الفارس والحلم
الشيخ الذى يحسده الشيوخ !
بقلم : أسامة فوزي

العدد رقم 290 الصادر في 6 مارس اذار 1989

 

عندما توقف الرئيس الفرنسى فرانسوا ميتران فى دولة الإمارات العربية المتحدة فى طريق عودته إلى بلاده من الهند لم يستقبله الشيخ زايد بن سلطان رئيس الدولة، أو خليفة بن زايد ولى العهد أو حتى مكتوم بن راشد رئيس الوزراء، بل استقبله فى المطار رجل الإمارات القوي الشيخ محمد بن راشد المكتوم وزير الدفاع وقد حرصت جريدة "البيان" التي تصدر عن حكومة دبى على التأكيد بأن الشيخ محمد بن راشد والرئيس الفرنسى لم يلتقيا هكذا اعتباطا على هامش مرور طائرة الرئيس الفرنسى فى أجواء الإمارات وإنما تم اللقاء للتباحث فى العلاقات الثنائية والأوضاع فى المنطقة" وقد نشرت الجريدة صورة اللقاء مع تعليق يقول :" جلسة المباحثات الرسمية بين سمو الشيخ محمد بن راشد والرئيس الفرنسى"!.
جلسة المباحثات الرسمية بين ميتران ومحمد بن راشد وإبراز أخبارها فى صدر الصفحة الأولى لجريدة "البيان" ثم التغطية الشاملة للزيارة ولجلسة المباحثات التي قامت بها كاميرا تليفزيون دبى جاءت لتوكد مجموعة من الحقائق فى المعادلة السياسية القائمة فى دولة الإمارات أهمها وأكثرها لفتا للأنظار الدور المتعاظم الذى بدأ الشيخ الشاب محمد بن راشد يلعبه فى رسم السياستين الداخلية والخارجية لدولة الإمارات فى مقابل انحسار أدوار عدد من الوجود السياسية التي سادت فى الستينات والسعينات والتي تعيش الآن على هامش الحياة السياسية بعدما كانت صانعة قرار بل تعيش أيضاً على هامش الحياة الاجتماعية بعدما كان مجلسها يطلب ويسى إليه من شيوخ ووزراء ورجال أعمال وبلغ هذا الانحسار درج أن نجل مهدى التاجر بنفوذه وسطوته قد تزوج فى عرس لم يحضره أي من شيوخ الدولة البارزين من ال نهيان أو من أل المكتوم.
كبار السن في دبى يرون فى الشيخ محمد صورة لجده سعيد المكتوم فى سطوته وسعه نفوذه وفى ذكائه وفروسيته وفى قدرته غير المحدودة خلافاً للمنطق القبلى والعشائرى على مناورة الخصوم ومداورتهم الأحداث.
فى الستينات كان مهدى التاجر هو الحاكم بأمره فى إمارة دبى. ولم يكن الشيخ الناشئ أنذاك محمد بن راشد أكثر من شريك لمهدى التاجر في شركة دبى للمياه الغازية التي أسساها عام 1963 براس مال بلغ مليونا وثلاثمائة ألف درهم فى شارع زعبيل فى بر دبى كان من الواضح أن الشيخ الشاب قد انتفع من شراكته الذى انتفع مهدى التاجر من اسم الشيخ، وكان هذا المشروع التجارى الناجح مقدمة لمشاريع أخرى جعلت ثروة الشيخ محمد تتعاظم تتضاعف حتي أصبح يُعد من أصحاب الملايين.
في أواخر السبعينات اشتد ساعة الشيخ محمد وأصبح رأس حربة فى المواجهة الساخنة التي كانت تدور أنذاك بين شيوخ أبو ظبى وشيوخ دبى حول أبو ظبى، بل واحتج من خلال الإذاعة والتليفزيون على قرارات للشيخ زايد سلم على أثرها ولده سلطان قيادة الجيش واعتبرت دبى هذه القرارات مخالفة للدستور المؤقت، وأعلنت العصيان وقاطعت اجتماعات المجلس الأعلى للاتحاد وطالبت ببناء عاصمة لدولة الاتحاد وطالبت ببناء عاصمة لدولة الاتحاد غير أبو ظبى كما ينص الدستورى المؤقت.
وتشاء الأقدار أن يتورط الشيخ سلطان بن زايد بحادثة اعتراض سيارة على طريق دبى – العين كانت تقل شيخات من دبى إلى الجامعة وأدي الحادث إلى مضاعفات كبيرة جعلت الشيخ محمد يتشدد فى موقفه حيال الشيخ سلطان وأدت الحادثة إلى إقالة قائد الجيش وتسفيره إلى أوروبه للعلاج وقيل يومها أن رغبة الشيخ محمد فى إقالة سلطان وهي الرغبة التي كانت سبباً لأزمة عام 1978 قد تحققت بالكامل وذلك بتدخل القدر إلى جانب الشيخ محمد وادى عزل سلطان إلى توجيه ضربة قوية لقرارات الشيخ زايد وللشيخ سلطان الضابط الصاعد الذى كان يعول عليه وخرج الشيخ محمد قوياً ومنتصراً من المعركة، مؤكداً للجميع أنه الأقوى.
