الحشر المكتوم
صحافة الشيوخ
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد 323 الصادر بتاريخ 23-10-1989

 

قد لا يكون حشر المكتوم تلك الشخصية التي تستحق أن تحتل غلاف مجلة "سوراقيا" غير أن للظروف أحكامها وقد حكمت الظروف بتخصيص الغلاف وموضوعه لهذا "الشاب" الذى يحتل فى بلاده مركز مدير دائرة الإعلام إضافة إلى رئاسته لجريدة "البيان" التي قامت فى الأساس لكي تعبر عن وجهة نظر حكام دبى من أل المكتوم ضد "أشقائهم الألداء" فى اتحاد الإمارات حكام "إمارة" أبو ظبى من ال نهيان ما هي هذه الظروف؟ أنها الصراع الدائر داخل "البيان" بين حشر وهو رئيس التحرير المسمى وبين الذين حشرهم خصوم حشر من أهل البيت المكتومى فى الجريدة لكي يحدوا من نفوذه وهو صراع دفع ثمنه حتي الآن عدد من "الأبرياء" من المحررين والموظفين لكنه لم يحسم بعد وقد بلغ من حشرة حشر فى هذا الصراع أنه قطع أجازته اللندني وعاد على جناح السرعة إلى دبى لكي يدير معركته داخل الجريدة من قلب عن هذا الصراع وعن حكاية "البيان" وحشر المكتوم تنشر "سوراقيا" موضوعين يكمل أحدهما الآخر، الأول كتبه أسامة فوزي والثاني أعده مركز المعلومات فى "سوراقيا" حول قصة تأسيس "البيان" وحشر حشر المكتوم رئيسا للتحرير فيها.
يقول الممثل الشعبى "ضربنى وبكى وسبقنى واشتكى" وكأن هذه حالنا مع أجهزة الإعلام فى دولة الإمارات، ووكيلها المتوج عبد الله النويس، فالرجل أعطي نفسه الحق فى أن يضع مع يعقوب بشارة ذلك الملف الأسود، الملئ بالغث والأكاذيب تصفي لحسابات شخصية مع مؤسسات صحافية فى أوروبة ثم أوعز لبعض كتبته من طراز الشعرور حبيب الصايغ والقزم حسن قايد بالنيل منا، ولما قمنا بالرد عليه وكان ردنا من الوزن الثقيل، اعتكف النويس فى منزلة، وقيل لنا أنه عمل على مدار الاسبوين الماضيين على محاولة مصادرة أعداد "سوراقيا" المهربة إلى الإمارات حتي لا تقع بين يدى الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان فيقرأ ما كان من أمر النويس، وصاحبته اعتماد خورشيد، ورسالة الدكتوراه التي حصل عليها بشق الجيوب والأنفس من القاهرة.
عبد الله النويس على أي حال لا يطير فى غير سربه، فأجهزة الإعلام فى دولة الإمارات خليط عجيب ومريب من السياسات الإعلامية والخبرات والمواهب والمؤسسات الصحافية، التي لا تقل طرافة عن دولة الإمارات نفسها، المكونة من سبع إمارات تختلف فيها بينها على كل شئ ولا تتفق إلا على اعتبار المواطن العربى أجنبيا وعبدا يحل سفك دمه فى الأشهر الحرم.
وإذا كانت شخصية عبد الله النويس الطريفة، التي عرضنا لها فى الأعداد الماضية، أشبه بشخصية جحا، فإن رئيس دائرة الإعلام والصحافة والتليفزيون فى إمارة دبى، الشيخ حشر المكتوم ليس بأفضل من عبد الله النويس وحشر هذا من أولاد عمومه حاكم دبى الذين كانوا فى سالف العصر والأوان يطالبون بحكم الإمارة قبل أن ينفرد بهم الشيخ سعيد المكتوم وولده راشد الحاكم الحالى فيبطش بهم ويسمل عيونهم ويشردهم فى أربعة أطراف الأرض ويأخذ من الباقين عهودا بالولاء والطاعة.
