قصة دكتوراه … على ذمة "الأوبزرفر"
بقلم : أسامة فوزي
 

يوم الاثنين الماضى (5/12/88) وزع مكتب المعلومات فى جامعة "اكستير " البريطانية بيانا توضيحا ردا على ما نشرته صحيفة الـ "الاوبزرفر" البريطانية عن قصة الدكتوراه التي منحتها الجامعة لوزير الإعلام القطرى عيسى الكوارى ومما جاء فى البيان التوضيحى أن المجلس الأعلى للجامعة منح الدكتوراه لعيسى الكوارى فى تموز (يوليو) من العام 1988 وبعد إجراء التحقيق اللازم حول الانتحال الذى نسب إلى الوزير القطرى فى ما يخص موضوع الأطروحة وقال بيان الجامعة أيضا "أن أحدا من الفريقين المعنيين لم يقم باتخاذ أي إجراءات رسمية أخرى بعد ذلك".
وكانت الصحيفة البريطانية قد نشرت موضوعا على الشكل الآتي :
عام 1976 سجل وزير الإعلام القطرى عيسى الكوارى نفسه كطالب يحضر لنيل شهادة الدكتوراه بمادة الفلسفة فى جامعة "أكستير" البريطانية بعد جهود خاصة بذلها أستاذ مصرى هو البروفسور محمد شعبان الذى أسس مركزا لدراسات الخليج الشرقى فى جامعة اكستير بتمويل خليجى حيث تم رفد هذا المركز بالأموال اللازمة لتغطية نفقات دراسة درجة بروفسور وأساتذة محاضرين ومكتبة جديدة وقد تبرعت قطر بمبلغ 60 ألف جنية إسترليني مساهم منها فى تمويل المركز.
هذا المركز الذى يرأسه محمد شعبان تمكن من إقامة علاقات طيبة مع وزارة الخارجية البريطانية التي باركت هذه الخطوة على اعتبارها تساعد فى جذب الأموال العربية إلى بريطانية وتؤمن فرص عمل لعدد من البريطانيين فانطونى بارسنز سفير بريطانية السابق لدي إيران هو زميل فخرى فى المركز وبرأيان بريد هام الدبلوماسى والرئيس السابق لمركز الشرق الأدنى للدراسات العربية التابع لوزارة الخارجية البريطانية يتولى إدارة المركز.
بعد مضى ثمان سنوات على تسجيل عيسى الكوارى فى جامعة اكستير كطالب دكتوراه فشل الوزير فى تقديم أطروحته فى وقتها المحدد إذ تنص قوانين الجامعات على أن يقدم الطالب أطروحته بعد مضى سنتين على تسجيله فى الجامعة ثم طلب تغيير موضوع أطروحته المسجل لدى الجامعة تحت عنوان "الموارد المعدنية فى الإمبراطورية العربية الإسلامية " إلى "الإدارة العامة فى قطر".
وبحلول عام 1983 اضطر البروفسور المصرى محمد شعبان للكتابة إلى وزير إلام قطر قائلا "تدخل الآن عامك الثامن وسوف يكون من الصعب الحصول على تمديدات أخرى".
فى عام 1985 ضاق الدكتور ايان نيتون رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة اكستير ذرعا بالذى يجرى فأوصى بإعطاء عيسى الكوارى عاما واحدا نهائياً لاتمام البحث وعد ستة أشهر من المهلة الأخيرة وصل نص طويل إلى الجامعة تحت عنوان "استثمار النفط فى قطر" وباسم عيسى الكوارى لكن أكاديميا أخر فى القسم هو البروفسور السورى عزيز العظمة لاحظ أن "أطروحة الوزير القطرى هي نص مقالة طويلة كان قد كلف صحافيا بريطانيا وهو غرايام بنتون بكتابتها منذ ست سنوات استنادا إلى بحث قام به البروفسور السورى شخصيا.
وقد كتبت المقالة بناء على طلب من الكوارى نفسه لصالح منشورات حكومة قطر الرسمية ودفع عزيز العظمة مبلغ 1000 استرليني للصحافى البريطانى غرايام بنتون لقاء ذلك.
عزيز العظمة آثار الأمر مع محمد شعبان باعتبار أن ذلك يشكل إساءة للمبادئ الأكاديمية واقترح أن يحجم الوزير الكوارى عن تقديم نفسه للامتحان الشفهى وان تتنافس الجامعة أطروحة المقدمة لنيل شهادة الدكتوراه بدون إثارة أية ضجة جديدة غير الذى اتفق عليه وزراء الدفاع والداخلية والإعلام فى اجتماعاتهم المكثفة التي عقدوها خلال الشهر الماضى وأشرنا إلى بعضها فى العدد الماضى من "سوراقيا" وسيكون اجتماع القادة مجرد اجتماع بروتوكولى يدور أغلب الحديث خلاله عن سباقات الهجن التي بدأ موسمها فى دول التعاون منذ شهر ولا يخلو الأمر – خلال الزيارات الجانبية – من أحاديث شتى فى قضايا النساء والغلمان والأكل.
إعلامياً سيتصدى المؤتمر لموضوع الصحافة العربية فى المهجر الذى سبق وأشبعه وزير الإعلام الذين اجتمعوا فى بغداد بحثا وقد يقف "الشيخ" أحمد بن حامد وزير إعلام الإمارات ليلقى الموعظة ذاتها التي ألقاها فى بغداد يوم طالب باتخاذ إجراءات مشددة بحث الصحف العربية الصادرة فى أوروبة وقد عزف على الوتر نفسه الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات فى اللقاء الصحافى الطريف الذى أجرته معه إحدى الجلات الخفيفة التركية وسيجد هذا الموضوع ترحيباً من قبل القادة والوزراء لأنهم كلهم كانوا أبطالا لمواضيع أشبعتها الصحافة العربية بحثا وتحليلا ابتداءً بالاتصالات مع نظام "كامب ديفيد" وشراء الأطفال من باكستان لربطهم على ظهور الجمال وانتهاء بقصص العمولات والصفقات التي أصابت الكبار والصغار من صانعى القرار فى دول المجلس.
ولا يعنى هذا أن الصحافة فى الداخل لن يطالها قيل وقال فوزير الدعاية الكويتي ألمح صراحة إلى قوانين الرقابة والمطبوعات التي يمكن أن تعمم لتصبح قانوناً "تعاونياً" يلجم بالكامل ما بقى من أفواه وأقلام تسعى فى الأرض.
إلا أن أحدا لم يلتفت إلى ذلك وحضر وزر إعلام قطر شخصيا إلى جامعة أكسيتر وطلب من البروفسور المصرى محمد شعبان على اعتبار أنه رئيس لجنة الفاحصين منحه شهادة الدكتوراه على أساس أطروحته استثمار النفط فى قطر بعد جلسة الامتحان مباشرة قام محمد شعبان بتقديم الوزير القطرى إلى برايان بريدهام مدير مركز الدراسات العربية فى جامعة اكستر وإلى سائر أعضاء لجنة الفاحصين فى اجتماع ودى جرى فى دار البروفسور المصرى ويقول برايان يريد هام "لقد عرف شعبان أنه سيكون من المفيد أن أحادث الكوارى عن مستقبل المركز".
وعلى الرغم من مطالبات العظمة وبنتون المستمرة باتخاذ إجراءات تأديبية ضد المتواطئين إلا أن إدارة الجامعة فضلت السكوت أماجون مايكنزى عميد كلية الآداب فى جامعة أكسيتر فقد قال فى حال ثبوت تهمة "الانتحال" ضد وزير إعلام قطر "إلا يستطيع الكوارى الإساءة إلى سمعة الجامعة فى حال عدم منحه شهادته".
إلا أن رئيس جامعة اكسيتر ديفيد هاريسون كان له رأي آخر فى القضية فقد طلب من البروفسور السورى عزيز العظمة أن يعبر عن رأيه "كتابيا" فيما يتعلق بذلك وتحت "ضغط شديد" وافق العظمة على "الامتناع عن مضض" على معارضة منح درجة الدكتوراه للوزير الكوارى إلا أنه فى الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضى. كتب خطابا موجها إلى رئيس الجامعة وإلى زملائه قال فيه "يجب ألا نسمح لبيانات جلساتنا أن تبقى ناقصة ويجب الإشارة إلى الهواجس التي أبديتها بالنسبة لتفضيل تجاهل الجامعة الدليل الذى وضع أمامها والمتعلق بالانتحال فى أطروحة الكوارى.
بعد ذلك شكلت الجامعة لجنة تحقيق برئاسة نائب رئيس الجامعة البروفسور بيتس للنظر فى القضية فرد وزير إعلام قطر عيسى الكوارى على ذلك برسالة وهدد الجامعة بإقامة دعوى قضائية فى حال عدم منحه شهادة الدكتوراه.
قبل أن تبدأ اللجنة فى التحقيق كان مقررا أن يقوم نائب رئيس الجامعة ورئيس لجنة التحقيق البروفسور ييتس وبرايان بريدهام مدير مركز الدراسات العربية والإسلامية فى الجامعة بزيارة قطر بدعوة رسمية من الحكومة القطرية وقد تمت الزيارة حيث تعرض المذكوران إلى انتقادات شديدة بسبب ضعف مستويات خريجى قسم الدراسات العربية والإسلامية فى جامعة أكسيتر وقد عاد بريدهام ومعه عقد بإجراء بحث علمى يتناول موضوع نزاعات الحدود التاريخية، بتمويل قطرى.
