عندما يغرد وزير الاعلام الكويتي .... الفصيح
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد 278 بتاريخ 12 ديسمبر 1988

 

لم نكن نعرف أن معركتنا مع الصهاينة "هي ذات طابع إعلامى فى المقام الأول" إلى أن قرأنا اللقاء الصحافى الذى أجرته جريدة "الشرق الأوسط" السعودية مع وزير الدعاية فى إمارة آل الجابر – الخميس 1 / 12 / 1988 المدعو جابر المبارك أحمد الصباح بل ولم نكن نظن أن الإعلام العربى قد " انشغل عن معركتنا الحقيقية بقضايا جانبية" إلى أن ذكرنا بذلك الشيخ الكويتي الوسيم الذى قلب بمفاهيمه العبقرية كل قواعد الصراع مع الصهاينة، بل وفسر التاريخ بطريقة لم يسبقه إليها شيخ من قبل.
لو صحت نظرية الشيخ الكويتى فإن التاريخ العربى الذى يروى بالتفاصيل كيف احتل الصهاينة فلسطين بالحديد النار، وكيف دفنوا سكان كفر قاسم أحياء فى آبار المدينة وكيف دكوا مدن الضفة بالطائرات والمدفعية يكون تاريخاً مزوراً لأن الصيانة وفقا لنظرية الوزير العبقرى احتلونا (إعلامياً) عندما حاصرونا بالمايكروفونات فى عام 1967 ودخلوا بيروت عام 1982 بدبابات من الصحف وأشرطة التسجيل.
ولأن وزير الدعاية المذكور سيكون على رأس وفد الكويت المرافق لأميرها فى اجتماعات قمة التعاون المقبلة (19 – 12 – 88) ولأنه عمل مع غيره من شيوخ آل الجابر القابضين على وزارات الدولة الحساسة على "صياغة" موقف الكويت وإعداد "طروحاته" وتنظيم برامجه ومناوراته فإننا نتوقع إذن أن يحمل آل الجابر معهم إلى مؤتمر القمة هذه النظرية الجديدة والمبتكرة فى فهم الصراع العربى – الصهيونى والتي تستبعد كلية فوهة البندقية فى هذا الصراع وتستبدلها بالمايكروفون.
لا يمكن فهم تصريحات الوزير على أنها زلة لسان أو حافر ولا يمكن أن يقال أن نظرية خطيرة بهذا المستوى يمكن أن يطرحها وزير الدعاية بعد أيام فى اجتماعات المجلس الوطنى فى الجزائر وقبل أيام من مؤتمر قمة التعاون من دون أن يباركها الجابر الكبير الذى كان ألو رئيس عربى فى التاريخ يعمل بنظام استئجار أعلام الدول الأخرى لحماية مضارب قبيلته.
ما نعرفه ويعرفه غيرنا أن فى الكويت قواعد جوية وبرية وأن فيها أسلحة وذخائر وجنرالات من الرتب كافة حتي أن وزارة الجابر نفسه ما ملت ولا كلت من الطنطنة القائلة أن مناورات صقر الجزيرة التي رعتها الكويت واستضافتها كانت أكبر مناورات عسكرية من نوعها فى الخليج فإذا كانت الكويت لا ترى فى إيران عدوة كما صرح آل الجابر أكثر من مرة وإذا كانت لا تخشى أخواتها ف ى مجلس التعاون وإذا كان فهمها للصراع العربى الصهيونى يقتصر على نظرية وزير دعايتها الذى لا يرى الصراع إلا من الجانب الدعائى فما بال شيوخ الكويت إذن ينفقون ثلاثة أرباع الميزانية على التسليح.
وما نراه أن الكويت التي تعرضت لاهتزازات مالية كبيرة بسبب حرب الخليج وبسبب انهيار الأسهم فى نيويورك ثم بسبب الضربة الأخيرة لاستثماراتها فى بريطانية فضلا عن القلاقل الداخلية التي كادت تطيح بالجابر نفسه فى محاولة الاغتيال الانتحارية إياها بدأت تخطط للانسحاب من التزاماتها المالية والأدبية حيال دول المواجهة مع الدولة العبرية ومن ثم حيال الصراع العربى الصهيونى المسلح وذلك من خلال الترويج للنظرية القائلة أن الصراع مع "إسرائيل" هو صراع إعلامى ومن ثم يمكن لدول المواجهة أن تخفض من انفاقاتها العسكرية مما يعنى بالضرورة التخفيض من حصص الدعم المقررة لدول المواجهة والتي تشارك فيها الكويت بنصيب كبير ومن يدرى فقد يبعث أمير الكويت إلى دول الطوق بشحنات من المايكروفونات وإعداد من صحف "القبس" و "الرأي العام" بل وحتي إعداد "السياسة" إياها مساندة منه فى دعم "الحرب الإعلامية" التي ير ى وزير دعايته أنها الأهم والأولى.
الكويت التي كانت من أوائل الدول العربية المباركة لإعلان الاستقلال الفلسطيني والاعتراف بقرارات مجلس الأمن التي تؤكد حق "إسرائيل" فى الوجود على أرضنا ما فعلت ذلك حباً بالفلسطينيين ولا إيمانا منها بضرورة إيجاد دولة لهم وإنما تخلصا من العبء الفلسطيني الذى لم يعد لشيوخ الإمارة القدرة على تحمله ليس لضيق ذات اليد والصدر وإنما لأن لدي أمراء آل الجابر بعض "الهموم الجانبية" التي ألمح إليها وزير الدعاية وجعلت صباحا لأحمد – وزير الخارجية – يبشر شعب الكويت بأن وزارته فى افتتحت سفارة فى بانكوك حيث يباع الغلمان بعشرة دولارات للراس الواحد كما ذكرت مجلة "العربى" الكويتية فى عددها الأخير (360) بل وجعلت هذا الاكتشاف موضوع غلاف أيضاً.
ليست الكويت وحدها تخطط للانسحاب من المعسكر العربى وبطرح نظريات تجعل الصراع مع الصهاينة مجرد كر وفر من خلال المذياع فدول مجلس التعاون كلها تحمل مثل هذا الشعار الذى ترجمه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى أمر واقع بعد زيارته المكوكية إلى القاهرة التي تمخضت عن إعادة مصر إلى حضن "العربوة" بالرغم من أن نجمة "إسرائيل" السداسية ما زالت تحلق عالية فى "المعادى".
زعماء دول التعاون الذين يلتم شملهم فى البحرين خلال أيام ولن يبحثوا ولن يناقشوا ولن يقرروا شيئاً.