وملخص وقائع المعركة أن شيوخ دبى وجدوا أن حركة الطيران من مطار دبى الدولى وإليه تتطلب امتلاك شركة خطوط أهلية وطنية بدلاً من شركة طيران الخليج التي تحتكر مطارات الإمارات وتساهم فيها حكومة أبو ظبى بحصة الأسد وبعد إعلان قرار حكومة دبى بإنشاء شركة طيران الإمارات سارعت وكالة أنباء الإمارات الرسمية التي تاتمر بأوامر وكيل وزارة الإعلام عبد الله النويس الذى أوردته اعتماد خورشيد بين أصدقائها إلى ترويج أخبار تمس بالشركة الوليدة ونشر بيانات يُفهم منها التحامل على شركة طيران الإمارات الدبوية والتحيز لشركة طيران الخليج الظبوية ووجد محمد بن راشد – أحد مالكى الشركة الوليدة أنه مستهدف بشكل شخصى من حملة وكالة أنباء الإمارات الرسمية وأن الفرصة قد سنحت لتصفية الحسابات معها ولمصادرة نفوذها باعتبارها الذراع الإعلامية الضاربة لحكومة أبو ظبى وعلى الفور أصدر محمد بن راشد أوامر إلى الشيخ حشر المكتوم مدير الإعلام فى دبى بضرورة إنشاء وكالة أنباء ثانية فى دبى خلال أسبوعين وتم تكليف الصحافى الدكتور عصام سخينى أحد مؤسسى وكالة أنباء الإمارات بالمهمة ولم تكد تمر أيام حتى أعلن عن ولادة الوكالة الجديدة وتم فرز عشرات العناصر الإعلامية والصحافية البارزة فى دائرة إعلام دبى لهذه الوكالة التي أعطاها الشيخ محمد صلاحيات كاملة للعمل أقلقت مضاجع أبو ظبى وجعلت شيوخ الإمارة يبعثون الشيخ سرور بن محمد رئيس ديوان الشيخ زايد وابن عمه وزوج ابنته إلى حضرة مقام الشيخ محمد بن راشد ليتواسط.ويرجو شيوخ دبى ورجلها القوى محمد بن راشد أن يتراجع عن قراره حتي لا تحدث ازدواجية فى الموقف الإعلامى الرسمى وقبل الشيخ محمد الشفاعة ورضى التراجع عن قراره حتي لا تحدث ازدواجية فى الموقف الإعلامى الرسمى وقبل الشيخ محمد الشفاعة ورضى التراجع عن قراراه بعدما أيقن أنه لقن خلال اسبوعين وزارة إعلام عبد الله النويس درساً لن تنساه جعل الوزارة ووكالتها وصحفها وتليفزيونها وإذاعتها تعتدل فى التعاطى مع أخبار شيوخ دبى ومشاريعهم بما يوازى أهمية وقيمة ومستوى وثقل إمارة دبى فى إتحاد الإمارات العربية المتحدة ومرة أخرى خرج الشيخ محمد منتصراً.
ثم جاءت مسرحية انقلاب الشارقة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير وحسمت الجدال حول أهمية الشيخ محمد بن راشد وثقله ودورة فى دولة الإمارات وقيادتها فالإنقلاب الذى قاده الشيخ عبد العزيز القاسمى الأخ الأكبر للشيخ سلطان القاسمى حاكم الشارقة حظى منذ الساعات الأولى بموافقة ضمنية لشيوخ أبو ظبى وسارع تليفزيون أبو ظبى إلى إعلان بيان الانقلابيين وتكراره بما أوحى للمستمعين بأن أبو ظبى قبلت بالانقلابيين الجدد كحكام لإمارة الشارقة وظل هذا الاعتقاد سائدا حتي مساء اليوم التالى حين قطع تليفزيون دبى برامجه الاعتيادية وأعلن أن دبى ترفض هذا الانقلاب ولا تعترف به وتوعد البيان الانقلابيين فى حين استقبل الشيخ محمد بن راشد الشيخ سلطان العائد من لندن وقيل يومها أن الشيخ محمد قد وضع قواته على أهبة الاستعداد لإعادة الشيخ سلطان إلى حكمه وقد نجح الشيخ محمد في ذلك وانتهي الانقلاب بعودة سلطان إلى الشارقة مكسور الجناح بعدما غدر به أخوه وأعاده إلى كرسبه محمد بن راشد.
ظرفاء دبى ومشيخات الإمارات لاحظوا يومها أن شيوخ الإمارات الشمالية الفقيرة وحكامها شرعوا يتزاورون مع الشيخ محمد بن راشد بعدما وجدوا أن صداقاتهم مع الشيخ محمد هي وليست الدستور هي التي ستضمن لهم عروشهم .
محمد بن راشد يقود جيشاً قوياً مدرباً ومجهزاً بأحدث الأجهزة القتالية والشيخ يتحكم ليس فقط بمقدرات وزارة الدفاع وإنما أيضا بالقسم الأكبر من فعاليات أجهزة الأمن والصد والشرطة عدا عن الولاء الكامل للشيخ من قبل أفراد القوات المسلحة.
والشيخ محمد بن راشد بعد هذا عصرى فى علاقاته الاجتماعية والإنسانية فهو يحرص على أن يضم إلى مجلسه الكتاب الصحافيين والشعراء حتي أنه أسس لهم مجلة باسم "المنتدى" ينفق عليها من حسابه الخاص كما أسس ما يسمى بالندوة وهي رديف لاتحاد الكتاب وقد سلم رئاستها لواحد من أبرز مثقفى دبى الزميل القاص محمد المر ومع أن بعض الأرزقيين المحيطين به من أمثال مطارزى اسمه محمد بن حاضر يسيئون فى مجالسهم الخاصة وتصرفاتهم وما ينسبونه كذباً للشيخ من أحاديث ومواقف وتصريحات للتظاهر بأنهم مستودع أسراره فإن الشيخ محمد يعى أهمية أن يكون عصرياً فى تعاملاته ديمقراطيا فى حواراته.