الأب والأبن والأخ!
صراع الشيوخ على خلافة الأمير!
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد رقم 305 الصادر في 22-6-1989

 

الذين تابعوا حركة ونشاط امير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إبان عقد مؤتمر مجلس التعاون فى المنامة ثم عقب ذلك ، لاحظوا ان حركة الشيخ قد ضعفت وان ارتعاشة اصابعه ويديه تؤكد الاشاعات التى تروجها المعارضة البحرانية فى الخارج والقائلة ان صحة الامير معتلة وان الامارة مقبلة على صراع دموي على ولاية العهد بين ولده الشيخ حمد بن عيسى ورئيس هيئة الاركان السابق الخليفة بن احمد آل خلفيه.
اخبار المعارضة البحرانية فى الخارج تؤكد ان الامير الشاب حمد بن عيسى بدأ يتطلع الى تسنم ظهر الحكم بعد (موت) والده، بخاصة وان نفوذه بدأ يزداد يوماً بعد يوم بينما يتقلص نفوذ عمه، وخصمه، ومنافسه على ولاية العهد (خليفة)، الذي – وفقا لمصادر المعارضة – اهده المرض .. ويرجع ازدياد نفوذ الامير الشاب (حمد) الى قيامه بمهام والده عندما يسافر الى الخارج فى الوقت الذى يقوم بمهام عمه رئيس الوزراء عندما يختفى من البلاد كلما احتدم الخلاف، بالاضافة الى انعكاسات افتتاح الجسر حيث يفضل آل سعود توجه حمد الاميركانى على توجه خليفه البريطانى ، هذا الى جانب ازدياد النفوذ الاميركانى فى البحرين بعد منح الاميركان تسهيلات واسعة فى مجالات الدفاع وادارات الخدمة المدنية والصراع على الحكم فى البحرين ليس طارئاً على (آل خليفة) فمنذ ان استولوا على الحكم قبل مائتى سنة، وهم يتصارعون على ولاية العهد، ويروى الدكتور محمد الرميحى رئيس تحرير مجلة "العربى" فى مقالة له نشرها – يوم كان معارضاً – فى العدد الرابع من مجلة (دراسات الخليج) الصادر فى تشرين أول (اكتوبر) 1975 جانياً من هذا الصراع التاريخى على ولاية العهد، فيقول – مثلا:
"أن تدهور الوضع السياسى فى البحرين قد ازداد تدريجيا خلال سنة 1938م بسبب الخلافات ضمن اسرة (آل خليفة) نفسها اذ لم يكن الشيخ سلمان اكبر انباء الشيخ حمد قد اعلن وريثاً شرعياً للحكم بعد، الامر الذى جعله يتخوف من اختيار الاسرة للشيخ عبد الله بن عيسى، عمه ، ورجل البحرين القوي آنذاك ، حاكماً للبحرين ، فى حال وفاة الشيخ حمد بشكل مفاجئ ولذلك كان الشيخ سلمان يشجع عقد اجتماعات مع وجهاء الشيعة والسنة لممارسة الضغط السياسى لتحقيق الاصلاحات التى يتضمن كل منها تسميته كولى للعهد.
المعارضة البحرانية ترى – فى منشوراتها – ان البحرين اليوم هى ذاتها فى عام 1938 ، فالحكم كان ولا يزال للاجنبى والمستشارين ، وآل خليفة مجرد احجار شطرنج تحركها الاهواء والميول الاستعمارية، ومن الطبيعى ان يدب الصراع فى الاسرة الحاكمة ، على المصالح والمناصب ، ومن الطبيعى ان يعطى هذا الصراع – فى بعض المراحل – صبغة او يكتسب هوية تبعاً لحجم المعركة ونوعية المتصارعين، ومن ثم ، يتميز الوضع السياسى فى البحرين بالاضطراب عبر عقدين من الزمن – فكانت اضطرابات عام 1904 حول المحاكم … واضراب البحارنة الشامل عام 1922 بسبب استمرار الاعتداءات عليهم من قبل افراد آل خليفة وقبيلة الدواسر والاضطرابات الطلابية عام 1928 والانتفاضة الشعبية الكبيرة عام 1938 ثم الاضطرابات عمال شركة النفط عام 1965 واخيراً الانتفاضات الشعبية فى الثمانينات.
