صاحب السيادة حنا سنيورة!
بقلم : أسامة فوزي

سوراقيا العدد 263 بتاريخ 29 اب اوغست 1988

 

وأخيراً تحقق الحلم الأميركانى العبرانى المشترك بإنشاء "دويلة" فلسطينية هزيلة فى الضفة والقطاع منزوعة السلاح منزوعة الإرادة، منزوعة الكرامة، وتبين للقاصى والدانى أن مناورات الص يدلى حنا سنيورة وتردده على واشنطن وحضوره أكثر من مؤتمر صهيونى وظهوره على شاشة التليفزيون الأميركانى غير مرة ليتحدث عن فلسطين بالطريقة ذاتها التي كان يتحدث فيها الراحل أنور السادات عن مصر (بعبارات من مثل "شعبى" "أرضى" "وطنى" "جيشى" "قرارى" وكان مصر "عزبة" الرئيس ومزرعته) تبين أن كل ذلك لم يكن عفو الخاطر فالإدارة الأميركانية بالتعاون مع أطراف عربية وصهيونية بدأت منذ اندلاع الانتفاضة تعد لخلق قيادة فلسطينية مطواعة تتمثل بشخصيات من طراز حنا سنيورة ومبارك عوض وحنا عشراوى والمحامى فايز أبو رحمة وغيرهم.
لا جدال أن التليفزيون الأميركانى بمحطاته المختلفة قد نجح خلال الأشهر التسعة الماضية فى "بروزة" الزعامات الجديدة وأصبحت هذه الوجوه مقررة على المشاهد الأميركانى كلما ورد خبر فلسطين المحتلة عن معركة بالحجارة أو هجوم بالزجاجات الحارقة حتي ليظن المرء أن لهذه الوجوه علاقة بالانتفاضة وأنها فى أحسن الأحوال المحرضة عليها بل ووجد الدكتور مبارك عوض نفسه فى ند وة عقدها فى هيوستن مضطرا إلى الإجابة عن سؤال حول علاقته بالبيانات التي تصدر عن القيادة السرية للانتفاضة وما يشاع على نطاق واسع فى الأوساط الأميركانية من أنه كاتبها وجاء رد الدكتور ذكيا فهو لم ينف ولم يؤكد لأن إشاعة كهذه جعلته بين الفلسطينيين بطلا قوميا وأمام المواطن الأميركانى العادى قائداً لثورة مع أن الرجل يعترف فى جلساته الخاصة وحتى أمام المحكمة الا سرائيلية العليا أنه لا فى العير ولا فى النفير وأنه ما رجع إلى القدس إلا ليؤسس مركزا يموله الدكتور هشام شرابى كل همه أن يقول للناس " لا تقوموا" و "من يصفعك على خدك الأيمن أدر له الأيسر.
الدكتور مبارك عوض أستاذ علم النفس وفن التعامل مع المعوقين والذان أصبح بعد طرده من القدس نجما تليفزيونيا يطوف فى الولايات المتحدة ليتحدث عن "القضية الفلسطينية و "الانتفاضة" ولأنه أميركانى الجنسية غاندى الطباع تبناه التليفزيون الأميركانى نفخه جعله إسما مطروحا ومتداولاً فى سوق الحل الفلسطيني على الطريقة الأمريكانية.
الدكتورة حنان عشراوى عميدة كلية الآداب فى جامعة بيرزيت ليست اقل حظوة وحظا فقد كانت واحدة من ثلاثة اختارهم المذيع التليفزيوني الأميركانى (اليهودى) تبد كابل ليقدمهم فى محاورة تليفزيونية مع بعض الرموز الصهيونية أذيعت على الهواء مباشرة من القدس وشاهدها عشرات الملايين من الأميركان ومع أن حنان عشراوى لم تقدم فى حديثها شيئا يختلف عما طلب ويطالب به المهزومون من إنشاء دويلة فلسطينية فى الضفة والقطاع وترك باقى فلسطين لحوارات ومساومات لا تزيد فى مجملها عن مناقشة قضية "التعويضات" على شعبها مع كل ذلك أصبحت الدكتورة "زعيمة" فلسينية تلبى دعوات من مؤسسات وكنائس أميركانية بصفتها مسيحية للحديث عن الثورة والثوار وعن "جهودها" فى دعم الانتفاضة هذه الجهود التي لم نسمع بها بعد برنامج تيد كابل حيث ظهرت الدكتورة على أحدث طراز ولم تضع حول رقبتها شالا فلسطينيا أو علما مكتفية بالسيجارة تدخنها وفق أسس عصرية تنسجم مع نجوميتها.