ولأن حشر المكتوم إيراني الميول والشكل والمخبر فقد عينوه سفيرا لدي البلاط الشاهنتشاهي، ثم اضطروا إلى سحبه بعد أن سقط الشاه لينصبوه رئيسا لدائرة الإعلام فى إمارة دبى التي اكتشفت متأخرة أهمية أن يكون لها وزارة إعلام وصحافة وتليفزيون وإذاعة فسارعت إلى تحويل مجلة "أخبار دبى" إلى جريدة يومية عرفت فيما باسم "البيان" سلمها الشيخ حشر على مراحل إلى بعض الصحافيين المترفين المنعمين الذين أحضرهم من باريس ولندن وقيل يومها أن هؤلاء كانوا يؤمنون للشيخ إقامة مريحة فى فرنسة كلما أراد "التونس" فلما أحضرهم إلى دبى حملوا إليه جزءا من "الونس" إلى محلاته التجارية الشهيرة المعروفة باسم "الفجر".
وحشر المكتوم شبه أمى لا يحسن التحدث بالعربية أو الكتابة بها ومع ذلك فهو يرأس رسميا تحرير جريدة "البيان" ويقتصر جهده ودوره فى العمل على تعيين المحاسيب والخلان والإكثار من المراسلين والمراسلات والسكرتيرات بما يتفق وأصول المهنة حتي قيل ويقال أن الشيخ حشر يدير العمل الإعلامي فى الامارة بالطرية نفسها التي يدير بها "سوبر ماركت" الفجر الذى يمتلكه ويقضى فيه معظم أوقاته.
وعن الشيخ حشر كان يروى لنا الشاعر الدبوى محمد خليفة بن حاضر النوادر والحكايات والطرائف ولأن محمد بن حاضر من مرافقى وزر الدفاع الشيخ محمد بن راشد ومن مجالسيه فقد فهمنا أن رأي الشاعر فى الشيخ هو انعكاس لما يقال ويروى عن حشر فى مجالس أولاد عمومته وهم فى كل الأحوال محقون ولعله من أجل هذا فرضوا على حشر بعض أتباعهم فنصبوا خالد محمد أحمد رئيساً تنفيذيا لتحرير جريدة "البيان" وجعلوا من مذيع من الدرجة الثالثة اسمه عبد الغفور السيد مديرا عاما للإذاعة والتليفزيون وهذا لا يقل طرافة عن عبد الله النويس فهو يقضى أيامه مخمورا فى مكتبه أو فى مزرعته أو فى قاربه ومع أنه لا يشاهد تليفزيونا أو يسم إذاعة إلا أن قرارات الحل والربط فى المؤسسة تصدر من مكتبة وتمرر إلى أجهزة التنفيذ رغم أنف عبد العزيز الذي هو مدير مكتب الشيخ حشر الذى جعله حشر مديرا عاما للشئون الإدارية تمهيدا لتسليمه الإدارة العامة يوم يحسم حشر معركته مع الآخرين ولأن الشيخ حشر يدير معركته الإعلامية على طريقة القبائل يوم كانت تكثر من العيون والآذان قبل أن تكر وتفر على مضارب الآخرين فإن حشرا قام بحشر العيون والآذن فى كل أجهزة الإعلام الدبوية وسلمها رغم أن بعضها لا علاقة له بالعمل الإعلامي مراكز قيادية أصبحت بعدها قادرة ليس فقط على الرصد وإنما أيضا على التحرك واتخاذ القرارات.
وكانت أخر معارك التصفيات فى جريدة البيان قد اضطرت الشيخ حشر إلى قطع أجازة "التونس"ٍ التي كان يتنعم بها فى لندن ليطير على جناح السرعة فى ليلة ظلماء عائدا إلى دبى لكى يتصدى لعملية قصقصة الأجنحة التي بدأها رئيس التحرير التنفيذي خالد محمد أحمد بدفع ممن عينوه فى حق "رجال" حشر داخل الجريدة وقد نجح فى ذلك بالفعل إلا أن الوضع فى "البيان" لم يستقر بعد مما دفع ببعض المحررين والموظفين إلى التفتيش عن أمكنة أخرى وفى طليعتهم المسئول عن مركز المعلومات فى الجريدة وهو صحافى من أصل فلسطيني يحاول عبر أصدقائه أن يجد له موطئ قدم فى إحدي صحف لندن .