هذا الوضع السياسى المضطرب – تقول المعارضة البحرانية فى أدبياتها – يعتبر مؤشراً واضحاً على التوازن الذى فرضة آل خليفة بالقوة واستغلوا التناقضات الاجتماعية تارة والاختلافات المذهبية تارة اخرى لجعله امراً واقعاً.
الاخطر من هذا – يقول المعارضون – ان حكم الامارة يسيره المستشارون الاجانب ، او تسيره النساء ، فعيسى بن على اتخذ من زوجته مستشاراً، حتى أنها كانت – فى القضايا الكبيرة – صاحبة القرار الاول ، اما حمد بن عيسى فاتخذ من الانكليزى "تشارلز ليجريف" الذى بقى فى البلاد 31 عاماً من 1926 الى 1957 مستشاراً وظل مستشاراً لسلمان بن حمد، وفى عهد تشارلز هذا ، وبترتيب منه دار الصراع الساخن على ولاية العهد بين الشيخ سلمان وخصومه، وهو الصراع ذاته الذى يدور اليوم بين (حمد) و (خليفة) باشراف البريطانى (ايان هندرسون) نائب مدير الامن العام، و (الخواجا) الذى له كل الفضل على النهضة العمرانية فى السجون البحرانية وعلى تسنم البحرين رأس القائمة فى بيانات منظمات العدل الدولية وحقوق الانسان !!
المراقبون يرون ان رجحان كفة الشيخ (حمد) لولاية ابيه الامير عيسى فى مواجهة رئيس الوزراء (خليفة بن سلمان) – وهو عمه سببها ان الامير الحاكم استغل فشل اخيه، رئيس الوزراء فى معالجة الازمة مع قطر حول جزر (فشت الديبل) والهزيمة الماحقة التى لحقت بالبحرين على الارض، يوم قامت قطر بعملية الانزال الشهيرة على الجزر، لاقناع وجهاء آل الخليفة فضلا عن قطاعات معينة مع الشعب ان (خليفة) – الذى يتحمل مسئولية الفشل – غير قادر على حكم الامارة ، وان الظروف تستدعى دعم الامير الشاب (حمد) المتموس فى فنون الحرب بحكم تخصصه، ويبدو أن تسويق شخصية (حمد) ضمن الاطار (النضالى) المذكور وجد له تجاوبا فى اوساط آل الخليفة والقبائل التى تواليها، والتى رأت فى التحرشات القطرية – التى تجد مباركة ضمنية من السعودية – تهديداً لمصالحها الخاصة، عجز رئيس الوزراء عن التصدي له ، بينما شعر الامير الشاب (حمد) عن عضلاته المفتولة للرد والانتقام.
قصة الصراع على ولاية العهد فى البحرين قصة قديمة ، ترويها بالتفصيل الممل نشرات المعارضة البحرانية فى الخارج ومنها نشرة المانية صدرت عن "حركة احرار البحرين الاسلامية" ، وتقول المعارضة ان الصراع على ولاية العهد بين خليفة وحمد قد بدأ عندما تدخل عيسى بن سلمان (الامير) قبل اكثر من سنة واجرى تعديلا وزارياً قضى بموجبة بتعيين رئيس هيئة الاركان السابق (خليفة بن احمد آل خليفة) منصب وزير الدفاع ، حيث اخل هذا القرار بميزان القوى لصالح حمد، الذى لم يعد وزيراً للدفاع (أى تحت أمرة خليفة) بل قائداً لقوة الدفاع ومنذ ذلك الوقت – تقول مصادر المعارضة – اخذ حمد يطور نفوذه ويستقبل المسؤولين فى قصرة بالدفاع اشارة الى قرب ارتقائه لمنصب الامير ، واصبح وزير الدفاع الجديد تحت قيادتين، فهو وزير تحت رئيس الوزراء وهو كذلك تحت مسؤولية القائد العام لقوة الدفاع وبما انه ضمن نفوذ حمد فقد اخذ نجمه يبرز بصورة مكثفة ويجتمع مع الشخصيات التى تؤثر فى سياسة حمد !!
الطامعون بكرسى الامارة كثيرون، فالى جانب الثنائى خليفة وحمد، هناك وزير الخارجية الشيخ المبارك آل خليفة ووزير الداخلية الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة الشيخ على بن خليفة آل خليفة والشيخ على بن عيسى آل خليفة، اى ان معظم شيوخ (آل خليفة) يطمعون بولاية العهد، ليس لاحساس كل واحد منهم انه احق من غيره بالمشيخة فحسب ، وانما لأن تاريخ البحرين المعاصر يغص بقص الانقلابات، والصراعات على الزعامة والمشيخة ، داخل اسرة آل خليفة ، لذا فقد شيوخ العائلة منذ زمن بعيد الاحساس بالامان ، وزادت هواجس الامن لديهم بعد الانتفاضات المتالية التى وقعت داخل الامارة والتى والتى قادتها عناصر المعارضة المنتمية الى مختلف التيارات والاجنحة النشطة هناك.
ولأن أسرة آل خليفة الحاكمة تعرف بأن الصراع بين مختلف الاجنحة فيها على الحكم ، ولانها تخشى ان يتقاطع هذا الصراع مع تحركات المعارضة ، ومحاولتها اللعب على الخلافات بين الشيوخ، فان من اولى المهمات الموكلة لطارق المؤيد، وزير الاعلام، العمل دوما على الترويج للاستقرار والامن والهدوء فى البحرين ، والزعم ان الامارة تعيش فى عصر عمر بن عبد العزيز ولعل هذا الشرط كان سابقاً للحوار الذى أجرته ، "الصياد" اللبنانية فى عددها رقم 2302 مع أمير البحرين ، ذلك أن كاتب الحوار محمد عبد المولى قد استهل حواره بكشف ستار العظمة وملامح العبقوبة فى حاكم البحرين ثم أردف كاتب الحوار العجيب يقول:
"كان امير البحرين قبل الظروف الامنية التى استجدت فى منطقة الخليج يمارس هواية مفضلة لديه، يتجول فى شوارع المدن والقرى للاطلاع بنفسه على أحوال المواطنين وحالت الظروف الاستثنائية بينه وبين هذه العادة اليومية لكنه لم يتوقف ابداً عن لقاءات المواطنين والاستماع اليهم ومناقشة امورهم اليومية وحل مشاكلهم".
بين الصورة الرومانسية للحاكم العادل ، عمر بن عبد العزيز القرن العشرين عيسى بن خيلفة ، التى يرسمها مندوب "الصادر" ، والصورة التى ترسمها نشرات المعارضة للامير نفسه، الديكتاتور، الذى توصف امارته الصغيرة فى بيانات منظمات العدل الدولية وحقوق الانسان بأنها على رأس الدول التى تغص سجونها بالسجناء السياسيين، الذين يتعرضون لمختلف انواع التعذيب.
نقول : بين هذه الصورة .. وتلك ، تبرز حقيقة واحد وهى ان وزير الدعاية طارق المؤيد ، يسعى - وفق اوامر رئاسية – إلى رسم صورة مخالفة للواقع ، وتهدئه الرأى العام، واسدال ستار من المواضيع الدعائية على حقيقة الصراع الذى يدور وراء الكواليس ، داخل الاسرة الحاكمة ، ثم بين الاسرة الحاكمة والشعب.
والذى يثير الدهشة والعجب ان وسائل الدعاية التى - - بالسيرة الشخصية للامير الحاكم، عيسى بن سلمان آل خليفة، وهى سيرة قد يفهم سردها على هذا النحو لو ان الشيخ – اطال الله عمره – قضى نحبه، او استقال او اقيل ، اما ان يؤبن وهو على قيد الحياة ، تارة بقلم الالوسى الذى دعته زارة الاعلام لهذا الغرض ، تارة اخرى بقلم مندوب "الصياد" ، فأمر يؤكد ما تروجه المعارضة من ا ن صحة الامير ليست على ما يرام ، وان الصراع على خلافته قد زاد حالته الصحية سوءاً على سوء !!.
