أصحاب الدكاكين
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا – العدد رقم 326 الصادر بتاريخ 13-11-1989

 

خلال الأسابيع الثلاثة الماضية دخلت شخصيات فلسطينية متعددة الميول فى جدال علنى على صفحات الصحف، اكتشف الرأي العام من خلاله بعض الحقائق المؤسفة عما يدور "وراء الكواليس" من ممارسات أبطالها يتسترون بالعمل من أجل القضية الفلسطينية، بينما هم يعملون لقضاياهم الخاصة … ولا سيما فى بعض الدوائر الفلسطينية العاملة فى الولايات المتحدة الاميركية، التي أطلق عليها البروفيسور إدوارد سعيد تسمية "دكاكين" فلسطينية ومع أن البرفيسور سعيد تحدث من موقع الغيرة على القضية الفلسطينية، وعلى الفلسطينيين أنفسهم، إلا أن التعمق فى خلفية كلامه والنفاذ إلى الأسباب الحقيقية لهذا الكلام، يكشفان أنه آثار حقا عاما ليخدم … ما يبدو أنه مصلحة خاصة، كما يتبين من الموضوع التالى الذى تنشره "سوراقيا" عن أصحاب هذه "الدكاكين" التي تحدث عنها إدوارد سعيد كما تحدث بعده غيره من الشخصيات الفلسطينية المسئولة.
كما فعل من قبل أبو نضال وأبو موسى وأبو الزعيم يفعل الآن الدكتور إدوارد سعيد، مع فارق فى اسلوب الانشقاق واختلاف فى نوعية الشعارات وأساليب المعارضة لنهج منظمة التحرير الفلسطينية، وتباين التجربة النضالية، فالثلاثة الأوائل مقاتلون سابقون فى فتح، أما الدكتور إدوارد فليس له تجربة نضالية سابقة، ولم يظهر اسمه على الساحة إلا بعد توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بين أنور السادات و "إسرائيل" حيث طرح اسم إدوارد سعيد كواحد من الأميركان من أصل فلسطيني، ممن يرشحهم السادات لتمثيل سكان الضفة والقطاع فى مفاوضات الحكم الذاتي.
من يومها لمع اسم ادوارد سعيد، فأصبح عضوا فى المجلس الوطني الفلسطيني وعضوا فى مجلس العلاقات الخارجية وتوطدت علاقته برئيس المنظمة السيد ياسر عرفات بعد مؤتمر الجزائر وقيل أنه لعب دورا فى التمهيد للاعتراف الاميركاني بالمنظمة ولعله من هنا وفقا لما يقوله خصومه أراد ادوارد سعيد أن تمر العلاقات الاميركانية الفلسطينية من بين يديه ولعله من هنا أيضا قوبلت تصريحاته الأخيرة لجريدة "القبس" الكويتية حول فساد الدكاكين الفلسطينية فى الولايات المتحدة وصراعها فيما بينها على المكاسب والمغانم بتعليقات فى أوساط الجالية تقول أن إدوارد سعيد قد حاول هو الآخر أن يفتح دكانا ففشل ومن ثم فإن الصراع فى الحقيقة هو بين مقاولين ورجال أعمال بضاعتهم القضية وضحاياهم أطفال الانتفاضة.
إدوارد سعيد من مواليد القدس، أهي فيما دراسته الثانوية ثم طار إلى القاهرة لينهي فيها دراسته الجامعية ولم يسمع به أحد إبان دراسته هنا أو هناك وظل مجهول الهوية السياسية حتي بعد أن هاجر إلى أميركة الشمالية، ونال درجة دكتوراه وأصبح أستاذا فى أشهر جامعاتها، ولم يبزغ نجم إدوارد سعيد سياسيا وأكاديميا إلا فى مطلع السبعينيات.
