السلطان والمتسلطن
قابوس فى حمى زايد
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا – العدد رقم 325 الصادر بتاريخ 6-10-1989

 

يقول الذين تابعوا من قرب اسبوع سلطان عمان فى دولة الإمارات العربية المتحدة أنه كان مبايعة متأخرة من قابوس بن سعيد للشيخ زايد بن سلطان أل نهيان كرئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة التي ولدت فى أوائل السبعينات من سبع مشيخات متصالحة كانت فى قديم الزمان تابعة للتاج السلطانى العماني وهي مبايعة تمت على طريقة خير أن يأتي الأمر متأخراً من أن لا يأتي أبدا خطوة اضطر إليها السلطان العماني اضطرارا ولم يخترها اختيارا بسب النفوذ المتنامي لصديقه اللدود الشيخ زايد ليس فقط داخل مجلس التعاون الخليجي الذى يجتمعهما بل خارجه أيضا وغلى حدود أبعد من حدود شواطئ الخليج الشرقى الدافئ فضلا عن مياه البحر الأحمر ومضيق هرمز الذى يتحكم به السلطان وهو نفوذ جعل من زايد بن نهيان شيخا "متسلطنا" يكاد تأثيره يفوق بدرجات تأثير السلطان قابوس فيما كلمة الأول أصبحت أعلى بكثير من كلمة الثاني فالشيخ زايد يملك المال والسلطان بينما لا يتمتع السلطان قابوس إلا بالسلطان وحده وهو على أي حال سلطان ناقص.
الاستفنار العام الذى أعلنته دولة الإمارات فى مختلف أجهزة الدولة بمناسبة زيارة السلطان قابوس، لا يعادله إلا الاستنفار الذى كانت قد أعلنته الدولة يوم قررت الملكة اليزابيث زيارة إمارات الساحل العُمانى المتصالح قبل سنوات، وهي الزيارة التاريخية التي أغدق فيها شيوخ الخليج على الملكة العطايا والهدايا والهبات من الذهب والزمرد والياقوت.
أهمية زيارة السلطان قابوس إلى دولة الإمارات تنبع أساساً من المبدأ نفسه الذى اكتسبت منه زيارة الملكة اليزابيث أهميتها فالسلطان قابوس، مثل الملكة اليزابيث، يتحدر من أسرة ودولة كانت تحكم الإمارات، وسواحل عمان : ولعل زيارة قابوس تكتسب أهمية مضاعفة ذلك أن قابوس ما زال يطالب بمناطق إقليمية فى دولة الإمارات، سواء فى مدينة العين التي يرى قابوس إنها مجرد امتداد لواحة البريمى، أو سواحل وجبال رأس الخيمة، حيث يحكم صالح الشال.
إدعاءات قابوس التاريخية ومطالبة الإقليمية والجغرافية فى كل الأحوال ليست تطفلا على أملاك الآخرين فالعمانيون وفقاً لكتاب مفصل عن تاريخ الإمارات نشرته لجنة التراث والتاريخ فى أبو ظبى وهي لجنة يرأسها الشيخ محمد بن حسن الخزرجى وهو عمانى امتلكوا المنطقة وحكموها يوم كانت عمان شاملة للقسم الكبير من الجزيرة العربية الذى يمتد من راس لحد إلى ما يجاور جزيرة مصيرة فضلا عن المنطقة الممتدة من قطر إلى حضر موت، التي تعرف باسم عمان الطبيعية.

سلطان عُمان يقوم بزيارة الإمارات وهو يحمل فى نفسه قناعة بأن سلطنته هي وحدها فى المنطقة التي تمتلك مواصفات الدولة فقد ألقى الموقع الجغرافى الذى تتميز به أهمية خاصة على السلطنة، التي تحتل مركزا هاما بالنسبة للطرق الموصلة إلى الهند وأفريقيا والبحر الأحمر، مما أدي إلى أن تكون مركزا وسيطا للتجارة خاصة تجارة المرور، كما ساعدت الرياح الموسمية الملاحين العرب العمانيين أن يصلوا فى رحلاتهم البحرية إلى مناطق بعيدة وتمتد سواحل عمان لمسافة ثلاثة آلاف ومائتى كيلو متر على طول البحر العربى من حدود قطر حتي حضرموت وهي سواحل منيعة بعضها صخرى كثير النتوءات ولذلك قامت عليه موانئ كثيرة كانت ملاجئ طبيعية للأساطيل العربية على مر التاريخ وعرف على مر التاريخ أن عمان هي أخصب جزء فى جزيرة العرب حتي ذكر ياقوت الحموى فى معجم البلدان أن النبى قال فى بعض أحاديثه "من تعذر عليه الرزق فعلية بعمان".