فى هذا الإطار وضمن هذا التوجه والتحرك وظف الشيخ حشر طالبا من قبيلة "المرى" لم يطر شاربه بعد كمدير لتحرير جريدة "البيان" ثم وضع مدرسا في منصب قيادي وجعله صاحب زاوية اسبوعية يبدأها بعبارة "أسعدتم صباحا" قبل أن يبطش بثلة من الصحافيين المحترفين كان على رأسهم رسام الكاريكاتير جلال الرفاعي ومدير مكتب "البيان" فى أبو ظبى تاج الدين عبد الحق وأصبحت الجريدة بعد هذا كوكتيلا غريبا عجيبا لا تعرف رأسه من كعبه، تهلل لنظام "كامب ديفيد" وتتبنى كل شعارات التخلف والرجعية والانحطاط فى العالم العربى.
الوضع فى إمارة الشارقة يختلف بعض الشئ ولأسباب نجهلها لم تمنح إدارة الإعلام الرسمية التي يراسها الشيخ القدير أحمد القاسمى أيه إمكانيات مادية تذكر ومع ذلك نجحت الإدارة وبجهود موظفين لا يزيد عددهم عن خمسة فى أن تحرك الساكن وتثير الأسئلة وتقيم المحاضرات ومعارض الكتب وتنظم الندوات والمهرجانات الثقافية وكان من الواضح أن الدعم كله قد صب فى جيوب أصحاب مؤسسة الخليج من ال عمران وتريم ويبدو أن الشارقة قد اضطرت إلى ذلك حتي تظل بعيدة من ناحية رسمية عن الحساسيات التي قد تثيرها جريدة الخليج من زاوية الجريدة خاصة ولا تمثل وجهة النظر الرسمية للإمارة كما هو الحال بالنسبة لجريدة "البيان" التي تمثل دبى والاتحاد التي تمثل إمارة أبو ظبى.
وجريدة الخليج التي أسسها الصحافى المصرى محمد محفوظ عاشت منذ تأسيسا حالة انفصام شخصى بعد أن تنازعها تياران.
الأول هو تيار أصحاب المال من أل تريم الذين أرادوا لجريدتهم أن تظل فى إطار الولاء لأنظمة الشيوخ من خلال مدحهم وإصدار الملاحق الملونة عنهم بمناسبة وبدون مناسبة طلبا للمال والجاه والتيار الثاني يمثله العاملون فى الجريدة وكلهم من الوافدين العرب ومن الصحفيين القديرين الملتزمين بوجهة نظر عروبية وقومية الفضل فى نجاح الجريدة وفى تبنيها لبعض القضايا المحلية والقومية التي تقع خارج نطاق استيعاب رئيس التحرير راشد عمران الذى ينصرف جل اهتمامه بالإشراف على سيارات التوزيع وأجور العمال وحل بعض هموم الصحفيات والمراسلات والقارئات اللواتي تستقطبهن الجريدة ويبدو أن بعض شيوخ الشارقة أدركوا حقيقة البالون المنفوخ المتمثل بأل تريم، والذى يعيش فى أمجاده على جهود الصحافيين العرب، الذين يعمل بعضهم براتب تقل عن رواتب الفراشين فى بعض الدوائر الحكومية لذا سارع الشيخ عبد العزيز القاسمى، ولى العهد ، إلى إغلاق الجريدة فور قيامه بالانقلاب الشهير بعد أن اشار إلى أن أل تريم ليسوا أكثر من تجار ومرتزقة يوظفون مشاعر الآخرين وقضايا العرب والعروبة لتحقيق ثروات خيالية والحصول على العطايا والهبات ولم يكن الشيخ عبد العزيز القاسمى يضرب فى المندل ففي ملفات إحدي شركات السيارات التي يمتلكها " شركة ليبرتى" ما يؤكد له ذلك فعلى هامش الصراع بين البحرين وقطر تلقت شركة ليبرتى للسيارات فى الشارقة والمملوكة للشيخ عبد العزيز رسالة من حاكم البحرين تطلب منها إهداء صاحب جريدة "الخليج" تريم عمران سيارة أميركانية جديدة مكافأة له على (مواقفة) الموضوعية وفى ملفات الشركة أن تريم عمران طالب شركة ليبرتي أن ينقد بدلا من السيارة ثمنها عدا ونقدا وهذا ما كان .