أما أكاديميا فيعود الفضل فى تعريف القارئ بإدوارد سعيد إلى الشاعر السورى كمال أبو ديب رئيس قسم اللغة العربية فى جامعة اليرموك، الذى ترجم كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد إلى العربية وروج له فى العالم العربى، حيث قيل أن الفضل فى شهرة الكتاب يعود إلى مكانة المترجم وشبكة العلاقات الواسطة التي تربطه بالكتاب والصحافيين العرب وعلى الرغم من أن إدوارد سعيد لم يضع كتابا أخر له الأهمية نفسها إلا أن تبنية سياسيا من قبل المنظمة، ثم ارتباط اسمه بـ "كامب ديفيد" وحصوله على عضوية المجلس الوطني الفلسطيني ثم دخوله اللعبة الإعلامية من أوسع أبوابها كاتبا فى مجلة "المجلة" السعودية اللندنية ومتحدثا فى الندوات والمحاضرات التليفزيونية الاميركانية جعل للرجل ثقله فى الساحة التي سبقه إليها أخرون قد يكونون أقدر منه عمليا لكنهم أقل منه حظوة ومهارة وحظا ولأن كل حجر يلقيه فلسطيني على جنود الاحتلال كان يعقبه ظهور إدوارد سعيد على شاشة التليفزيون الاميركاني ليشرح ويبرر فإن المواطن العادي فى الولايات المتحدة ظن ويظن أن إدوارد سعيد هو المنظر للانتفاضة، تماما كما ظن من قبل بالنسبة للدكتور مبارك عوض.
لكن إدوارد سعيد، الخبير فى السياسة الدولية والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الاميركاني لم يتمكن بعد من فهم التركيبة الاجتماعية والسياسية لمنظمة التحرير ولمنافسيه فى العمل الفلسطيني على الساحة الاميركانية الذين اتهمهم بالفساد والعجز، وأعرب عن اشمئزازه التام بسبب الأداء الفلس طيني العاجز والفاسد فى الولايات المتحدة هذا الأداء الذى يتم على حد تعبيره من خلال "الدكاكين" التي تتصارع على المكاسب والمغانم وهي الدكاكين التي وجدت فيما يبدو أن إدوارد سعيد قد تضخم أكثر مما يجب وقد مد ذراعيه إلى تونس أطول مما هو مسموح له، فكالت له الصاع صاعين يوم أن تجاهلته تماما فى تحركها الأخير على منبر الأمم المتحدة، هذا التحرك الذى قاده خصوم إدوارد سعيد وعلى رأسهم زهدي الطرزي ونبيل شعت وياسر عبد ربه.
لقد غاب عن يومية "القبس" وهي تختار مانشيتات الحوار الذى أجرته مع إدوارد سعيد، إدراك حقيقة أن البروفيسور يفتح النار على "منافسيه" وليس على "قيادة المنظمة" وأنه لجأ إلى ذلك بعد أن تجاهله زهدي الطرزى أثناء الترتيب لمحاضرة كان سيلقيها ياسر عبد ربه بدعوة من مجلس العلاقات الخارجية، والمحاضرة ألغتها الحكومة الاميركانية وقد رأي إدوارد سعيد أن إلغاء المحاضرة ثم صمت الوفد الفلسطيني عن هذا القرار قد عرض الشعب الفلسطيني إلى إذلال لا داعي له.
وحمل إدوارد سعيد هذا الفشل إلى ياسر عبد ربه ونبيل شعت (رئيس اللجنة السياسية فى المجلس الوطني) لأنهما فى تصوره اعتمد وسطاء يعملون لحزب العمل الإسرائيلي مثل المدعوة "دروا كاس" التي تعمل لصالح أبا ايبان وزير الخارجية الإسرائيلي الاسبق وقد اعتبر إدوارد سعيد هذا الفشل "غلطة مأساوية وحمقاء" منوها إلى أنه لم يصب بمثل هذا الفشل يوم نظم لقاء مماثلاً عام 1984 لأحمد صدقى الدجانى الذى كان آنذاك عضوا فى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وعضوا في الوفد الفلسطيني فى الأمم المتحدة.
مع أن معارضى إدوارد سعيد المحوا صراحة إلى أن حملة المذكور على "الدكاكين الفلسطينية" فى الساحة الاميركانية سببها أنه حاول أن يفتح هو الآخر دكانا ففشل ومع أنهم فتحوا النار عليه مذكرين بما كان من أصله وفصله يوم درس فى القدس ثم القاهرة قبل أن يتأمرك إلا أن الكثيرين من أبناء الجالية فى الولايات المتحدة والمتمثلة بهذه الدكاكين الصغيرة التي تتصارع على المغانم والمكاسب ومع أن الدكتور إدوارد سعيد لم يفصل ما أجمله فى الحوار عن هذه الدكاكين وأشهرها ومع أن رفيقه الدكتور إبراهيم أبو لغد ألمح إلى بعضها صراحة فى حوار مشابه أجرته مه "القبس" حين ذكر أن مكتب الإعلام الفلسطيني فى واشنطن، الذى تصرف عليه الأموال لا يقدم أيه خدمة تذكر للقضية، إلا أن المسئولية الفلسطينيين فى تونس، وأبناء الجالية الفلسطينية فى الولايات المتحدة أدركوا على الفور ما عناه الدكتور، وبدأ كل واحد منهم يروى ما كان من أمر هذه الدكان أو تلك.
زهدي الطرازى مثلا لا يدير دكانا صغيرة بل يدير "سوبر ماركت" لا أول له ولا أخر ومع أن زهدي الطرزى مدرس قديم، ومع أن نضالاته فى الساحة الفلسطينية مقصورة على تحركاته داخل أروقة الأمم المتحدة إلا أن شبكة العلاقات الشخصية والمصالح الذاتي التي نسجها وانتفع منها شخصيا، قد غيبت نشاط معظم الدكاكين المنافسة، ومنها دكان إدوارد سعيد التي سعى إلى فتحها بحكم علاقاته مع قيادة المنظمة وتقربه من ياسر عرفات وإذا كان إدوارد سعيد قادرا على نسج علاقات داخل المجتمع الاميركاني وربما فى أوساط الجالية الفلسطينية، إلا أنه بالتأكيد لا يملك المقدرة العجيبة التي يتمتع بها زهدي الطرزي فيما يتعلق بنسج العلاقات داخل أطار الدبلوماسيين العرب فى الأمم المتحدة من ناحية، والعناصر الفلسطينية المخولة بالعلاقات الاميركانية الفلسطينية، المقيمة فى تونس، والتي هاجمها إدوارد سعيد واتهمها بالجهل وعدم الفهم للمجتمع الاميركاني "القوي والمعقد".
أما دكان حسن عبد الرحمن فهي المستهدفة مباشرة من هجوم إدوارد سعيد ورفيقه إبراهيم أبو لغد. وإشارة الاثنين إلى العجز والفساد والتقصير فى عمل هذه الدكان وتنافسها على المكاسب والمغانم مع غيرها لم يعد سرا على أحد، وقيادة المنظمة فى تونس قد أحيطت علما أكثر من مرة بأمر هذه الدكاكين، لكن ياسر عرفات، ووفقا لما قاله لنا حسن عبد الرحمن يدعم هذه الدكان حتي أنه طمأن حسن عبد الرحمن يوم طيرت الشكاوي عليه فى تونس بالقول :" يا جبل ما يهزك ريح" ويبدو أن ما زعمه عبد الرحمن صحيح، فكل الرياح التي هبت على دكانه لم تنجح فى دل معاقله، ولا ندرى ما إن كانت ريح إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد ستعطي أكلها وستنجح فى زعزعة "الجبل".