قد يكون الشيخ عيسى معذوراً ، فقد اثقل كاهلة بمهمام الحكم وهو ما يزال طري العود، محدود الافق والثقافة والخبرة ذلك انه اصبح وصيا على الحكم فى الامارة وشاربة لم يطر بعد وباستثناء تولية منصب رئيس بلدية المنامة ، فان تاريخ الشيخ العملى لا يذكر له من الخبرات العملية غير هذه الا اذ اعتبرنا ان شغفه بصيد الصقور والسفر الى ربوع اوروبة من الخبرات العملية التى تؤهله لحكم البلاد.
فى تشرين الثانى (نوفمبر) 1961 تولى الشيخ عيسى بن سليمان آل خليفة سدة الحكم فى امارة البحرين خلفا لوالده، ولأن خبرة الشيخ الشاب كانت – آنذاك - مقصورة على مشكلات البلدية ، من شح المياه وفيضان المجارى والبواليع وانتشار الامراض الجنسية فان تصدية لقضايا الحكم جاءت متوازنة مع خبراته، بخاصة بعد اعلان بريطانية قرارها بالانسحاب من المنطقة فى مطلع السبعينات، اذ سرعان ما سلم الشيخ عيسى مقدرات البلاد للاجانب ، واجر قواعد جوية وبحرية لاميركة ، ورهن اقتصاد البلاد لشركات احتكارية ، وبطش بالمواطنين والطلبة ، ووسع من سجون البحرين، حتى جعلها من المعالم السياحية فى الامارة ، التى تذكر فى كل عام فى بيانات منظمات العفو وحقوق الانسان الدولية !!
واذا صحت توقعات المعارضة البحرانية الخاصة بالاوضاع الصحية للامير ، واذا – لا قدر الله – فقدت الامة واحداً من "خيرة" شيوخها، فان المؤرخين لن يجدوا صعوبة فى تعداد مناقب الشيخ الراحل، ومزايا عهده الزاهر، فالنفوذ الاميركانى - على سبيل المثال – متغلغل فى الامارة ، والطائرات المروحية الاميركانية تهبط وتقلع من مطار البحرين بمرأى جميع المسافرين، والمارينز يجوبون شوارع البحرين ، وقاعدة الجفير البحرية وقاعدة المحرق الجوية تداران من واشنطن. كما باشر الاميركان فى بناء قاعدة جوية فى جنوب البحرين.
على الصعيد النفطى بنى الاميركان ثلاث خزانات ضخمة للوقود بالقرب من خزانات شركة نفط البحرين (بابكو) ، والخزانات لم تبن لاغناء الاحتياطى البحرينى – مثلاً – وانما بنيت لتزويد القوات الاميركاية بالوقود.
الاقتصاد البحرينى فى الحضيض ، ففى عهد الشيخ عيسى ووفقا لاحصائيات وزارة الاقتصاد البحرانية انتشرت البطالة وارتفعت الاسعار، نزح البحرانيون الى المهاجر، للعمل كاجراء فى دول مجلس التعاون او للاقامة فى مجتمعات اللاجئين السياسيين فى المانية ودول اوروبة الغربية ، اما على الصعيد الاجتماعى فقد اصبح البغاء من صمادر الدخل القومى وببناء الجسر الواصل بالاراضى السعودية اصبحت الامارة ملاذاً للباحثين عن المتعة ويدفع الشعب ضريبة هذه المتعة ايضاً!
ليس سراً بعد هذا ان الامير الحاكم (عيسى) منحاز لولده حمد، لذا فانه يوكله بمهام الحكم اثناء غيابه، ويصر على الشراكه فى كل المناسبات واللقاءات ، حيث يظهر ولى العهد دائماً الى جانب الامير ، بيزة عسكرية مزركشة يزيد عدد نياشينها عن تلك الى يحملها مارشال الجو فى الامارات محمد بن زايد آل نهيان.