شهادات البترو – دكتوراة للبيع في الخليج
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد 282 بتاريخ 9 يناير 1989

 

لن يكون عيسى الكوارى – نقصد الدكتور طبعاً – الخليجى الأخير الذى تثار حول كفاءاته الأكاديمية التساؤلات ولن تكون صحيفة "الاوبزرفر" الصحفية الوحيدة التي تثير مثل هذه التساؤلات فظاهرة "البترو – دكتوراه) – والتسمية للدكتور محمد الرميحى رئيس تحرير مجلة "العربى" الكويتية – أصبحت فى دائرة الضوء، بعد ما نال درجة الدكتوراه، أصيلة كانت أم فخرية، حقيقية أم مشتراه، رجال بعضهم لا يُحسن فك الخط مثل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – نقصد الدكتور زايد طبعاً – وتجار خردة ومقاولون وموظفون ووزراء إعلام طبعاً
الجديد فى "إدعاءات" جريدة "اوبزرفر" أن الكوارى اشترى رسالة الدكتوراه من الصحافى الانكليزي غرهام بينتون مقابل ألف جنية استرليني مما يعني – إن صحت الإدعاءات – أن أسعار رسائل الدكتوراه فى هبوط، ربما لأن كثرة العرض – وكثرة الطلب، جعلا الأسعار ترتبط بالدولار وبرميل النفط الخام والنحاس والحديد أيضا، ولعل هذا سيجع "الدكاترة" الذين حصلوا على الدرجة العلمية الموقرة قبل سنوات ودفعوا ثمناً لها الشئ الفلانى يندبون حظهم ويلعنون ثم يحسرون "الجيل الجديد" جيل "الفاكس" و "رسائل الدكتوراه" المفصلة حسب الطلب".
إحقاقاً للحق، نعترف للدكتور محمد البرميحى، بالريادة فى توصيف ظاهرة "ألبترو – دكتوراه" وتحليلها اجتماعيا وسياسيا، وثقافيا، ولعلنا فى هذا المقام نوافق جماعة "البيادر" السياسى فى أن "أهل مكة أدرى بشعابها" فالدكتور رميحى الذى حصل على درجة الدكتوراه من لندن بعرق الجبين طبعاً ساءه أن تغزو شهادات الدكتوراه إمارة الكويت وضواحيها فما تترك تاجرا فى "سوق المناخ" إلا ونصيبه "طراطيشها" حتي بات رجال المال والأعمال – فضلاً عن الوزراء – دكاترة أو هم فى طريقهم بعدما وجد هؤلاء أن لقب الدكتور فيه جرس موسيقى ظريف عندما يسبق الألقاب الأخرى مثل صاحب السمو أو صاحب المعالى، ولعل الدكتورة الشيخة سعاد الصباح أدرى منا ومن الرميحى بمعنى وأهمية أن يكون المرء "شيخا" أو "صاحب سمو" ثم … " دكتوراً " .
عندما شرح محمد الرميحى مصطلح "البترو – دكتوراه" كان يومها – فى مطلع السبعينات – من "المعارضة" ومن ثم لم يكن فى متناوله هذه الظاهرة الاجتماعية المرتبطة بمتغيرات مجتمع النفط أكثر من (ناقد) للنظام السياسى كله، ليس فى الكويت فحسب وإنما فى دول النفط والعفط وقد اطنب الرميحى يومها فى توصيف هذه الظاهرة حتي أغضب كثيرين كان منهم الشاعر الرقيق صاحب المال والأعمال مع حصول العتيبة على درجة الدكتوراه من القاهرة، وكان الاستاذ المشرف على رسالته، هو ذاته صديق العتيبة ومقدمة ومقدم تبه للعامة والخاصة، ولعل الذى آثر القال والقيل حول مانع العتيبة، وظروف حصوله على الدكتوراه آنذاك، هو ذاك الجو الاحتفالى الرهيب الذى تسلم فيه العتيبة شهادة الدكتوراه، حتى ظن المواطن الم صرى أن حادثا جلل قد وقع أو أن معدن دكتوراه العتيبة يختلف عن معادن شهادات الدكتوراه التي يحصل عليها مصريون، فلا تقوم لهم طنة ولا رنة، بل ولا يجدون فرصة عمل أيضاً، وقد سعدنا يومها بمتابعة حصول مانع العتيبة على الدرجة الجامعية بعد نقل تليفزيون أبو ظبى، وقائع الاحتفال، وذبحت النعاج فى ابو ظبى، بينما تزاحمت وفود القبائل على مضارب سعيد العتيبة مهنئة، أليس هذا الشبل … من ذاك الأسد !
مانع العتيبة – على أي حال – كان شاعراً رقيقاً، أو كانت لديه بوادر شعرية، يرعاها له وينقحها مستشاره الإعلامى الفلسطينى خليل عيلبنى، بل ويقول بعض الحساد، قاتلهم الله، أن القصائد لـ عيليونى فى أكثرها، تماماً من قصائد (ادكتور) سفير الإمارات فى بون، التي قيل ويقال أنها للشاعر السورى حسيب كيالى، المقيم فى دبى والسفير – على أي حال – لا ينكر ذلك، فتعليماته إلى مجلة "المنتدى" الدبوية، التي تنشر درره واضحة كلما نشرتم قصيدة لى ادفعوا ثمنها لت حسيب كيالى !!