الدكتوران مبارك عوض وحنان عشراوى صنعهما التليفزيون الاميركانى بين ليلة وضحاها وجعلهما رموزاً فلسطينية تنطق باسم الانتفاضة وتتحدث عنها بالنيابة وأصبح إيراد اسميهما فى كل حوار حول حكومة فلسطينية فى المنفى أو فى الداخل مدخلا لأى (حل) اميركانى للقضية وزاد الحوار حول هذه الاحتمالات بعد قرار الأردن فض يديه عن مشكلة الضفة والقطاع والانسحاب من هموم التحرير إلى حين لكن الشخصية الأخطر التي "بروزها" التليفزيون الاميركانى وباركها رونالد ريغان واثنى عليها جورج شولتز وتغزل بعبقريتها أعلام "كامب ديفيد" (راجع سوراقيا العدد 248– الاثنين 17 أيار (مايو) 1988 موضوع إبراهيم سعدة والأرازقة) هي شخصية الصيدلى حنا سنيورة الذى يطرح اسمه الآن على نطاق واسع كرئيس محتمل لدويلة فلسطينية فى الضفة ترضى عنه كل الأطراف الأردن والولايات المتحدة والدولة العبرية أيضا فمن هو هذا السنيورة وكيف ظهر فجأة إلى السطح.
لم يكن حنا سنيورة فى يوم من الأيام صحافيا ولم يرد ذكره كصحافى فى أيه مطبوعة فلسطينية وجاء ظهوره كرئيس لتحرير جريدة "الفجر" بعد عام 1976 مفاجئا للجميع حتى أن دائرة الأعلام والثقافة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية فى معرض سردها فى كتيب لها صدر عن الصحافة فى فلسطين المحتلة لم تشر إلى أكثر من أن جريدة "الفجر" بعد عام 1976 قد تقلص دورها فى فلسطين بعدما تسلم رئاسة تحريرها الصيدلى حنا سنيورة.
ولصدور جريدة "الفجر" فى فلسطين المحتلة فى 7/4/1972 قصة تروى فبعد حرب حزيران (يونيو) واحتلال الضفة والقطاع حصل المدعو (محمد أبو الزلف) على ترخيص من سلطات الاحتلال بإصدار صحيفة يومية باسم "القدس" سرعان ما كشفت عن حقيقة الدور المرسوم لها لما أيدت من دون تحفظ اتفاقيات "كامب ديفيد" الأمر الذى حرك بعض الوطنيين فى فلسطين فأصدروا جريدة "الفجر " فى 7/4/74 ولم يظهر له أثر حتى الآن ولم تعرف الجهات التي اختطفته بينما واصلت الجريدة فى الصدور اسبوعيا لمدة عامين حيث أخذت تصدر مرتين اسبوعيا (سبت وأربعاء) وتعاقب على رئاسة التحرير عدد من الصحافيين منهم محمد البطراوى ثم بشير البرغوتى وكما ذكرت دائرة الأعلام والثقافة فى منظمة التحرير فإن أصحاب الجريدة وضعوا (عراقيل) بالتعاون مع سلطات الاحتلال أمام هيئة التحرير إلى أن توجوا ذلك بإقالة طاقم التحرير وإيقاف صدور الجريدة بتاريخ 23/11/1976.
بعد شهر ونصف الشهر اتضح للجميع أن إغلاق الجريدة لم يكن أكثر من مسرحية لعزل طاقم التحرير الذى اتسم أنذاك بروح وطنية عالية ذلك أن الجريدة عاودت الصدور بطاقم جديد وبأسماء لم يسمع بها أحد من قبل وبملاحق للبهرجة والتزويق والضحك على الذقون كان منها ملحق بالعبرية وأخر بالانكليزية عدا عن ملاحق خاصة بالنساء وأخرى عن الرياضة ولم يكن عجيبا أو مدهشا أو مستغربا أن يتولى الاشراف على هذا الإصدار الجديد والكوكتيل الصحاى البديع صيدلى من القدس اسمه حنا سنيورة.
