الهدف البعيد لقرارات العقيد
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد 265 بتاريخ 12 سبتمبر ايلول 1988

 

يبدو أن العقيد معمر القذافى أدرك أن بإمكانه تصفية خصومه ومعارضيه المنتشرين فى القاهرة ولندن وشيكاغو من دون الحاجة إلى إطلاق النار عليهم – كما كان يفعل – ويبدو أن التجربة قد علمت العقيد أن "الطهر السياسى" فى العالم العربى، والمزايدة بالشعارات والمناورة بها توصل إلى الهدف مباشرة بأقل الخسائر ولا تتطلب إلا مؤتمرا جماهيريا وخطة عصماء وعدسات تليفزيونية وميكروفونات موصلة وشيئا من الممارسة المسرحية مثل التي قام بها العقيد عندما ركب أمام عدسات التليفزيون جرافة وهدم سواراً قيل إنه أحد سجون طرابلس.
لكن ما لا جدال فيه هو أن العقيد فى طروحاته قد تجاوز كل التطورات وأنه أدخل المراقبين والمؤرخين والمحللين والمعارضين والمؤيدين فضلا عن أركان نظامه من الوزراء و "الجماهيريين" فى حيرة حول تفسير الأسباب والدوافع لما يقدم عليه … مرة بعد مرة .
فى الملتقى الحادى عشر للجان الثورية الليبية الذى عقد فى طرابلس الذى عقد فى طرابلس فجر العقيد مجموعة من الطروحات السياسية والاقتصادية اتبعها بقرارات لم يسجل التاريخ العربى الحديث أو القديم مثلها ومنها على سبيل المثال إلغاء الجيش والحدود والدولة والأنظمة الاقتصادية.
في ذلك المؤتمر هاجم العقيد تجاوزات أعضاء اللجان الثورية معترفا أن إناسا أندسوا فى صفوفها وهم ليسوا منها كاشفا النقاب عن أن هؤلاء تمت تصفيتهم بعد اكتشاف انحرافهم.
فى ذلك الملتقى بشر العقيد المحتفين بلجانهم الثورية أنها ستزول وأن "الجماهير" ستحل محلها داعيا اللجان إلى "توريد الشعب فى الحكم".
كيف يكون ذلك:
يقول العقيد بالمحافظة على "الأسواق السوداء" التي يجب أن تتولى مهام شركة استيراد السيارات والمواد الغذائية طالما أن الأسواق السوداء من صنع الشعب.
حتي الحركة الماركسية الشيوعية لم تكشف أن "الأسواق السوداء" هى من صنع الشعب وأن المحافظة عليها كفيلة بإنهاض الوضع الاقتصادي للأمة وتأمين حاجياتها الأساسية مثل المواد الغذائية فهذه الحركة فى رأي القذافى عجزت عن التغيير ومواصلة المسيرة.
بعد هذا المؤتمر أطلق القذافى سيلا من القرارات أغلق بموجبها السجون وألغى الجيش وذوب الحدود وفتح أبواب ليبية للمعارضين والصحف والمجلات الأمر الذى أدى إلى انهيار جبهات المعارضة الليبية فى الخارج وتشققها وانقسامها فها هو العقيد فى طروحاته بتجاوز كل برامجها فى نقد نظام حكمه وينتقل فى لمحة البصر إلى صفوف الناقدين للجان الشعبية وأنظمتها الاقتصادية ساحبا من تحتها البساط واضعا إياها فوق نار هادئة مصادرا مصداقيتها مضيعا نفوذها من دون أن يلجأ إلى كاتم صوت أو قاذف متفجر كما كان يفعل من قبل أو كما قيل أنه كما يفعل.
وانهيار جبهة المعارضة الليبية جسدته وصورته مقالة لأحد أركانها " سالم أحمد البرغثى" عنوانها "العائدون إلى الوطن" نشرها فى شيكاغو مؤخراً وهي تكشف مدى المعاناة التي سببها قرار القذافى بالانفتاح على المعارضين مداعباً حلمهم فى العودة إلى الوطن راسماً لهم أفضل الطرق وأقصرهم للعودة من دون أن يمسهم بسوء.