حسن عبد الرحمن عضو سابق فى الوفد الفلسطيني بالأمم المتحدة، ويعتبر الذراع اليمني لفاروق قدومي فى أميركة، حتي قيل أن قرارا بالإجماع قد صدر بإقالة حسن عبد الرحمن أو نقله بعد قصة "المليون دورلار" وأن هذا القرار قد جمد بفعل نفوذ فاروق القدومي، الذى يسيطر على معظم الدكاكين فى الولايات المتحدة. وحكاية المليون دولار هذه تروج لها الدكاكين المنافسة لدكان حسن على نطاق واسع، وتقول الحكاية أن حسن عبد الرحمن قد أخفى مليون دولار كانت محولة إليه لشراء بيت ومقر للمنظمة، وأنه اشترى البيت فى حي ماكلين الفاخر بواشنطن بمبلغ ثلاثمائة ألف دولار ووضع الباقى فى حساب التوفير ووفقا لما يقوله عبد الحميد سالم أبو الفتوح مدير وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) فى واشنطن وهذه أصغر الدكاكين هناك فإن الفضل فى الكشف عن المبلغ المتبقى يعود له، وقد أدت أثارتى هذا الموضوع إلى قيام زوجة السيد حسن عبد الرحمن المحامية اللبنانية المارونية الأصل ماليا قبلان بإنذارى خطيا، ومطالبتى بالاعتذار، بينما طير حسن عبد الرحمن برقية إلى لسيد ياسر عرفات يحرضه فيها على، من باب أني أهاجم وأشكك بالمنظمة، بالتنسيق مع عبد الحميد سالم أبو الفتوح، الذى وإن كان قد زودني بأكثر من تسعين بالمائة من المعلومات عن حسن عبد الرحمن سالم ، إلا أن أستأذنني أن يطير برقية إلى ياسر عرفات ينكر فيها أن تكون له أيه علاقة بالموضوع وقد أذنت له بذلك طبعا من باب "قطع الاعناق ولا قطع الأرزاق" لاكتشف بعد ذلك أن القضية كلها مجرد صراع على المصالح والعطايا بين دكانين، لا تقدمان في حقيقة الأمر ايه خدمة تذكر للقضية الفلسطينية، رغم الانفاق الباذخ عليهما.
الشئ الوحيد الذى غاب عن يومية "القبس" وهي تفرد صفحات للحوار مع إدوارد سعيد، فتقدمه إلى القراء فى صورة الناصر صلاح الدين، الذى جاء ليحرر القدس، ويهدم الدكاكين الصغيرة التي تتصارع على المكاسب والمغانم هو أن دكان إدوارد سعيد وسائر الدكاكين الفلسطينية العاملة على الساحة الاميركانية تسوق بضاعتها على أساس أن "إسرائيل" أمر واقع ودولة قائمة، وجدت وستبقى وعلى سكان فلسطين المحتلة أن يقبلوا بهذا الأمر الواقع، سواء كانوا يعيشون كمواطنين (درجة ثانية) فى "إسرائيل" أو فى مخيمات سورية ولبنان والأردن. فها هو إدوارد سعيد يؤكد لـ "القبس" "لقد كنت دائماً من المؤمنين بالحل المبني على دولتين وكنت أدعو لذلك منذ سنين وموقفى هذا ثابت وأنا أعتقد أنه فى نهاية الأمر سوف نتوصل إلى صيغة تستطيع من خلالها الدولتان والشعبان العيش جنبا إلى جنب فوق الأرض ذاتها".
ياسر عبد ربه، أحمد المستهدفين من حملة إدوارد سعيد سارع إلى الرد على الهجوم، فى تصريح نشرته له جريدة "البيان" التي تصدر فى دبى فى 19 تشرين الأول (أكتوبر) الماضى، وقد أشار عبد ربه إلى أن المطلوب هو "فلسطنة" الجالية الفلسطينية فى أميركة لا "أمركة" القيادة الفلسطينية فى تونس وقال أن "المرونة التكتيكية" فى الموقف الفلسطيني المستند إلى قرارات المجلس الوطني تستهدف كسب الرأي العام العالمى ومنه الأميركاني وأرباك العدو الإسرائيلي وعزله.
ومع أن ياسر عبد ربه لم يشر إلى موضوع (الدكاكين الفلسطينية) فى الولايات المتحدة ولم يعلق عليها، إلا أن دعا الجالية الفلسطينية فى الولايات المتحدة إلى تقديم المقترحات العملية الملموسة للقيادة الفلسطينية والارتقاء بالوضع الفلسطيني فى أميركة إلى مستوي الفعالية والنشاط الذى تتطلبه الانتفاضة ولكن ياسر عبد ربه لم يوضح الكيفية التي ستحارب بها الدكاكين، أو ستجبر أمالها لصالح القضية، ربما لأن ياسر عبد ربه يعلم أكثر من غيره أن لحمه وسداده العمل الفلسطيني فى أميركه وغير أميركة مبنية أساساً على قاعدة العرض والطلب.