أهمية عمان أذن تكمن فى موقعها الاستراتيجي أولا، فهي بوابة بترول الخليج كله حيث تمر جميع الناقلات بمضيق هرمز العماني وعن "الصاندي أكسبرس" البريطانية أن شاحنات النفط تعبر المضيق بمعدل واحدة كل ثماني دقائق وعمان ثانيا أرض غنية بالبترول والحديد والنحاس واليورانيوم وهي بلاد زراعية وشعبها مشهور بالفروسية والعمل وكانت على مر التاريخ تزود الإمارات الهشة المحيطة بها بالعناصر البشرية.
لعل هذا الجانب بالذات هو الذى يأخذه شيوخ الإمارات بعين الاعتبار فى معرض نسج علاقات الجوار مع سلطان عمان الذى يرفض ترسيم الحدود لأنها فى رأيه تشمل الإمارات كلها فجيش الإمارات فى أغلبه من العمانيين الذين يشكلون القوة العسكرية الضاربة فى الدولة ورجال الشرطة معظمهم من عمان ومعروف لدي القاصى والداني أن الإمارات تكاد تفرغ يومي الخميس والجمعة من سكانها، والمعسكرات تصبح خاوية على عروشها، لأن العمانيين يقضون أجازاتهم فى مدنهم وقراهم ومع أن الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات قد أغدق على العمانيين ومنحهم الجنسيات ووفر لهم كل عناصر الاستقلال والاستقرار إلا أنه لم يتمكن من انتزاع انتماء العماني لسلطنته وسلطانه وقد أدرك قابوس هذه الخصلة فى شعبة، لذا استغلها ووظفها فى صراعه الخفى مع جيرانه.
الثابت حتي الآن أن زيارة الشيخ زايد ودبلوماسيته هي التي حالت دون أن يعلن قابوس مطالبه على الملأ، وأن كان قد دأب فى مطلع السبعينات على تحريك دباباته على مرمى حجر من قصر الشيخ طحنون فى مدينة العين كلما أقدم طحنون فى مدينة العين كلما أقدم طحنون على تصرف أحمق يغضب وإلى البريمى ومن ثم السلطان قابوس وكانت الدبابات تقطع الطريق على مشارف واحة البريمى ولا تعود المياه إلى مجاريها إلا بتدخل الشيخ زايد الذى كان يعلم أن لا طاقة للإمارات من الدخول فى مواجهة أنذاك مع جيش السلطان قابوس لأكثر من سبب فقابوس يومها كان مدعوما من قوات إيرانية مرابطة فى أراضيه فضلا عن أن قوات الشيخ زايد كلها تقريبا من العمانيين الذين لن يوجهوا سلاحهم إلى جيش السلطان.
رزانة الشيخ زايد هذه التي حافظت على شعرة معاوية مع السلطان، لم تكن تنجح فى حل الأزمات المتلاحقة بين قابوس وشيوخ رأس الخيمة الذين يعتبرهم قابوس من أتباعه لذا عندما حرك قابوس قواته واجتاح الشريط الساحلى الممتد قرابه 12 ميلا قبالة رأس الخيمة مدعيا ملكيته لقرى شمم والرمس وخور خوير الغنية بالنفط، لم يستجب قابوس لتوسلات إمارة أبو ظبى ووساطاتها وأن كان قد أخذ بعين الاعتبار الوساطة السعودية.
لم تظهر الصور التي نشرت لزيارة قابوس إلى الإمارات وجودا يذكر لشيوخ راس الخيمة وهناك من يرى أن قابوس الذى قد يصل إلى اتفاق مع إمارة أبي ظبى لترسيم الحدود وربما توقيع معاهدة عدم اعتداء إلا أنه بالتأكيد سيظل على موقفه من شيوخ راس الخيمة خاصة بعد أن حاول شيخها صقر القاسمى أن يحتضن المعارضة العمانية وهو ما لم يغفره له السلطان قابوس وجاءت محاولة صقر القاسمى الحمقاء يوم ظن أن بإمكانه الاستعانة بالمعارضة العمانية لبناء قوة قادرة على مواجهة أطماح السلطان قابوس وقد هداه هذا الطموح الساذج الذى غذاه مستشاره ومدير ديوانه صالح الشال إلى الاستعانة بعبد الله الراسبى أحمد زعماء المعارضة العمانية القبلية، فعينه ضابطا فى جيش راس الخيمة برتبة نقيب على أمل أن يستقطب افراد قبيلة الراسبى فيجمعهم فى منطقة (جعلان) تمهيدا لمساعدتهم على الانسلاخ عن السلطنة والانضمام إلى رأس الخيمة لكن خطط صالح الشال انتهت إلى الفشل الذريع فقد سقط عبد الله الراسبى قتيلا فى أيار مايو 1978 برصاص مجهول سرعان ما أشارت راس الخيمة إلى أن السلطان قابوس قد يكون مصدره.