المعارضة الليبية ترى أن بالانهيار فى صفوفها سببه "فقدان التوازن الوطنى لدي البعض" لماذا ؟ لأن استمرار النظام القائم في ليبيه إنما هو ناتج عن اسقاط الحق كقيمة من "وعينا الوطني".
من هذا المنطلق تجيب المعارضة فى نشرتها المعروفة باسم "الانقاذ" التي تصدر فى شيكاغو (العدد 25 / السنة السابعة / 1988) عن سؤال فرض نفسه على المراقبين وهو .
من هم العائدون وما هي أسباب ودوافع عودتهم ؟ ترى المعارضة الليبية أن العائدين إلى ليبية يتوزعون فى ثلاث فئات.
الفئة الأولى فئة كانت تنتمى إلى بعض قبائل المعارضة الليبية ومن ثم فإن إجراءات القذافى الأخيرة جاءت متفقة مع ظهور بعض الشخصيات السياسية على سطح الأحداث الليبية فخبرتهم فى المعارضة المستورة مكنتهم من المناورة السياسية أما العمل التصادمى الفعلى فى مواجهة نظام الديكتاتور القابع فى ليبية فقد كان مجلا أن لم يكن غائبا بالكامل عن أذهانهم.
هذه الشخصيات العائدة – تقول نشرة الانقاذ ظل الغموض يكتنف أدوارها بحيث يصعب إيجاد مدلول خاص ومحدد لتوجهاتها الوطنية وأصبحت تطرح أمام الليبيين فى الداخل والخارج الكثير من علامات الاستفهام والتعجب فهذه الشخصيات كانت وما زالت تشغلها قضايا الحكم ونوعية السلطة وأشخاصها الذين سوف يتسلمون مقاليد الحكم فى البلاد إذا سقط القذافى ولم تستغرقها قط عملية وكيفية الاسقاط.
مجلة "الإنقاذ" التي تصدر عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبية – ترى إذن أن الفئة الأولى من العائدين إلى ليبية تلبية لنداء القذافى سلمت ببساطة شديدة بكل الجرائم والأضرار التي لحقت بها وبالشعب الليبي على امتداد 18 سنة وهي بطريق مباشر وبدون تردد تخلت ليس فقط عن حقها بل عن (الحق العام) حق الشعب فى مقاضاة ومحاكمة ومحاسبة ومعاقبة كل المسؤولين الذين أجرموا فى حق الوطن والمواطنين وهي أي الفئة الأولى منحت القذافى صكوك الغفران عما اقترفه خلال كل هذه السنين الطويلة وقبلت به ديكتاتورا شرعيا كما قبلت بكل من ساهم معه فى مسيرة الدمار المعنوي والمادى وأبدت استعداها للسير مع بقية الزمر وأسرعت تبحث عن أدوارها ومراكزها فى وسط التركيبة السياسية القائمة فى ليبية بغض النظر عما يعتريها من تخلخل وترد يفوق الوصف.
الفئة الثانية – يمثلها أولئك الذين ارتبطوا بشكل أو بآخر بفصائل المعارضة الليبية أو من المتعاطفين معها وهؤلاء يريدون العودة للوطن لأنهم يعتقدون بأن الفرصة قد أصبحت متاحة أو مواتية للعمل السياسي غير المباشر فى البلاد سواء من خلال التجمعات الشعبية البسيطة أو دور العبادة الممثلة فى المساجد أو فى المدارس والجامعات أو من خلال النقابات المهنية المختلفة أو حتي عبر الأجهزة البيروقراطية المسماة بالمؤتمرات واللجان الشعبية ورغم أن هذا الطرح هو مشكل قائم ومستمر منذ سنوات عديدة ناقشته القوي السياسية العديدة وتناولته أدبيات المعارضة الليبية بشكل مباشر أو غير مباشر فى إطار بحث أساليب التصدى "للنظام" إلا أنه تم تجريده من علاقته بالواقع التجريبى حتى أصبح إفراطا فى التخيل غير المستساغ فلا يمكن أن ننسى بأن هناك ظاهرة ذات شأن خطير قد استقرت فى ممارسات نظام القذافى على امتداد ثمانية عشر عاماً.