لم يكتف الصيدلى حنا سنيورة برئاسة تحرير جريدة فى القدس تصدر عنها ملاحق متنوعة ليس بينها ما يدعو إلى القلق – بالنسبة إلى السلطات الاسرائيلية على الأقل وإنما سعى إلى بناء "امبراطورية" كتلك التي بناها الاوسترالى روبرت (مردوخ) دون أن نعرف مصادر تمويله طبعا فإذا بجريدة تصدر فى غزة باسم "الاسبوع الجديد" يرأس تحريرها زهير الريس ولم تمر أيام وإلا ويعرف الجميع أن الجريدة مملوكة لـ "مردوخ" الفلسطينى الصيدلى حنا سنيورة وإذا بالامبراطورية تفرخ مجلة "البيادر" التى أسسها وراس تحريرها صحافى ناشئ كان يعمل فى جريدة حنا سنيورة محررا للمواد الخفيفة كما ذكرت منشورات منظمة التحرير نفسها وغذا بجاك خزمو يكبر مع سنيورة ويتحول مع الصحافية الناشئة ندى خزمو إلى منظرين للثورة والثوار يطبلان ويزمران لحنا سنيورة فى مجلتهما ولا يتركان مؤتمرا صهيونيا إلا ويغطيان أخباره مشيدين بالدور الوطنى الذى يلعبه سنيورة وتاركين الحبل على غواربه لعضو الكنيست الاسرائيلي محمد وتد كى يدعوا إلى لقاءات مع غيزرا وايزامان وزير الحرب الاسرائيلي السابق.
وبالرغم من ذلك كله ظلت صحف ومنشورات حنا سنيورة محدودة التوزيع ومحدودة التداول إلى أن اندلعت الانتفاضة وركب سنيورة موجتها وبدا يتردد على واشنطن ويظهر على شاشة التليفزيون الأميركانى ليتحدث عن (شعبى) و (وطنى) و (دولتى) التى يرى سنيورة أنها "يجب أن تقام فى قطاع غزة والضفة الغربية ويجب أن تعيش بسلام وحسن جوار مع دولة "اسرائيل" بالحدود التي كانت عليها قبل حرب حزيران (يونيو) 1967" كما صرح لمجلة "لوفيل أو بزرفاتور" الفرنسية.
الأطراف الصهيونية التي التقت مع حنا سنيورة مؤتمر بروكسل ومن بينها وزير الحرب وايزامان ووزير الخارجية السابق أبا ايبان ورئيس الاستبخارات الاسرائيلية السابق أهارون ياريف أشادت بهذه النموذج من المفاوضين ودعت إلى "دعم" و "بروزة" مثل هذه الزعامات (المعتدلة) ويبدو أن جورج شولتز قد استطلع الأمر بنفسه عندما دعا حنا سنيورة إلى زيارته فى واشنطن فوجد فيه نعم (الزعيم).
حنا سنيورة الصيدلى الغامض الذى تحول الصحافة فامتلك بعضها وحولها إلى (رأي عام) فى الضفة والقطاع وجد فى الإعلام الأميركانى والإسرائيلي من يجرى له عمليات تجميل صحافية فأغفلوا ذكر مهنته الأصلية كصيدلى واكتفوا بهويته كمالك لصحف ومجلات وملاحق تصدر فى الضفة الغربية وكرجل يجيد التحدث باللغة الانكليزية وكفلسطيني معتدل غير محسوب على أي فصيل و "بطل" يضحى بحياته من أجل حضور مؤتمر سلام مع صحاينة وأهم من هذا كشخص لا أصل له ولا فصيلة على الصعيد الوطنى أو الشعبى أو النضالى ليقدموه مبادرة الملك حسين بفك الارتباط مع الضفة – كرئيس محتمل ومتوقع للدويلة الفلسطينية المزمع انشاؤها فإلى أي مدي سيتحقق هذا الحلم وما مدي إدراك القيادة الفلسطينية هذه اللعبة التي شاركت فى وضع بنودها وخططها أطراف أميركانية وصهيونية وعربية.
هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة.