن تزور إمارتيهما (أبو ظبى ودبى) فى الثني من كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، حيث تجد الإمارة الأولى (أبو ظبى) وقد لبست حلة قشيبة من الأقواس والنياشين احتفالا بالعيد الوطني للدولة بينما لا تجد أثرا للاحتفال فى إمارة دبى، وكأنها غير معنية بالعيد رغم أنه عمليا وبروتوكوليا وتاريخيا عيدها الوطني أيضا وفقا للاتفاقية التي وقع عليها راشد بن سعيد المكتوم فى الثاني من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1971.
لكن الذين عاشوا فى دولة الإمارات واكبوا تطورها يدركون السر فى هذا الانفصام فالاتحاد لم يكن يوما من الإيام مطلبا لشيوخ دبى بل هو حلم داعب أل نهيان منذ زايد الكبير وحتي حفيده زايد بن سلطان أل نهيان وليس سرا أن إمارة أبى ظبى قد أنفقت من مالها على فكرة الاتحاد وبنت من ثرواتها النفطية أسسه وقواعده فى الوقت الذى كان شيوخ ال المكتوم في أوروبة ، يشترون الخيول والجمال.
كانت فكرة اتحاد إمارات الساحل (المتصالح) أو ساحل (القرصان) كما كان يعرف، فكرة مستحيلة ومجنونة فالاستعمار البريطاني الذى جثم على إمارات ساحل القرصان نحو مائة وخمسين عاما ساهم فى تجزئة إمارات الساحل وتمزيقها جغرافيا وبشريا حتي تنقاد له فإمارات أبى ظبى ودبى إمارة عجمان تتألف كل منهما من قسمين وتتألف إمارة عجمان من ثلاثة أقسام أما الشارقة فمقطعة إلى خمسة أجزاء ولعل هذا التركيب الفسيفسائى للإمارات هو الذى جعل الجغرافيين يدخلون مصطلحات مثل (ملحقاتها) أو (توابعها) لاسم كل إمارة على حده وقد أدي هذا التناثر للأشلاء إلى وقوع مصادمات قبلية على الحدود بين الإمارات قبل الاتحاد ويقال أنها لم تتوقف بعدما التقت هذه الإمارات فى اتحاد يجمعها تحت علم واحد.
ففي عام 1945 ثار نزاع دموي بين أبي ظبى ودبى حول الحد البحرى الفاصل بين الإمارتين فى منطقة رأس حصان وهو النزاع الذى لم تتم تسويته إلا فى عام 1968 وفى عام 1964 ثار نزع دموي بين الشارقة ودبى بعدما حفرت إحدي الشركات بئرين للبترول وعلى الرغم من أن الحفر لم يسفر عن اكتشاف البترول فى أي منهما ووفقا لكتب لتاريخ ومنها ما صدر فى الإمارات نفسها فإن مشكلات الحدود بين إمارتي الفجيرة والشارقة فى ساحل عجمان فى منطقتى كلبا وخورفكان ما زالت قائمة حتي الآن ولا زال سكان الإمارات يذكرون كيف تبادل سكان قرية (مسافي) الواقعة فى جبال عمان فى منطقة تقسيم المياه بين وادي حام ووادي سيجي التي يتوزع الولاء عند سكانها بين إمارتي الفجيرة ورأس الخيمة قذائف المدفعية يوم اختلف السكان على الماء وألقت كل إمارة بثقلها فى النزاع الحدودي رغم أن هذه وتلك تنضويان إلى اتحاد بنص فى دستوره المؤقت (الدستور الدائم لم يقر حتي الآن) على أن أرض الإمارات واحدة.
هذه الفكرة المستحيلة، المجنونة، راودت أل نهيان منذ مطلع القرن الماضى، وكان مؤسس الدولة النهيانية زايد الأول (الكبير) يسعي إلى تحقيقها بقوة السلاح، حتي أنه بطش بقبيلة "القبيسات " التي حاولت الانفصال فى "العديات" على حدد قطر وورث زايد بن سلطان هذا الحلم عن جده، وسعى إليه حتي قيل أن تعلن حكومة العمال البريطانية عزمها على تصفية الوجود العسكرى البريطاني من منطقة شرق قناة السويس فى موعد أقصه نهاية عام 1971 وكان قرار بريطانية هذا هو القشة التي قصمت ظهر البعير وأجبرت شيوخ دبى على التجاوب ولو شكلياً مع دعوات وطموحات زايد بن سلطان أل نهيان التي بدأها قبل ذلك بثلاث سنوات، وكان يواجه فى كل مرة بصد شيوخ دبى وهجرهم.
