حكومة الرفاعى
تقسم المعارضة الأردنية
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد 273 بتاريخ 7 نوفمبر 1988

 

عندما عمدت الحكومة الأردنية قبل حوالى شهرين إلى إجراء تغييراتها فى مجالس إدارات الصحف الأردنية ورؤساء تحريرها لم يعتقد أحد من المراقبين أن وراء الخطة الصحافية هدفا سياسيا بعيدا ستظهر نتائجه سرا فى صفوف المعارضة الأردنية لكن هذا ما حدث بالفعل وبدأت بوادر "الحرب" بين أهل البيت الأردنى المعارض من صحيفة "الرأى" التي رأس تحريرها راكان المجالى، والتى اتهمت النقابيين بالتدخل فى السياسة الأردنية، فثارت ثائرة النقابيين ودعوا إلى مقاطعة الصحيفة المعركة فى أولها والرابح فى نتيجتها ستكون حكومة زيد الرفاعي.
فى أول إجراء من نوعه فى تاريخ الأردن طلب مجلس نقباء النقابات المهنية الأردنية من جميع أعضاء النقابات المهنية الذين وصفهم بعشرات الآلاف – وينتمون إلى نقابات الصيادلة والأطباء وأطباء الأسنان والمحامين والمهندسين مقاطعة جريدة "الرأى" مقاطعة كاملة تتمثل فى عدم الكتابة فيها وعدم شرائها وقراءتها وعدم الإعلان فيها.
كما طالب مجلس النقباء فى بيان أصدره عقب اجتماع قصير الرأى العام الأردنى بإدانة الموقف الذى اتخذته الجريدة من النقابات حيث اتهمتها من قلم رئيس التحرير راكان المجالى – بالانصراف إلى العمل السياسى وإهمال الشأن المهنى ثم حالت دون نشر الردود التى وصلتها من عدد من النقباء الذين حاولوا ممارسة حق الرد والتوضيح وعلى رأسهم المهندس ليث شبيلات أحد الوجود الوطنية البارزة فى المعارضة الحكومية وصاحب البيان الشهير الذى ألقاه فى البرلمان الأردنى وهاجم فيه حكومة زيد الرفاعى وهو البيان الذى نشرته "سوراقيا" فى عددين متوالين بعنوان (لو كل نائب شكا) انظر العددين 203 و 204 / الاثنين 6 و 13 تموز (يولي ) 1987.
وفى تطور آخر قرر مجلس النقباء إقامة دعوى قضائية على راكان الجالى رئيس تحرير "الرأى" ونقيب الصحافيين واستبعاده من مجلس النقباء وقد ذكرت جريدة "البيان" الدبوية فى رسالة لمراسلها فى عمان (فهد الريماوى ) أن الملك حسين سوف يقوم بزيارة إلى مقر جريدة "الرأى" فى أقرب وقت للالتقاء بأسرة تحريرها وإبداء التوجيهات الكفيلة باستعادة الثقة وإزالة سوء الفهم بين الجريدة التي تعتبر الأولى بين جماهير قرائها من أعضاء النقابات.
هذه التطورات المتلاحقة فى الوسط الصحافى الأردنى والتي أعقبت الانقلاب الأخير فى المؤسسات الصحافية الأردنية الذى أطاح برؤساء التحرير المحسوبين على رئيس الوزراء السابق مضر بدران لصالح راكان المجالى وإبراهيم سكجها وكلاهما تولى رئاسة نقابة الصحافيين فى الأردن تكشف عن انشقاق خطير فى ساحة العمل الوطنى الأردنى واختراق مدروس نظمته الحكومة التي أصدرت قرارها الأخير مدروس نظمته الحكومة التي أصدرت قرارها الأخير بتغيير مجالس الإدارات فى الصحف المحلية وهو القرار الذى عرضنا لخلفياته بالتفصيل فى عدد سابق وجعلنا بالتالى عرض لسهام النقد بدعوى إننا صنعنا من راكان الجالى بطلا وطنياً رغم أنه تابع للسلطة وعميل لها.
بادئ ذى بدء نحب أن نشير إلى أن نشرات المعارضة الأردنية التي تصدر تحت اسم "المصير الديمقراطى" هي التي قدمت راكان المجالى للقراء فى صورة المناضل المعادى للنظام المغضوب عليه من قبل حكومة زيد الرفاعى أنظر صورة المنشور المرفق ونشره المصير الديمقراطى نفسها هي التي نشرت وثيقة ليث شبيلات التي أشرنا إليها وهي أيضا التي نوهت بمواقف إبراهيم سكجها نقيب الصحافيين السابق وهي مواقف أدت كما تقول نشرة المعارضة الأردنية التي تتشكل أساساً من مجالس النقابات إلى عزل سكجها من منصبه كرئيس لتحرير جريدة "صوت الشعب" وذلك فى تموز (يوليو) 1984م.
والقراءة التي قدمناها إذن للانقلابات الصحافية الأخيرة فى الأردن انطلقت أساسا من معلومات نشرتها (المعارضة) وليس الصحف الحكومية وبالتالى لا مجال للقول أن "سوراقيا" قد "أخطأ" أو أ،ها نشرت معلومات مغلوطة كما ورد فى رسالة قارئ أردنى يعمل فى الوسط الصحافى وأن كنا هنا نعترف أننا لم نحط علما بالتطورات والانشقاقات المتسارعة المتلاحقة التي تمت فى أيام والتي جعلت رفيقي النضال والمعارضة ليث شبيلات وراكان المجالى يصعدان المواجهة بينهما فى مجلس النقابات (وكلاهما رئيس لنقابة) ثم يحملان الخلاف إلى ساحات القضاء على النحو الذى حصل مؤخراً.
أكثر من هذا فوجئنا بنص الخبر الذى بعث به نائب نقيب الصحافيين فهد الريماوى إلى جريدة "البيان" الدبوية – وليس سراً أنه مراسلها فى عمان والذى يعطى انطباعا فوريا بأن فهد الريماوى وهو رفيق نضال سابق لراكان المجالى قد اختارت الوقوف إلى جانب ليث شبيلات.
والراصد لهذه التطورات يستطيع أن يخرج بمجموعة من الاستنتاجات تلخصها كما يلى :
أولاً: أن حكومة زيد الرفاعى قد نجحت فى اختراق مجلس النقابات المهنية وبالتالى دق اسفين بين اثنين من قادةا لعمل النقابى فى الأردن – ليث شبيلات وراكان المجالى – من خلال رفعها الحظر عن راكان المجالى الذى كان ممنوعا من الكتابة ومن مغادرة بلدته (الكرك) فى جنوب الأردن ثم تعيينه رئيسل لتحرير جريدة "الرأى" أقوى الصحف الأردنية.
ثانياً: أن حكومة زيد الرفاعى قد نجحت أيضا فى تصفية مجالس إدارات الصحف الثلاث الحسوبة على الحكومة السابقة لمضر بدران والتي كان يتزعهما محمود الكايد ومحمد العمد وتربط الأخير بمضر بدران علاقة نسب كما هو معروف.
ثالثا: أن الصدام الذى أوقعته الحكومة بين مجلس النقابات وراكان المجالى وما تبع ذلك من بيانات ودعاوى فى المحاكم سوف يشغل الساحة الأردنية نقابيين وقراء وصحافيين ومعارضة عما ه أهم وليس غريبا أن تقع كل هذه المعارك فى الاسبوع نفسه الذى ظهر فيه الملك حسين على شاشة التليفزيون الأميركانى متمنيا نجاح حزب العمل الاسرائيلي.
رابعاً: الأهم من كل هذا أن الصدام بين راكان المجالى وليث شبيلات فى ظل وضع اجتماعي قبلى وعشائرى سينعكس حتما على أكثر من صعيد فراكان المجالى من عشيرة المجالىالأردنية التي تضم قيادات أردنية بارزة منها المشير حابس المجالى قائد الجيش الأردنى السابق والحاكم العسكرى ابان " ايلول / سبتمبر الأسود" وافريق عبد الهادى المجالى رئيس الأمن العام واللواء عبد السلام المجالى رئيس الجامعة ونصوح المجالى مدير التليفزيون وغيرهم بينما ينتمى ليث شبيلات إلى عشيرة شبيلات من الطفيلة بجنوب الأردن أيضا – وتبعد عن مدينة الكرك عدة كيلو مترات – وهو وجه وطنى بارز وعضو فى البرلمان ومفكر صاحب رؤية إسلامية متعاطفة مع الإخوان المسلمين.
ما نراه – بعد هذا – أن الخاسر الوحيد من المعارك الصحافية والقضائية بين قطبى مجلس النقابات هو المواطن الأردنى والعمل الوطنى الأردنى الذى أريد له أن ينشغل بقضايا هامشية تحرق الأخضر واليابس وتشكك بمواقف رفاق الأمس وتصنع جبهات جديدة تتداخل فيها المصالح والآراء وتلعب فيها فى الخفاء أصابع الحكومة.