الدور الذى لعبه أل تريم فى تخريب مفاهيم الإعلام والصحافة فى الإمارات وتوظيف الشعارات الوطنية لتحقيق المكاسب والأرباح سبق أن لعبه المدعو راشد بن عويضة وهذا مليونير من إمارة أبو ظبى عمل سائقا فى عهد شخبوط ثم حصل فى مطلع الستينيات على وكالات أجنبية ليصبح فى السبعينات مليونيرا تعمل مؤسساته فى مجالات الطيران والنقل والأعمار وبيع العطور إلى أن استولى على جريدة "الوحدة" فحولها إلى شئ هزيل، مسخ به مفاهيم العمل الصحافى وقيمة حتي أنه سلم إدارة تحريرها فى عام 1975 إلى مواطن كويتى لا يحسن القراءة والكتابة وقد أشار إلى هذه الواقعة الطريفة الصحافى المصرى محمود السعدنى فى مذكراته التي نشرها قبل سنوات فى مجلة (المجلة) السعودية اللندنية ومع أن راشد بن عويضة أغدق على بعض الصحافيين فاشترى منهم من اشترى ووظف من وظف إلا أن جريدته ظلت على حالها، مجرد منشور هزيل، يعيش على أعتاب الشيوخ ويسعى إلى الارتزاق ويهدف إلى أن يصنع من صاحب الجريدة شيئا مهما فى عالم الصحافة، وهو الذى لا يحسن الحديث … ولم يكن فى يوم من الأيام حامل قلم أو حامل دواة وهذه حقيقة لا يستطيع أن ينكرها أحد، بما فى ذلك الذين عملوا لديه من أمثال فؤاد مطر وشوقى رافع وأحمد نافع.
ولأن كل إناء بما فيه ينضح فإن دولة فيها وكيل وزارة للاعلام من طراز عبد الله النويس لا ينتظر منها أن تفرز شيئا أخر غير حشر المكتوم وراشد بن عويضة، وأل تريم وعبد الغفور وما يتبعهم من مؤسسات صحافية وإعلامية تهدر الملايين من الدولارات دون أن تسهم فى بناء المواطن العربى فى الإمارات لا بل إنها تعمل على إفساده وتخريب مفاهيمه وتلويث كل القيم التي توارثها العرب وكرسها الأحرار فى الأقطار الأخرى.
ملحوظة :
نشرت مجلة سوراقيا مقالي اعلاه موقعا باسمي ... لكنها ضمنته فقرة بتوقيع " سوراقيا " بعنوان حشر والحشريون تضمنت اساءة للدكتور عصام سخنيني ولم اكن كاتب هذه الفقرة التي اعيد نشرها هنا للتوثيق كما اضافت المجلة عبارة في مقالي هي المؤشر عليها بالاصفر ... وقد نشرت في اطار داخل مقالي الامر الذي اوحى بأني كاتبها مع اني لم اكتبها وقد قرأتها كما قرأها غيري بعد النشر   وقد حشرت في مقالي دون علمي وقد بعثت يومها برسالة اعتذار الى عصام سخنيني قلت له فيها ان حاشر هذه العبارة في مقالي هو شخص اسمه " مفيد مرعي "  فهو الذي اضاف المقالة المؤشر عليها بالاصفر وهو الذي كتب مقال " حشر والحشريون "... والحكاية من اولها اني فوجئت بنشر مقالي كاملا كموضوع غلاف مع حشر مقال بعنوان " حشر والحشريون " ضمن اطار في صلب مقالي  ولاني لم اكن كاتب هذه العبارة فقد اتصلت على الفور بالصديق سامي الحاج مدير التحرير محتجا وعاتبا وطالبا نشر تنويه واعتذار ... فأخبرني ان كاتب العبارة صحافي اسمه " مفيد مرعي " كان في زيارة للمجلة ولانه ادعى انه كان يعمل في البيان فقد عرضوا عليه المقال فاضاف بخطه العبارة المذكورة ... ثم كتب لهم مقالا اخر بعنوان " حشر والحشريون " نشروه في هامش مقالي ووقعوه باسم سوراقيا وقدموا له في مطلع مقالي بالقول ان الموضوع اعد من قبل " مركز المعلومات في سوراقيا " ... وليس في سوراقيا مركزا للمعلومات طبعا الا اذا اعتبر " مفيد مرعي " هو " مركز المعلومات " ... وقلت يومها للصديق سامي الحاج مدير التحرير اني لست ضد ان يكتب " مفيد مرعي " ما يشاء ولكن يجب ان يوقع ما يكتبه باسمه لا ان يتستر وراء اخرين لان من حق الذين هاجمهم مرعي ان يعرفوا انه هو كاتب المقال ... والطريف اني علمت بعد ذلك ان المدعو " مفيد مرعي " قد ترك لندن وعاد الى ابوظبي ليشغل منصبا هاما في وزارة الاعلام الاماراتية فقلت في نفسي : هذه هي النوعية التي تصلح للعمل في مشيخة الامارات ... نوعية انتهازية متقلبة ولها اكثر من وجه ....