ففي 18 شباط (فبراير) 1968 دعا الشيخ زايد إلى اجتماع فى منطقة "السميح" على الحدود بين أمارتي أبي ظبى ودبى حضره حاكم دبى، الشيخ راشد بن سعيد المكتوم وقد بذل الشيخ زايد الغالى والرخيص من أجل أن يحظى بموافقة أل المكتوم على إعلان اتحاد بين الإمارتين، ولو بشكل صورى، وكانت تلك صفقة تجارية فتحت خزائن وثروات (أبى ظبى) على مصراعيها لأل المكتوم ويبدو أن هذا الكرم الحاتمي الظبوي، والجشع الدبوي قد فتح شهية الإمارات المجاورة التي سرعان ما التقت، وبعد اسبوع واحد من اجتماع (السميح) فى اجتماع موسع ضم حكام إمارات ساحل عمان العربية السبع أبو ظبى ودبى والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة وانضم إليهم حاكما قطر والبحرين وأعلن الجميع قيام اتحاد دولة الإمارات وفى الدورة التي عقدت فى 21 تشرين الأول (أكتوبر) سنة1969 تم انتخاب زايد بن سلطان أل نهيان رئيسا للاتحاد ولمدة عامين وراشد بن سعيد المكتوم نائبا للرئيس للمدة نفسها لكن هذا لا يعجب قطر والبحرين وراس الخيمة فأعلن حكامها الانسحاب مما دعا زايد بن سلطان إلى استدعاء حكم الإمارات الست في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) 1971 للإعلان رسميا عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة برئاسته وفى 10 شباط (فبراير) 1972 طلبت راس الخيمة الانضمام إلى قواعد الحكم الاتحادي الذى تماس بموجبه دولة الاتحاد المهام الموكولة إليها وترك للإمارات الأعضاء السيادة على أراضيها فى جميع الشئون التي لا يخص بها الاتحاد.
حكام دبى تعلقوا بالبند الأخير، ففسروه وفقا لأمزجتهم وجعلوا كل شئون دبى الاقتصادية والسياسية شأنا خاصا لا يختص بالوزارات الاتحادية وما زالوا حتي الآن يعتبرون حشر المكتوم وزيرا للإعلام فى دبى أما نفطهم وجيشهم فيتبع شيوخ الإمارة أيضا بل ومارسوا سياسات خارجية تتناقض مع سياسات الدولة بخاصة حيال الحرب العراقية الإيراني وليس سرا أن موانئ دبى كانت معبرا للسلاح الإيراني وكان رجلهم القوي في لندن مهدي التاجر ممثلا لمصالحهم أكثر من كونه سفيرا لدولة الإمارات أما فى الشأن المالى فلم تكن دبى تسهم فى الانفاق على ميزانية الاتحاد كما تم الاتفاق على ميزانية الاتحاد كما تم الاتفاق من قبل وتحملت إمارة أبي ظبى وحدها مهمة الانفاق على الميزانية وكان هذا سببا فى اندلاع مظاهرات صاخبة فى إمارة (أبو ظبى) ولم يخف شيوخا تذمرهم من استنزاف أموال الإمارة فى بناء المؤسسات الخدمية للإمارات السبع بينما تقوم باقى الإمارات بخاصة دبى باكتناز الأموال واتفاقها على المزارع والخيول فى أوروبة وملاعب الغولف فى دبي.
مرت علاقات إمارة دبى بالاتحاد فى مرحلتين الأولى مرحلة التأسيس التي رعاها راشد بن سعيد المكتوم و مستشاره مهدي التاجر وكان الرجلان يعلنان صراحة عداءهما للاتحاد ورفضهما لدمج المؤسسات المحلية فى الوزارات الاتحادية أما المرحلة الثانية فيمكن تسميتها بمرحلة الشيخ محمد بن راشد المكتوم وهو الابن الأصغر والمدلل للشيخ راشد لكنه الأكثر تفريطا بما كان يحرص عليه أبوه فالشيخ الصغير القوى الحاكم بأمره فى جيش دبى وجهازها الأمني يعتبر نفسه وليا للعهد ولأن الولاية معقودة لأخيه البكر مكتوم ولأن "سمو" الوالد يمر بظروف صحية لا تسمح له بأن يحسم فى مثل هذه الأمور فإن وزير الدفاع حاول يلعب الورقتين ما ورقة المعارضة للشيخ زايد ثم ورقة الموالاة له وكان يخسر الرهان فى كل مرة لأنه أغفل دهاء وخبرة رئيس الدولة الذى لا تنطلى عليه الأعيب الصغار.
كان حاكم دبى راشد بن سعيد المكتوم فى المرحلة الاولى من مراحل الاتحاد يعادي مبدأ توحيد مرافق الدولة حيث ظل يحافظ على استقلالية جيشه ووزارة نفطه وشركات الكهرباء والمياه ودوائر الصحة حيث كانت هذه المرافق تدر على الإمارة دخلا كبيرا لم يكن مسموحا التفريط به أو دمجه بمرافق (أبو ظبى) لكن الشيخ راشد كان يتعلل فى موقفه هذا بعلل كثيرة فها هو يدلى فى 22 تشرين الثاني (نوفمبر 1975 بحديث لجريدة "السياسة" الكويتية يزعم فيه أن رفضه لتوحيد المرافق يعود إلى أن الدستور المؤقت لا ينص على التوحيد بينما ألمح مستشاره مهدي التاجر فى العدد نفسه من الجريدة إلى أن المرافق الاتحادية يستشرى بها الفساد والرشوة وبما أن التاجر من ألد أعداء الرشوة والفساد فإنه لا يوافق مثل شيخه على توحيد المرافق.
لم يكن هذا الطرح ليقنع المتعلمين والمثقفين من أبناء الإمارات بل وألمح بعضهم إلى أن تصريحات الشيخ راشد عن عدم وجد نص صريح ف الدستور المؤقت بالدمج غير صحيحة فها هو محمد عبيد غباش يؤكد فى مقالة له نشرها فى 18/2/1981 أن المادة 130 من الدستور المؤقت تنص صراحة على أن ينفرد الاتحاد بالتشريع والتنفيذ فى الصحة العامة والخدمات الطبية وفى خدمات الكهرباء ومن ثم يشكل عدم ضم مرافق الكهرباء والصحة المستمر إلى الآن خرقا واضحا للدستور المؤقت بل ويشير الكاتب إلى أن فشل بعض الأجهزة الاتحادية فى عملها سببه ليس تفشى الفوضى والرشوة واللصوصية كما يزعم أل المكتوم وإنما "يعود أغلب أسباب الفشل إلى غلبة النعرة الإقليمية لدي بعض الإمارات الأعضاء وقيامها بالعمل على أفشال الأجهزة الاتحادية عن عمد.
المرض الذى أقعد الشيخ راشد بن سعيد المكتوم وأدي بالتالى إلى انحسار نفوذ مستشاره مهدي التاجر، أدي كذلك إلى دخول دبى فى مرحلة جديدة من المماطلة حول (الاتحاد) ولكنها مماطلة ثلاثية الجانب وفقا لمصالح كل شئ من شيوخ المكتوم فرئيس الوزراء وولى العهد مكتوم بن راشد من دعاة السير على خطي الوالد فى فهم وتفسير موضوع الاتحاد وحمدان بن راشد يتعاطي مع الموضوع من جوانبه الاقتصادية بحيث يحرص ك وزير للمال على أن يسن القوانين التي ينتفع بها تجار دبى وأكثرهم شركاء لشيوخ المكتوم فى مؤسساتهم أما محمد بن راشد فيطمح إلى أبعد من هذا هو يطمح إلى الحكم لذا تراه يتعاطي مع قضايا الاتحاد بالقدر الذى يقربه هذا التعاطي من كر سى الإمارة وولاية العهد فهو لا يعنيه أن تكون سياسات الدولة مع الشرق أو من الغرب وهو غير معنى بأن تكون شركة كهرباء دبى محلية أو اتحادية ولا يكترث كثيرا أن كانت وسائل إعلام دبى بقيادة ابن عمه "الأعجوبة" حشر المكتوم داعية للاتحاد أو عاملة ضده فكل ذلك لا قيمة له أمام مسعاه الرئيس نحو كرسى الولاية لذا تراه يخطط سياسته حيال أبو ظبى لا يمكن فهمها إلا بالنفاذ إلى عقلية هذا الشاب المهووس بالخيول وقرض الشعر الرديء.
فهو تارة مع "أبو ظبى" حتي لتظنه ملكا كثر من الملك وهو فى حالات أخرى معاد لشيوخ أل نهيان دونما سبب مفهوم أو مبرر، اللهم إلا الرغبة فى مقايضة الشيخ زايد ومراهنته على طريقة الانكليز على مراهنات الخيول فهو على استعداد لأن يمنح أبا ظبى دعما فى مسعاها نحو توطيد أواصر الاتحاد ودعم أسسه مقابل أن يسنده أل نهيان فى مسعاه نحو الفوز بخيل الإمارة وكرسى المشيخة المقطوعة لأخيه البكر ومنافسه فى أسطبلات الخيول.
بعد هذا يحق لشيوخ أل نهيان أن يحتفلوا بالعيد الوطني وحدهم أن يلبسوا الإمارة حلة قشيبة أن يقيموا المهرجات والليالى الملاح فالاتحاد من صنعهم وحدهم انفقوا عيه من أموالهم ومن ثروات جزيرتهم ودفعوا لاستمراره وصموده الاتاوات لشيوخ وأمرا ساحل القرصان الذين انشغلوا عن الاتحاد بشراء المزارع والخيول فى بريطانيا وفرنسه وسواحل الأطلسى.