هذه الظاهرة – تقول المعارضة – تتمثل فى الميل إلى ضرب القوى والخصوم وتصفيتهم أفرادا أو جماعات بحجة الحافظ على الوطن من المؤامرات والقوى العميلة وأجهزة القمع لن تعجز عن إيجاد التهم للعائدين على هذا النحو لتردد "نحن فتحنا لهم أبواب البلاد وهم جاءوا للتآمر علينا وتكون المحصلة النهائية لهؤلاء العائدين أجهاض وظيفتهم السياسية أو حتي الاجتماعية والدينية مع محاولة ربطهم بمظاهر التآمر والخيانة كمقدمة لإيداعهم السجون والمعتقلات من جديد.
ومن جهة أخرى – تقول المعارضة – فإن اللجان الثورية كأداة خلقها القذافى من حوله (تقوم على شروط الولاء والطاعة له) كقوة إرهابية محورية سوف لن تتوانى عن خلق دوائر احتكاك مع العائدين لتحطم أي خطة تحرك فردى أو جماعى مما قد يسفر عن مواجهات حادة تعود بالأساليب الدموية إلى سابق عهدها.
أن حديث العائدين عن العمل من خلال أجهزة النظام نفسه يعنى أنه مشكلة أكثر مما يعنى أنه مشروع قابل للتنفيذ وأصحاب هذا المشروع تقول المعارضة سوف يكونون عاجزين عن تنفيذه أما الجماهير المعنية به أساسا فلم تجعل منه مطلبا من مطالبها لأن العمل فى ظل هذا النظام وتحت هذا الحاكم تبدو كصخرة كلما رفعها أهلها أسقطها عجزهم عن إقناع غيرهم بها.
الفئة الثالثة – يمثلها قطاع لم يكن نشطا سياسيا على نحو ما ولكنه كان رافضا لكل ما يحدث على أرض ليبية حيث شعرت هذه الفئة فى الغربة أنها رحلة طالت وامتدت لأنها لم تكن تحقق إلا بعض ما كانت تهدف إليه.
هذه الفئة – فى رأى المعارضة الليبية – تظن أن عودتها تتمشى ومنطق الأحداث وموجه التفاؤلات التي يروج لها رموز السلطة وعناصرها عبر التصريحات واللقاءات الصحافية من دون أن تستطيع فصائل المعارضة توعيتها بحقيقة الأمور فى ليبية وأصبح العائد بهذا المعنى فى رأي المعارضة "ضاحك مع الضاحكين وباك مع الباكين ومهنئ مع المهنئين وناع مع الناعين من دون أن يستطيع أخذ موقف جذرى ودائم من النظام مهما تغيرت أساليب الحكم أو أمزجة القذافى أو زمرته ومهما تقلبت رياح السياسة الدولية وتغيرت موازين القوي الإقليمية.
مجلة "الانقاذ" الناطقة باسم الجبهة الوطنية لانقاذ "ليبية" والتي اختارت أن تصدر فى شيكاغو تخلص إلى أن القذافى ينتظر عودة الجميع بسياستى التهميش والاستيعاب.
تهميش العائدين عبر تهميش أدوارهم فى المجتمع الليبي بمعني أدوارهم التأثيرية فى أي قطاع من القطاعات أو أي فئة من الفئات حتي لو تقلد بعض هؤلاء العائدين مناصب أو مراكز فى البلاد فهي مناصب تغريرية إغرائية قصد بها القذافى الدعاية له ولنظامه وسعيا منه لتجميل صورته فى نظر الآخرين.