الحظوة التي نالها العتيبة آنذاك ليس مردها شعره الغزلى الرقيق – طبعا – ولا مردها أنه صاحب معالى وليس مردها حتماً أنه مليونير، وأنه وكيل لـ "جنرال موتورز" فى أبو ظبى، وإنما مردها تلك الأضواء التي سلطت على العتيبة الشاعر فى اجتماعات "أوبك" و "أوابك"، حتى أن إحدى قصائده سببت أزمة دبلوماسية يوم اعترض عليها وزير النفط النيجيرى، لذا فإن ابن الإمارات الدكتور الشاعر أحمد أمين المدنى لم يجد آذانا صاغية عندما أعلن أكثر من مرة – وهو أول دكتور فى الدولة – لا يجد عملاً.
سبحة الحصول على شهادات الدكتوراه (فرطت) عندما اهتدى النفطيون إلى عنوان جامعة "اكستر" فى بريطانية، التي لا تشترط فى طلب الدكتوراه المرور فى المراحل إياها التي يمر بها طلبة الدكتوراه فى جامعات أخرى، ويبدو أن اسم "اكستر" أكثر جاذبية من اسم جامعة القاهرة، على الأقل لأن "أكستر" جامعة أجنبية، وفى المثل الشعبى "كل فرنجى برنجى" ، لذا تحرك مؤشر الدكتوراه إلى لندن، وبدأ أهل النفط يكتشفون أهمية أن يكونوا "بروفيسورات".
مثلا، بعدما طرد شيوخ دبى وزير التربية عبد الله عمران، سارع هذا إلى إصدار جريدة مع أخوته الثلاثة، أتبعها بالانتساب إلى جامعة "اكستر" وبعد ثلاثة أعوام طالعتنا جريدته "بما نشيت" كبيرة عرفنا منها أن صاحب الجريدة نال درجة الدكتوراه من "اكستر" بعدما وضع رسالة عن تاريخ الإمارات السياسى الحديث، ويبدو أنه من قبيل التواضع ليس إلا امتنعت الجريدة حتي الآن من نشر (الرسالة) مع أنها كانت أكثر من كريمة وسخية فى نشر إعلانات التهنئة والتبريك لفلته زمانه عبد الله عمران وعموم آل عمران الكرام!
لم تكد تمر أسابيع حتي قامت الدنيا ولم تقعد فى إمارة الشارقة، فشيخها، الذى حصل على بكالوريوس زراعة من جامعة القاهرة، نال بتقدير امتياز درجة الدكتوراه من "اسكتر" أيضاً، وكانت الرسالة عن موضوع – سياسى تاريخى ليس له علاقة من قريب أو من بعيد بزراعة الفجل فى الشارقة أو بتشجير دورات أبو ظبى، وهي الموضوعات التي يفهمها الشيخ بحكم تخصصه، ويبدو أن حصول الشيخ سلطان على درجة الدكتوراه من "أكستر" افرح شقيقه عبد العزيز الذى لشدة فرحه أقال أخاه وذكر فى بيان الإقالة … " أن الشيخ مشغول بالدراسة فى لندن".
أولاد الشيخ زايد تقاطروا بدورهم إلى لندن، بينما طير شيوخ الكويت، وقطر، والبحرين، أولادهم إليها للاشتراك فى سباقات الدكتوراه وإذا كان بعض هؤلاء سيفشلون فى الدراسة، وسيتورطون فى قضايا كتلك التي تورط فيها ابن عم أمير دولة الكويت، الشيخ محمد ناصر الصباح – الذى أوقفته محكمة كامبرويل البريطانية بتهمة حيازة كميات من "الهيرويين" و "الكوكاكين" فى منزله وذلك فى 8 / 11 / 1988 – إلا أن الآخرين سيفوزون بالدكتورات – أن جاز الجمع – ولن يمر أكثر من عقد من الزمن حتى يصبح مجلس التعاون كله مجلساً لحملة الشهادات العليا … والأختام طبعاً، فالبصم بالحافر ستظل عادة فولكورية يتمسك بها شعب النفط.
تعود إلى إدعاءات جريدة "أوبزرفر" فنقول :" أن عيسى الكوارى برئ من الاتهامات براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ومبلغ الألف جنية الذى أشارت الجريدة البريطانية الاسبوعية لا يليق بوزير إعلام دولة فى حجم قطر ، ثم أن "عبقرية" عيسى الكوارى مشهود لها حتى دون أن يتدكتر صاحبها، فالرجل محب للعلم، وللمعرفة لذا أوقف مجلة "الدوحة" عن الصدور وحاكم رئيس تحريرها الناقد المصرى رجاء النقاش لأنه نشر مقالة لم تعجب جماعة (الأمر بالمعروف) وجعل الروائى السودانى الطيب صالح ركوبه ثم الحق بالدرجة مجلتى (الصقر) و (الأمة) ليحقق بذلك رقماً قياسياً فى عدد المجلات التي أغلقت بعهده الزاهر !!
ولأن الشئ بالشئ يذكر فإن "سوراقيا" تعود بالذاكرة إلى تساؤل كان قد طرحه الزميل يوسف القعيد فى مجلة "المصور" المصرية فى آب (أغسطس) 1986 عقب إغلاق 8 جرائد ومجلات عربية نفطية فى اسبوع واحد حيث تسائل الزميل فى مانشيت موضوعه (أزمة دميقراطية أم أزمة مال وراء إغلاق صحف البترول)؟
ولعل جريدة "أوبزرفر" أجابت الآن عن هذا التساؤل … أنها أزمة دكاترة يا من قتل يوسف القعيد.