أجهزة إعلام الإمارات، التي مهدت لزيارة السلطان قابوس وغطت الزيارة لم تلمح إلى شئ من هذا الذى أشرنا إليه وادعت أن الزيارة تستهدف التباحث فى الأزمة اللبنانية والانتفاضة وجدول أعمال مجلس التعاون الذى سيعقد مؤتمره القادم فى مسقط ووفقا لمصادر صحافية فى أبي ظبى اتصلت بها سوراقيا فإن شيئاً من هذا لم يطرح على بساط البحث ذلك أن هم الانتفاضة ومفاوضات الطائف بين النواب اللبنانيين لا يعقل أن تشغل السلطان والشيخ الذين لم يفكرا من قبل فى الالتقاء بمؤتمر على هذا المستوي.

اللافت للنظر أن علاقات الجوار بين سلطنة عمان ودولة الإمارات لم تعزز منذ استقلال ال نهيان واستيلاء قابوس على السلطة وفقا لما نراه بين الدول المتجاورة فى منطقة الخليج فلا يوجد هناك تبادل تجارى يذكر وسياسات النفط فى البلدين متباينة والعلاقات السياسية تكاد تكن على طرفى نقيض فالإمارات تسعى فى رسم سياستها الاقتصادية والسياسية العامة إلى التشبيه بالسعودية بينما يختلط سلطان عمان لنفسه نهجا يكاد يكون خاصا فعلاقاته بإيرن على سبيل المثال ثم علاقاته بمصر انتهاء بالعلاقة مع موسكو متفردة على صعيد المنطقة فقد كان قابوس يعتمد على شاه إيران فى مواجهة ثورة ظفار حتي أن الشاه مدة بجيوش لم تكن تهدد الثوار فقط وإنما أصبحت مصدر تهديد للدول المتجاورة وبعد الشاه نسج قابوس علاقات مميزة مع نظام الخميني حتي اعتبر فى اجتماعات ومؤتمرات القمة الناطق غير الرسمي باسمه ولما اتسع نطاق المعارك فى الخليج فتح قابوس سفارة لموسكو فى مسقط وظل محافظا على حسن علاقاته مع أميركا وبريطانيا وكان فى كل هذا متميزا على النقيض من دولة الإمارات وارتهنت بالمواقف المتناقضة المرامى.
المستوي المعيشى للشعبين الإماراتي والعماني متباين جداً أيضاً فالشيخ زايد يغدق على الناس بلا حساب حتي قيل أنه عطل بأغداقه نزعة العمل عند المواطن العادي الذي يأتيه الدخل من حيث لا يحتسب ودون جهد يذكر بينما يختلف الأمر فى سلطنة عمان ذلك أن السلطان اختط من البدء سياسة داخلية تقوم على حرمان المواطن العماني من مبدأ المشاركة فى الثروة حتي يظل تابعا إلى السلطان فالطبقة العاملة فى صناعة النفط وأكثرها يعيش في المدن ارتهنت لإدارات انكليزية وقد استغلت هذه الإدارات نفوذها لدي القصر السلطاني من أجل إحلال العمال الهنود والباكستانيين والكوريين الجنوبيين والأوربيين محل سكان البلاد فى الوظائف الهامة بدعوي تغلغل ثوار ظفار أو بقاياهم فى صفوف موظفى هذه الشركات.
أما البورجوازية العمانية الصغيرة التي تعيش فى المدن والتي تتشكل من الصيادين وأصحاب الدكاكين والحرفيين ثم الطلبة الخريجيين فقد عومل أفرادها بقسوة ولاحقتهم القوانين والإجراءات والقرارات التي لم تكن تهدف فى المحصلة إلا إلى تفريغ المدن من المهارات المحلية أو تحطيم طموحاتها بالحياة الكريمة وربطها دوما بعجلة الاستهلاك اليومي التي حولت ابن عمان إلى آلة تعمل ليل نهار من أجل لقمة العيش التي تشح فى المدن وتكثر في القصور وتجمعات الأجانب السكنية.