حشر … والحشريون

  هذا المقال نشر بتوقيع سوراقيا مع ان كاتبه اسمه مفيد مرعي

"عندما تأسست جريدة "البيان" فى دبى فى مطلع الثمانينات لم يكن اسم الشيخ حشر المكتوم رئيس تحريرها وبعد التأسيس واردا أو متداولا كان رياض الشعيبى هو الواجهة وكان هو أداة التحرك والاستقطاب والتنفيذ بل أن كثيرين من الصافيين الذين تعاقدوا للعمل مع جريدة "البيان" عند صدورها ما كانوا قد سمعوا باسم حشر المكتوم من قبل ومنهم من فوجئ بأن الصورة التي شاهدوها فى دبى تختلف عن تلك التي زينها لهم الشعيبى لإغرائهم بالتعاقد معه.
والواقع أن الصراع على النفوذ فى"البيان" من قل صدورها كان من الأسباب الرئيسية لولادتها المجهضة أو فلنقل لصدورها دون التوقعات بالنظر إلى المنزلة الصحافية المرموقة لبعض العاملين فيها ومما زاد فى خيبة الأمل فى "البيان" الصدور الناجح نسبيا فى الشارقة لجريدة "الخليج" فى الوقت ذاته وبإمكانيات أقل وقد كانت هذه المفارقة مدعاة للشماتة في بعض الأحيان مما أدي إلى منازلة مبكية بين الصحافيين اللبنانيين ياسر هوارى وذي الفقار قبيسى يوم صدور العدد الأول من "البيان".
فقد كان ياسر هوارى من بين الذين تعاقد معهم الشعيبي للعمل الاستشارى فى "البيان" وكان فى ذلك الوقت قد فك العقد بينه وبين سليم اللوزى فى "الحوادث" اللندنية وكان ذو الفقار قبيسى قد انتقل من الكويت حيث أسهم فى إطلاق جريدة "القبس" إلى الشارقة للمساهمة فى إطلاق جريدة "الخليج" وعند صدور العدد الأول من "البيان" فى ربيع 1980 جاء القبيسى إلى مبنى الجريدة وأخذ يقرع ياسر هوارى على هذا الانتاج الهزيل الذى لا يليق به إلى درجة إن الهوارى أخذ يبكى أو يتظاهر بالاسى والحزن.
ولم يكن معروفا فى نهاية 1979 أن ياسر هوارى قد فك ارتباطه مع سليم اللوزى أو على الأصح أن سليم الوزى قد خلق الظروف الملائمة لتطفيش الهوارى وعندما أخذ رياض الشعيبى يركز على اجتذاب عناصر عاملة فى "الحوادث" فإن سليم اللوزى أن هناك مؤامرة مقصودة ضد "الحوادث" ينفذها مهدي التاجر بالنظر إلى أن اللوزى كان يعتقد أن الشعيبى يعمل فى خدمة التاجر ولذلك اتصل سليم اللوزى بمهدى التاجر فى لندن يستوضحه فأكد له التاجر أنه لا علاقة له بجريدة البيان التي تعمل على إصدار الجريدة هي حكومة دبى.
وقد أكد التاجر للوزى تأكيداً جازما بأن البيان هي جريدة حكومية رسمية ومع ذلك ظل هناك قدر من الشك فى نفسه.
والصحيح هو ما قاله مهدي التاجر، ولو عرف الأمر فى حينه لكان كثيرون نظروا إلى الأمر نظرة مختلفة لكن رياض الشعيبى المكلف من حكومة دبى بتوظيف العاملين فى الجريدة، أوحى وكأن الجريدة سوف يتكون مستقلة وأنها سوف تكون منبرا حرا للأقلام المدوية والنافذة فى العالم العربى قاطبة وأن دبى سوف تكون "بيروت" الجديدة" وأوحى فوق ذلك بأنه الرجل القوى الذى يحل ويربط من غير الرجوع إلى أحد فوضع نفسه فى موقع الاستقطاب.