التحقيق بدأ فى الثامن عشر من شهر نيسان (أبريل) الماضى واستمر أربعة أيام وغاب عنه الوزير الكوارى بسبب "ارتباطاته وأعماله الكثيرة" التي تمنعه من الحضور وكلف محاميا خبيرا وآخر للمرافعة لتمثيله فى إجراءات التحقيق وأثناء سير التحقيق شهد غرايام بنتون بأنه هو كاتب "الأطروحة" والبروفسور العظمة بأنه هو الذى أجرى البحث الذى شكل المواد الواردة فى أطروحة الكوارى.
وقد اعتبر البروفسور المصرى محمد شعبان كبير المدافعين عن الوزير القطرى إذ قدم الأطروحة مطبوعة على الآلة الكاتبة مع وجود فقرات وهوامش مفقودة مبرزا توصياته وملاحظاته المكتوبة بخط يده التي يوصى فيها الكوارى بالاطناب وواصفا اياه بأنها أول مسودة للأطروحة كتبها وزير الإعلام ونعت الذين يحطون من قدرة "بأنهم باختصار كاذبون".
المدافعون عن الوزير الكوارى من الأكاديميين قالوا أنه من المستحيل على من هو صحافى مثل غرايام ينتون أن يكتب أطروحة دكتوراه خلال شهرين وفى أوقات فراغه.
وجاء قرار لجنة التحقيق ملفتا للنظر فيما يتعلق بالبرهان الذى يؤكد وزير إعلام قطر لموضوع أطروحته بأنه "بين على نحو غير كاف لنقض قرار اللجنة الفاحصة" فى الوقت الذى قال رئيس الجامعة نفسه إنه لم يزل الدليل الموثوق أبداً.
الانجاز الوحيد على الصعيد الإعلامى قد يكون هذه الفتوى التي أدلى بها وزير الدعاية الكويتى والتي تجعل صراعنا مع الصهاينة فى الأساس صراعاً إعلامياً وهي فتوى تجد لها مروجين بين الشيوخ والأمراء والحكام وليست مصادفة أن يكون ظهورها على صفحات "الشرق الأوسط" التي لا تنطق عن الهوى.
أمنياً سيصادق المجتمعون على مقررات وزراء الداخلية و (المرور) ليصبح المع الداخلى فى كل قطر على حدة قمعا "تعاونيا" ومن المؤكد أن وزراء المخابرات الذين يشاركون فى المؤتمر قد أعدوا لوائح الممنوعين والمطلوبين ليتم تبادلها وتعميمها على مراكز الحدود ومديريات الأمن والشرطة وليس سراً أن هذه اللوائح فى أغلبها لمعارضين سياسيين أو لطلبة أو لمواطنين فكروا بصوت مرتفع أو لعلهم حاولوا التفكير فاعتقلوا وإذا كانت جمعيات حقوق الإنسان قد شهدت للحبرين حيث يعقد المؤتمر بالتفوق فى مجال التعذيب فإننا لا نشك فى أن المؤتمر سيطلب الانتفاع من خيرات الإمارة فى هذا المجال.
اقتصاديا سيعمل المؤتمر فى إطارين الأول تكرار تجربة رفعا لحظر عن شركات متعاملة مع"إسرائيل" مثل الكوكاكولا – بدعوى أنها تجربة "منعشة" و "لذيذة" والثاني إيجاد وسائل إضافة لشد الحزام وضغط الانفاق ليس فى مجال تحديد حصص العائلات الحاكمة من ثروات البلاد لا سمح الله وإنما كما هو الحال فى الإمارات من خلال طرد الموظفين العرب أو تخفيض رواتبهم بما يزيد أحياناً عن 50% كما حدث للعاملين فى دفاع أبو ظبى من السوريين والفلسطينيين والمصريين واللبنانيين.
عسكرياً قد يقرر "المتعاونون " الأخذ بتجربة الكويت الرائدة فى الدفاع عن نفسها فبدلا من الانفاق على الأمن القومى من الأخطار الخارجية يمكن عند الأزمات اللجوء إلى نظام استئجار أعلام الآخرين وفقا لأسعار السوق الأمر الذى يسمح للجيش بالانصراف الكلى لحماية أمن العائلات الحاكمة ومن خلال إقامة المتاريس والإكثار من المخبرين والانفاق على القواعد الجوية التي يسرفون فى الانفاق عليها لتخرج لهم لاعبى أكروبات جوية فى أعياد الاستقلال واحتفالات الزواج والطهور وسباقات الهجن.
آفاق التحرك المستقبلى لمجلس التعاون تبدو لنا واضحة لا أسرار فيها ولا أخبار والعتاب الذى قد يتبادله شيخا قطر والبحرين على هامش المؤتمر سيتلاشى بالقبلات العربية الأصيلة بعدما أو كل المتعاتبون أمر الخلاف إلى محكمة لاهاى.