ولأن غالبية العمانيين من المزارعين فإن سياسة الاقطاع التي مارسها قابوس جعلت الأرض ملكا للشركات الاحتكارية التي حصلت على حقوق زراعة الموز وتربية المواشى ولم يكن أمام الفلاح العماني من حل إلا العمل فى الجيش كمجند أو التمسك بمهنته كفلاح شريطة أن يعمل كأجير فى أرضه لصالح الشركات الاحتكارية أو التوجه إلى المدن للعمل فى الوظائف الحكومية المحدودة.
لقد كانت سياسة الأغداق على المواطنين التي اتبعها الشيخ زايد بن سلطان منذ أن استولى على الحكم فى البلاد من أخيه الشيخ شخبوط عام 1966، ثم اتساع هذه السياسة لتشمل العمانيين الذى توجهوا بالآلاف إلى (أبو ظبى) للعمل فى الجيش وبمزايا كبيرة ، تقلق السلطان قابوس، من زاوية أنها تفرغ السلطنة من الأيدي العاملة العمانية، وتفتح العيون على الثروات المكتنزة التي تتمتع بها القلة فى عمان بينما يشارك فيها الآخرون بالإمارات وزاد فى قلقة سياسة التجنيس التي اتبعها الشيخ زايد والتي منح بموجبها الآلاف من سكان عمان الجنسية الإماراتية بمن فيهم بعض الوزراء وانتهج الشيخ زايد لتحقيق ذلك سياسة الحدود المفتوحة فهو لم يقم نقاط حدود مع السلطنة حيث يستطيع العمانيون دخول الإمارات دون جوازات سفر بينما انشأ السلطان قابوس من زاوية أنها تفرغ السلطنة من الايدي العاملة العمانية وتفتح العيون على الثروات المكتنزة التي تتمتع بها القلة فى عمان بينما يشارك فيها الآخرون بالإمارات وزاد فى قلقة سياسة التجنيس التي اتبعها الشيخ زايد والتي منح بموجبها الآلاف من سكان عمان الجنسية الإماراتية بمن فيهم بعض الوزراء وانتهج الشيخ زايد لتحقيق ذلك سياسة الحدود المفتوحة فهو لم يقم نقاط حدود مع السلطنة، حيث يستطيع العمانيون دخول الإمارات دون جوازات سفر بينما أنشأ السلطان قابوس مثل هذه النقاط لضبط عملية الدخول إلى السلطنة بخاصة من واحة البريمى التي لا يكاد يعرف المرء من أين تبدأ فها أراضى الدولتين وأين تنتهي فالطريق الواصل ما بين مدينتي العين ودبى يمر عبر البريمى ولا تكاد تتميز بين الأراضى العمانية والاماراتية إلا بمقدار ما ترفع كل دولة من أعلام على جانبي الطرق.
بعد هذا لم يكن قابوس راضيا عن اتحاد الإمارات السبع فى إطار دولة واحدة يتزعمها أل نهيان وقد نظر العمانيون منذ البدء إلى هذا الاتحاد وكأنه موجه ضدهم بشكل اساسى لذا كان السلطان يتعاطف دائما مع مظاهر الخلاف ونوازع الشقاق بين هذه الإمارة وتلك وليس سرا أنه دعم موقف دبى لما شذت عن مسيرة الاتحاد فى عام 1977 بإصدارها البيان الشهير، ثم تعاطف مع الحركات التي وقعت فى الشارقة وعجمان بينما هدد بابتلاع راس الخيمة وكاد يفعلها يوم انفرد بها أثر تخلف شيوخ القواسم فيها عن الانضمام إلى ركب الاتحاد السراب.
لعل السلطان قابوس اكتشف مؤخراً أن حلمه بإعادة أمجاد دولة اليعاربة وتوحيد عمان الطبيعية من حضرموت إلى قطر تحت سلطته لم يعد حلما ممكنا قابلا للتنفيذ فالشيخ زايد خصم لا يستهان به وقد نجح فى لم شتات الإمارات المتصالحة تحت لواء واحد مستعيدا بذلك أمجاد جده زايد الأول السيف معطيا لهذا الشتات صفة الدولة مقيما لها سفارات وعلاقات فى أربع أنحاء الأرض ولم يعد أمام قابوس إلا أن يتنازل عن حلمه ربما مقابل بعض السلطة والنفوذ وأهم من هذا بعض خيرات النفط.