وهذا ما جعل "البيان" تولد فى جو من الصراعات والدسائس والولاءات المتغيرة ومما أسهم فى ذلك أن الإدارة الأولى التي اختارها الشعيبى لاصدار الجريدة لم تكن عل المستوى المطلوب وفوق ذلك فإن تلك الإدارة لم تكن طليقة اليد حتي فى تنفيذ تصورها الذى لم يكن على المستوى المطلوب وفوق هذا وذاك كان الفارق شاسعا وبينا بين مستوى إدارة التحرير وبين مستوى المحررين وكان ذلك موضع تندر وفكاهة فى الوسط الصحافى الجديد المتجمع فى دبى والشارقة وأبو ظبى.
وحتى الاسبوع الأخير قبل الصدور لم يكن اسم حشر المكتوم معروفا لدي الصحافيين القادمين للعمل فى جريدة "البيان" وأول مرة ظهر فيها الشيخ حشر فى الصورة كانت قبيل الصدور فى اجتماع دعا إليه الشعيبى فى مكتبه فى مبنى التليفزيون لتقدم العاملين فى الجريدة إلى حشر المكتوم وتقديم المكتوم لهم على أنه رئيس التحرير وقد ظن البعض فى ذلك الوقت أن تعيين حشر المكتوم رئيسا لتحرير "البيان" هو مسألة شكلية لأنه لا يجوز فى الخليج أن تكون رئاسة لغير أهل البلد وانطلاقا من هذا الظن تصور هؤلاء أن حشر المكتوم ما هو إلا واجهة وأن السلطة الفعلية سوف تكون فى يد غيره من وراء الستار (أي فى يد رياض الشعيبى).
وما يجرى الآن من صراعات ودسائس فى جريدة "البيان" يشبه إلى حد بعيد ما جرى يوم تأسيسها ولذلك فإن الصراعات الأولى جديرة بالعودة إليها للاسترشاد للتحرير فهو شيخ ابن شيخ ومن عظام رقبة العائلة المكتومية الحاكمة وله حصة ف ى السلطة والنفوذ ولو على قده صحيح أن حشر المكتوم الذى يشغل أيضا منصب مدير الإعلام فى حكمة دبى قليل المعرفة لكنه ليس قليل الدهاء.
فقد حاول ونجح إلى حد بعيد فى أن يكون مركز استقطاب بديل بحيث استطاع أن يحجب رياض الشعيبى لدي بعض العاملين الذين تعاقدوا مع الشعيبى واستقطبهم فى البداية كل ذلك وحشر المكتوم لم يقطع صلته بالشعيبى ولم يحاول أن يشعره بأنه غريب عن "أورشليم" بل بقى يستظل به فى اتخاذ قراراتما كان الشعيبى ليقدم عليها فى وضع مختلف.
وصحيح أيضا أن حشر المكتوم عمل سفيرا لدولة الإمارات لدي بلاط شاه إيران محمد رضا بهلوى فى طهران لكن ذلك لم يؤهل الشيخ حشر ليكون دبلوماسيا محترفا وربما كان هذا يفسر تركة المبكر للعمل الدبلوماسى حتي أن البعض كان يقول متندرا أن الشيخ حشر ذهب إلى رش الطاووس فأطاح به وقد جاء إلى البيان ليطيح بها.
فالرئاسات ومنها رئاسة التحرير تؤدي بصاحبها فى أحيان كثيرة إلى الغرور إذا لم يكن متمكنا وواثقا من نفسه وقد داعب الغرور الشيخ حشر قليلا ولو أنه ظل واعيا لضرورة المحافظة على تواضعه والدليل على ذلك أنه حاول جاهدا أن يكتب افتتاحية العدد الأول من "البيان" فاختلى بنفسه عدة ساعات من غير أن يوفق فى ذلك فخرج ليعلن أنه لا يجيد الكتابة كما يجيد الحديث وأنه ربما كان من الأفضل أن يسجل أفكاره على شريط يعاد تفريغه وتدبيجه فاستحضر آلة تسجيل وراح يتحدث إليها لكان حظ كتابته الشفهية لم يكن أحسن من حظ كتابته الخطية فأعلن من غير تعقيد أنه فشل فى تجربته الكتابية خطيا وشفيها ومع ذلك فإن الشيخ حشر المكتوم لا يخلو من المزايا الحسنة ومن هذه المزايا التواضع وروح الفكاهة وحسن الحديث من غير آلة تسجيل طبعا.
والشيخ حشر المكتوم له مفاجآت فكرية لا تدرى ما إذا كانت تثير العجب أو تثير الإعجاب ففى أول اجتماع للتحرير بعد صدور العدد الأول من "البيان" سأله الشيخ حشر سأله أحد المحررين عن سياسة الجريدة ما هو نهجها مواقفها حدودها الخ. فقال حشر بثقة متناهية سياستنا هو كل شئ.
هذا الجواب المقتضب أدي طبعاً إلى المزيد من الأسئلة والاستفسارات ولا سيما أن "كل شئ" هذه تحمل معانى متعددة ومنها التحرر المطلق من كل القيود ورداً على سؤال عما يعنيه الشيخ رئيس التحرير بسياسة "كل شئ" قال حشر أننا أحرار فى أن نكتب أي شئ ما عدا تأييد الدكتاتورية.
طبعاً، أعجب الزملاء بجرأة الشيخ حشر، وكان إعجابهم أشد بنزعته الديمقراطية وسيما أنه تعامل معهم فى البداية تعاملا شبه ديمقراطي وذلك قبل أن يكتشفوا أن الكلام فى ذلك الجزء من العالم لا يعني شيئا وأنه لا يشكل أي التزام أدي أو معنوي أو أخلاقى على قائله وعلى سامعه أيضا وحشر المكتوم لا يشذ عن القاعدة فهو يقول شيئا ويقول عكسه بنفس الجرأة من غير أن يرف له جفن أو يندي له جبين.
ولم تكن تلك المفاجأة الوحيدة للمحررين فى اجتماعاتهم الأولى مع رئيسهم الشيخ قبل أن ينقطع عنهم وينقطع عن الجريدة بنفس الحماس الذى كان يحضر فيه إلى مكاتب الجريدة يوميا فقد كان الانطباع السائد والمتداول وهو انطباع صحيح أن السبب الموجب لاصدار جريدة "البيان" هو من ضمن محاولات الشيخ راشد المكتوم لموازنة الشيخ زايد بن سلطان ولم يكن ذلك سرا مكتوما فى حينه لكن حشر المكتوم فاجأ المحررين فى الاجتماع الثاني بإعلان ولأنه المطلق للشيخ زايد وامتداح مزايا ومناقب رئيس دولة الإمارات والتأكيد على صداقته الشخصية معه وعلى ضرورة إبراز صوره وأخباره وتعزيز مكتب أبو ظبى وقد بالغ في هذا الموقف وتوسع فيه إلى درجة ظهر معه وكأنه ينكر انتسابه إلى أل المكتوم ويعلن انتسابه إلى ال نهيان.
وهناك فى دبى من يحاول إثارة الحساسيات حول اسم الشيخ حشر حول اسمه الاول اسمه الثاني ويقول هؤلاء ان اسم حشر ظهر فى الجريدة "حشر مكتوم" لا المكتوم مما يعني التخفيف من انتسابه إلى العائلة الحاكمة فى دبى وهناك آخرون يتندرون حول اسمه الأول مما أوقع حساسية فعلية فى نفس حشر فإذا كانت أحدهم أن "أميركة محشورة فى الشرق الأدني" قيل لحشر أن استعمال كلمة "محشورة" فيها إيحاء بالتندر عليه وإذا قيل بأن هذا اليوم كيوم الحشر اعتبر ذلك تندرا مباشرا على الشيخ حشر حتي أن أحدهم قال أن الشيخ حشر بهذا الاسم حشر نفسه وحشر الناس أما الناقمون على حشر فيقولون فى هذه المسألة أشياء غير لائقة وقد سأل واحد من هؤلاء أخر ماذا يعني اسم حشر؟ فقال الآخر حشر هو مذكر حشرة وجمعها حشرات أو هن ويعني دس الأنف فى أشياء لا تعنيه أو تولى مسؤوليات ليست له فهو حشرى وجمعها حشريون حتي أن محررى "البيان" فى مرحلة من المراحل وبمعني من المعاني كانوا جميعا حشريين بل كانوا فى "البيان" محشورين حشرا.

سوراقيا