والاستيعاب يتم عبر قبول هؤلاء العائدين أولا بشروط الدكتاتور وبمؤسساته وإطاراته وإضفاء صفة الشرعية المترتبة على الموافقة والرضا بالعمل الذى يشكل – فى رأي المعارضة- سابقة تاريخية خطيرة على مستقبل الحياة السياسية فى ليبية.
لذلك تحذر الجبهة من العودة إلى ليبية ومن القبول بوعود القذافى والركون إلى إجراءاته التي ترى أنها خادعة غير محمية بضمانات حقيقية وترى أن "القوانين" الليبية لا تسرى على القذافى وبالتالى يسهل تجاوزها فى أيه لحظة من قبله فالقذافى فى رأي الجبهة هو الخصم والحكم وبالتالى فإن الضمانة الوحيدة للحرية فى ليبية تتمثل فى إسقاط القذافى ونظامه.
أن إثارة جبهة إنقاذ ليبية لموضوع العائدين إلى ليبية من الخارج وانضواء هؤلاء فى فئات ثلاث يعكس فى جانب من جوانبه الأزمةالتي تعيشها المعارضة الليبية أثر قرارات القذافى الأخيرة التي أعطي فيها المعارضين أكثر مما كانوا يطلبون مصادراً بذلك أي حجج لهم ومفسحا المجال لاختبار نياته ولعله نجح فى مسعاه تشير إلى ذلك طوابير العائدين إلى طرابلس وطوابير المغادرين أيضا.
وترى الجبهة أنها المستهدفة من إجراءات القذافى الأخيرة لأنها "مصدر الخطر الأكبر عليه ".
فهي التي جعلته يقدم التنازل وراء التنازل فمن الوقوف على أبواب المغرب لشراء رضا الملك الحسن إلى استخدام عمليات الترغيب والترهيب مع السودان ومن الانحناء على أعتاب بغداد بطلب الصفح والاستعداد لتغيير الموقف من الحرب العراقية الإيرانية إلى التوسل إلى نظام الجزائر لحمايته من الخطر المحدق به ومن التمسح ببلاط حكام الخليج العربى من أجل الوساطة لإنهاء الخلاف مع مصر وسد أبوابها أمام الجبهة وأمام الرئيس التشادى حسين حبرى.
ولا ترى الجبهة فى إجراءات القذافى الأخيرة أكثر من (انفراجات) تعبر عن تراجعات فى الوسائل والأساليب الق صد منها إيهام الجماهير المطحونة بالمعاناة اليومية بأن هناك تغييرا أو شبه تغيير وأن هذه التراجعات لا تقصد إلا التأثير على مشاعر الشعب الليبي بهدف إعادة تشكيل وعيه بمعطيات مزيفة أو توهمات جديدة ذات أبعاد مادية.
هذا ما تقوله الجبهة التي تقود المعارضة الليبية فى أميركة ولكن ما يقوله المراقبون والمطلعون على سير (الانفراجات) فى ليبية يختلف كثيرا فالعقيد يبدو وكأنه هدف فى مرمى المعارضة بإعلان هذه (الانفراجات) ومراقبة ردود فعلها وتفسيراتها التي لم تزد عن التشكيك بمدى صحة ومصداقية العقيد.
لقد وضع القذافى جميع المعارضين فى بوتقة واحدة وبدا يطهو طروحاتهم على "نار هادئة" بينما تستمر المعارضة فى الحديث عن ممارسات النظام ورجاله معتمدة فى الكثير من معلوماتها على مواقف ومقالات كتاب مصريين درجوا على مهاجمة العقيد لأسباب مختلفة منها صعوبة إدراكهم وفهمهم لمنطق العقيد ووعيه وفهمه لنظام الحكم وصعوبة تحليلهم لمواقفه وقراراته وإجراءاته التي تجاوز فى بعضها – مثل إلغاء الجيش والحدود – كل مدارك المحللين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين وإلى متى ستصمد هذه القرارات وإلى متس ستظل ليبية تعيش فى جو (الانفراجات) التي لم يعد يحميها جيش أو تحرسها لجان ثورية أو ميليشيات. 
هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة